آبي أحمد وإمبراطورية القرن الأفريقي: هل تقود مصر نظاماً إقليمياً؟
أدركت مصر والسودان وإريتريا والصومال مخاطر مشروع آبي أحمد الإمبراطوري الجديد على أمنها وأمن المنطقة، فانعقدت قمتهم الرباعية في مدينة العلمين الجديدة بمصر.
-
هل تقود مصر نظاماً إقليمياً؟
في النصف الثاني من أيلول/سبتمبر 2026، دخلت إثيوبيا منعطفاً خطيراً، إذ فجّرت مخرجات مؤتمر الحوار الوطني صراعاً مكبوتاً، وحوّلت الأزمة الداخلية إلى حرب أهلية تهدّد كيان الدولة وأمن المنطقة، بعد أن عالجت تسوية بريتوريا الترتيبات الميدانية وتركت الجذور البنيوية قائمة.
حزام نار وممر حيوي
مع بداية الحرب، توسّع نطاقها بسرعة، فامتد مسرح عملياتها في قوس يربط بين أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر وأوروميا، مع امتدادات إلى بني شنقول-قمز، ليشكّل حزام نار يطوّق مركز الدولة. وتعمل قوات تيغراي للسيطرة على الطريق الرابط بين بين إثيوبيا وجيبوتي عبر عفر، الذي يعبره أكثر من 95% من تجارتها. ويشلّ قطع الممر القدرة اللوجيستية للحكومة، ويمنح التحالف ورقة تفاوضية قوية، ويدفع أديس أبابا إلى توزيع قواتها وفتح جبهات استنزاف.
الإرث الإمبراطوري: أصل الأزمة البنيوية
قاد الإمبراطور منليك الثاني في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين توسّعاً ضاعف مساحة "مملكة شوا" بغزو أراضي الأورومو والصومال والسيداما والعفر والجنوب الغربي، واستند في شرعيّته إلى أسطورة "سليمان وبلقيس"، فكرّس التفوّق الأمهري وشرّع التوسّع باسم المهمة الإلهية. وفي الداخل، أخضع شعوباً مختلفة الأجناس واللغات والأديان لإرادة الأمهرة بالقهر العسكري، وفرض اللغة الأمهرية لغة رسمية للبلاد، كما فرض الأرثوذوكسية على سكان متعدّدي المذاهب يشكّل المسلمون أغلبيتهم، ورسّخ مركزية السلطة التي احتكرت الأرض والجيش والكنيسة، وحوّل نظام "القبالة/الكَّبّار" الفلاحين إلى أشباه أقنان.
واستجاب "الاستعمار" الغربي لمطلب الإمبراطورية التوسّعي: ففصل بني شنقول وغامبيلا عن السودان عام 1902، واقتطع أوغادين وأجزاء واسعة من الصومال عام 1954، وألحق إريتريا عام 1952 قبل أن تستقل عام 1993، فبمنطق عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، صارت الحدود نتاج تصرّف "استعماري" انتقائي، أفرز دولة هجينة تقوم على هيمنة داخلية أحادية وتوسّع خارجي على حساب الجيران. ومثّلت تلك السمات أصلاً بنيوياً للأزمة، تعود إلى الواجهة كلما لاحت ملامحها، فتذكّي المخاوف وتفجّر الحروب.
المشروع الإمبراطوري الجديد
يشكّل هذا الإرث منطلق المشروع الإمبراطوري التوسّعي الجديد الذي يعمل آبي أحمد على إعادة بنائه عبر أربع ركائز: إعادة صياغة الأوضاع الداخلية، والسعي إلى البحر الأحمر، وبناء شراكات استراتيجية، وبناء قاعدة اقتصادية. ويستدعي آبي أحمد رمزية "سليمان وبلقيس ومنليك الثاني"، ليقدّم نفسه وريثاً لهم. وجاء مؤتمر الحوار الوطني تتويجاً للمسعى الأول، بالتحوّل من النظام البرلماني الفدرالي الذي أقرّه دستور 1995 إلى نظام رئاسي مركزي، يعيد إلى الذاكرة صورة حكم الإمبراطور وحقبة الدرغ، وقضت نتائج الحوار على ركيزة التوافق الوطني التي وفّرت استقراراً لنحو ثلاثة عقود.
ويجد المشروع دعماً عبر شراكات أمنية وعسكرية مع أمييكا ودول أوروبية والإمارات و"إسرائيل"، توفّر غطاءً دولياً لمشروعه التوسّعي. وتتقاطع هذه الشراكات مع مصلحة آبي أحمد في إحكام قبضته وتعزيز مكانة بلاده كدولة محورية وقوة إقليمية في معادلات الأمن والطاقة والسياسة. وتدعم هذا المسار مشروعات طاقة كبرى: سد النهضة، ومشاريع للرياح والطاقة الشمسية والحرارية الأرضية، وبرنامج نووي بمفاعلين. وتضاف إلى ذلك صناعة عسكرية متسارعة، تنتج المسيّرات والمدرّعات والذخائر، وتصدّرها إلى أكثر من ست دول أفريقية.
تحالف البقاء: ردة فعل واستباق
تشكّل تحالف "قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء" في 20 أيلول/سبتمبر 2026، بين فصائل كانت تتقاتل قبل سنوات. يضمّ سبع جماعات مسلحة؛ أبرزها جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، والجبهة الوطنية لتحرير أوغادين، والجبهة الثورية للوحدة الديمقراطية لعفر، وحركة تحرير شعوب بني شنقول، والحركة الديمقراطية لشعوب قمز.
ويحمل اسم "البقاء" دلالة على أنّ الصراع صار وجودياً وحاسماً، فلا مجال فيه لتراجع أو تسوية جزئية، وهو ما يمنح التحالف تماسكاً ظرفياً في مواجهة مشتركة. يُقرأ الإعلان كردّ فعل على مخرجات الحوار الوطني التي نسفت توافق 1995 وقضت على النظام البرلماني والفدرالي. ويكسر التحالف معادلة "الحرب بين الحكومة وجبهة تيغراي" السائدة منذ 2020، وينقل الصراع إلى جبهات متعدّدة. ومع ذلك، يحمل التحالف بذور تفكّكه إذ تتفق مكوّناته على إسقاط آبي أحمد، وتتباين رؤاها حول مستقبل الدولة والحدود والأراضي المتنازع عليها.
أديس أبابا: قوة خارجية وضعف داخلي
تعتمد أديس أبابا على القوة العسكرية والهندسة السياسية في مواجهة تحّدٍ مزدوج: حرب على جبهات متعدّدة، والحفاظ على المراكز الحضرية وطرق الإمداد. وتحتفظ بأفضلية عددية وجوية ومسيرات وتنظيم وتسليح، وتقوم استراتيجيتها على الاحتواء والردع الوقائي، والضربات الجوية، وتوظيف التناقضات العرقية.
تشكّل الشراكات الدولية عنصراً أساسياً؛ فقد وصفت وزيرة الدفاع الإثيوبية الشراكة مع واشنطن بالاستراتيجية. وأدّت أبو ظبي وأنقرة دوراً محورياً في حرب 2020-2022 عبر دعم أديس أبابا بالمسيّرات والدعم اللوجيستي والمالي. ويمثّل الاعتماد على الدعم الخارجي نقطة ضعف مع افتقار النظام إلى التماسك الوطني والعمق الشعبي، ما يجعله هشّاً أمام تحوّل المعادلات الإقليمية والدولية.
قمة العلمين: موقف إقليمي في وجه المشروع الإمبراطوري
أدركت مصر والسودان وإريتريا والصومال مخاطر مشروع آبي أحمد الإمبراطوري الجديد على أمنها وأمن المنطقة، فانعقدت قمتهم الرباعية في مدينة العلمين الجديدة بمصر يوم 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وأصدرت إعلاناً مشتركاً يرسي احترام السيادة ورفض التدخّل، ويدعم وحدة السودان والصومال، ويحصر حوكمة البحر الأحمر بالدول المشاطئة، ويرفض الإجراءات الأحادية في النيل الأزرق، مع آلية متابعة وقمة دورية.
وردّت أديس أبابا برفض الإعلان واعتباره محوراً موجّهاً ضدّها، ورفعت من حدّة خطابها تجاه إريتريا، مع تهديدات ضمنية باحتمال تحرّك عسكري نحو ميناء عصب، في رسالة إلى دول القمة بأنّ خيارات المواجهة لا تزال مفتوحة. وهو اختبار لقمة العلمين: إما أن يتحوّل إعلانها إلى ردع فعلي، أو يبقى بيان مواقف تذروه الرياح.
يتسدعي الانتقال من الإعلان إلى التحالف تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك والاتفاقيات ذات الصلة المبرمة بين الدول الأربع، لينشأ نظام أمني إقليمي يؤمّن القرن الأفريقي ووادي النيل، ويحقّق الردع الجماعي، ويحمي السيادة والحدود والمصالح، ويواجه التهديد، ويضمن الحقوق المائية لدول الوادي، ويصون الأمن القومي للدول الأربع والأمن القومي العربي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، اللذين تضاعفت أهميتهما الاستراتيجية بفعل فاعلية دور اليمن مؤخراً في الصراع العربي الإسرائيلي، وباتا مركزاً متجدّداً للتنافس الدولي.
حرب الاستنزاف: تفوّق جوي وجبهات متعدّدة
يدرك التحالف أنّ الحسم السريع في المواجهة الميدانية خارج متناوله، وأنّ ميزان القوة يميل لصالح الجيش النظامي بتفوّقه التسليحي، وخاصة الطيران، وخطوط الأمداد والتعويض. فيتجنّب المواجهة المباشرة، ولا يتمسك بالدفاع عن المدن، تفادياً لمصير جبهة تيغراي حين حاصرها الجيش الإثيوبي في جبهات ثابتة حتى انهارت. ويعوّل على حرب العصابات وحروب الجبال، حيث تُبنى الغلبة بالتراكم والاستنزاف، مع توزيع العمليات على جبهات متعدّدة تشتّت قوات الجيش وتستنزفها.
وتشير المعطيات إلى أنّ استمرار الفعل المناهض يتوقّف على إسناد خارجي توفّر الإرادة الحرة استمراه، في ظلّ تقاطع مصالح الدول التي يهدّدها المشروع الإمبراطوري مع مصلحة التحالف. ويمنح هذا الإسناد التحالف قدرة على الصمود في مواجهة طويلة يمكن أن يترتّب عليها إضعاف النظام وتآكل مؤسساته وعجزه عن الوفاء بواجباته تجاه شعبه. ومن شأن الفاعلية الميدانية والسياسية والإعلامية المتكاملة أن تفرض معادلات سياسية جديدة: توافق وطني جديد يخاطب جذور الأزمة، أو تفكيك تسبقه فوضى. فالمعركة معركة صبر ونفس طويل.
الجوار أمام اختبار الإمبراطورية: نحو أمن إقليمي وقائي
تعكس الحرب أزمة بنيوية في طبيعة الدولة: صراع بين النظام البرلماني الفدرالي والمركزية الرئاسية القابضة. ويكتسب الصراع خطره من حجم إثيوبيا، الأكبر سكانياً في القرن الأفريقي والثانية في القارة، ومن مشروعها التوسّعي نحو البحر الأحمر وشراكاتها الدولية المتشابكة، ما يجعله يتجاوز حدودها إلى الجوار، ويعيد إلى الذاكرة تجارب تاريخية أثقلت الإقليم حين تحوّل التوسّع الإمبراطوري إلى عامل تفكيك للجوار.
وقد أدركت الدول المستهدفة هذا الخطر، فجاءت قمة العلمين تعبيراً عن وعي جماعي بالمخاطر التي تهدّد أمنها وأمن المنطقة. ويبقى المطلوب أن يتحوّل هذا الوعي إلى نظام إقليمي وقائي، متأهّب للدفاع عن أمن الدول الأربع والمنطقة، قائم على عدم التدخّل واحترام السيادة وحسن الجوار، يرسي قواعد مشتركة لمواجهة التحدّيات العابرة للحدود، ويعزّز الشراكات متعدّدة الأطراف. فالتنسيق والتآزر والعمل المشترك ضرورة ملّحة لا مناص منها.