"نازا".. متى ستبدأ المحاسبة؟!

أخطر ما في فيلم "نازا" ليس ما عرضه عمّا جرى في غزة وأصبح من الماضي، بل ما سيفتحه هذا الفيلم للمستقبل.

0:00
  • ما الذي يغيره فيلم
    ما الذي يغيره فيلم "نازا" في صورة "إسرائيل" أمام العالم؟

لم يكن الوثائقي الذي بُثّ في "إسرائيل" مجرد فيلم سينمائي جديد يوثّق أحداث الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بشكل عابر، ليُضاف إلى سلسلة من الأفلام والشهادات التي وثّقت على مدار ثلاثة أعوام، بل فتح نافذة جديدة على جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، وشهادات من داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليسجل بذلك وثيقة إضافية مصورة تُضاف إلى آلاف التقارير التي وثقت جرائم الحرب الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023، ما يجعل بث هذا الفيلم مختلفاً تماماً بنقله مشاهد الإبادة الجماعية وشهادات الاعتراف لـ24 من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي وعناصر الاستخبارات في الوحدة 8200، الذين تحدثوا عن أدوارهم في منظومة الاستهدافات وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

معروف أن الفيلم أنتجه شخصان في "إسرائيل" وحصلا على جائزة في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، وقد شهد هذا الفيلم حملة سياسية رسمية وإعلامية واسعة من الانتقادات الحادة وصلت إلى التهديد والوعيد لمنتجي هذا الفيلم.

السؤال الأهم من كل الضجة الإعلامية التي أحدثها الفيلم هو سؤال المسؤولية الذي وضعها أمام العالم، ليؤكد الفيلم أن الشعب الفلسطيني طيلة ثلاثة أعوام من الحرب كان أمام حرب إبادة قاسية منظمة سمحت باستهداف وقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين بدم بارد، وجرائم ضد الإنسانية، خاصة أن الفيلم تناول شهادات حية تحدثت بشكل صريح عن اعتماد التكنولوجيا في عمليات القتل والجرائم التي ارتُكبت.

ثمة سؤال يطرح نفسه هنا، ما الذي يغيره فيلم "نازا" في صورة "إسرائيل" أمام العالم؟

على مدار عقود استثمرت "إسرائيل" بصورة كبيرة في رسم صورة نمطية عنها، أنها دولة ديمقراطية وجيش ومؤسسات عسكرية متقدمة، مسلح بتكنولوجيا دقيقة وأنظمة قانونية تضبط أي عمل يمكن أن تقوم به، لكن فيلم نازا كشف الصورة الحقيقية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، أنها دولة ارتكبت جرائم إبادة جماعية وتطهيراً عرقياً بحق الفلسطينيين، فالمسألة لم تعد مرتبطة بوجود قتل متعمّد للمدنيين الفلسطينيين في حرب عادية، وإنما السؤال الأهم عن طبيعة المؤسسة العسكرية والأمنية في "إسرائيل" التي كانت سبباً في هذا الكم الهائل من الشهداء، وهنا التحول المهم، في تقديري، في معركة الرواية.

الشعب الفلسطيني الذي يعيش احتلالاً إسرائيلياً لأكثر من خمسة وسبعين عاماً لم يكن بحاجة إلى فيلم ليعرف العالم حجم الكارثة التي حلّت به من النكبة والهجرة عام 1948 إلى حرب الإبادة التي بدأت في أكتوبر 2023، والتي بات يعيشها واقعاً على الأرض، فقد بثّ الإعلام العربي والدولي آلاف التقارير الموثقة والشهادات لآلاف المجازر التي ارتُكبت في غزة، لكن الجديد هذه المرة أن جزءاً من الرواية يأتي من داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومن أشخاص قالوا إنهم كانوا جزءاً من منظومة القتل والحرب التي تحدثوا عنها، وهذا يمنح تلك الشهادات قيمة ووزناً سياسياً وإعلامياً مختلفين.

من وجهة نظري، أخطر ما في فيلم "نازا" ليس ما عرضه عمّا جرى في غزة وأصبح من الماضي، بل ما سيفتحه هذا الفيلم للمستقبل، إذ لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خاتمة الجرائم الإسرائيلية، بل يُعد بداية لمرحلة جديدة من الوقوف على تلك الشهادات في المحافل الدولية المختلفة، والمباشرة الفورية في المساءلة والمحاسبة، ومعروف أن الفيلم السينمائي فتح الباب ونشر الشهادات، لكنها لا تستطيع إصدار الأحكام القانونية بحق مرتكبي الجرائم.

هناك مسؤولية كبيرة تقع على كل المؤسسات الدولية القانونية وفي كل المحافل، بضرورة وضع هذه الشهادات ضمن المسار القانوني الدولي، إذ يشكل نازا جزءاً مهماً من كشف الحقيقة بالأدلة، خصوصاً في ظل وجود دعوات أممية حديثة للوقوف على كل الانتهاكات والجرائم التي حدثت في غزة طيلة حرب الإبادة.

فيلم "نازا" يعزز الرواية والسردية الفلسطينية اللتين تحدثت عنهما أوساط كثيرة طيلة أيام الحرب، ومن المهم أيضاً ألا يُفهم "نازا" وكأن الحقيقة في السردية الفلسطينية احتاجت إلى اعتراف إسرائيلي حتى تصبح حقيقة، لا وألف لا فلقد وثق الصحافيون الفلسطينيون والجهات المختصة في قطاع غزة، إلى جانب المنظمات الدولية، حجم الجرائم التي ارتُكبت، والتي قاربت على مئة ألف شهيد فلسطيني، فضلاً عن أعداد المفقودين، وما زالت الجرائم مستمرة ولم تتوقف من دون رادع حقيقي.

على الزاوية الأخرى من الصورة، فإن قيمة "نازا" ليست في أنه اكتشف حجم وفظاعة الجرائم الإسرائيلية المرتكبة في غزة، بل في أنه نقل جزءاً مهماً من النقاش إلى داخل "إسرائيل" نفسها رسمياً وأحدث صدمة كبيرة لدى الأوساط السياسية والأمنية، وهنا تصبح المسألة أكثر إحراجاً للمؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، فلم يعد السؤال أمامها ماذا يقول الفلسطينيون عن جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي، وإنما ماذا يقول جنود الاحتلال الإسرائيلي أنفسهم ومسؤولو الاستخبارات الذين كانوا جزءاً من معادلة القتل وحرب الإبادة.

"إسرائيل" بعد فيلم "نازا" أصبحت أمام معركة الذاكرة والصورة، صحيح أنه ربما لن يؤدي فيلم واحد إلى تغيير مواقف الحكومات الغربية تجاه "إسرائيل" بشكل سريع، رغم حالة التغير الكبيرة والتحول في المزاج العام العالمي تجاه إسرائيل، والتي أحدثت تحولات كبيرة طيلة حرب الإبادة، لكن المهم في هذا السياق أن الأفلام مثل "نازا" ستبقى محفورة في الذاكرة، ولن تُنسى بالسرعة التي قد يتوقعها البعض، "نازا" أصبح جزءاً من أرشيف طويل من جرائم الإبادة الجماعية لن تمحوه الأيام، وسيُعاد استحضاره كلما أراد أحد كتابة تاريخ هذه الحرب التي لم تنتهِ بعد.

لعل النقطة الأهم من وجهة نظري أن "نازا" جاء في لحظة لم تعد فيها "إسرائيل" تواجه فقط أسئلة سياسية حول غزة، وإنما أسئلة متزايدة حول اختراق القانون الدولي واستهداف المدنيين بشكل متعمّد، في صورة تعكس أبشع جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومن هذا المنطلق فقد أصبحت معركة "إسرائيل" لا على فيلم "نازا" فقط، بل مع سجل مليء ومتراكم للحرب، فيه من الشهادات والأدلة ما يكفي لإدانتها ومحاسبة قادتها في المحافل الدولية كمجرمي حرب وجعلهم ملاحقين على الدوام. 

لقد شاهد العالم عبر شاشات التلفزيون غزة وهي تُقصف، والأحياء المدنية وهي تُباد، والأنقاض والأشلاء تُنتشل من تحت الركام، ومنها آلاف الشهداء، ما زالوا لم تُستخرج جثامينهم رغم مرور الوقت، وهنا يُطرح السؤال الأهم نفسه، ماذا بعد "نازا"؟ إذ لم يعد السؤال ماذا شاهدنا، بل ما المطلوب منا أن نفعل، وأقصد هنا المؤسسات الحقوقية والمحافل الدولية المختصة، خاصة أن "نازاط فتح باباً مهماً للمحاسبة والملاحقة، وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يفرضه الفيلم.

العالم اليوم أصبح أمام خيارين لا ثالث لهما، إذا تعامل مع هذه الاعترافات بأنها مادة إعلامية، نقطة وآخر السطر، فهنا تكمن المصيبة، وهذا سيكون تهرباً من جوهر القضية الأساسية، إذ إن المطلوب هو التحقيق وحفظ الأدلة ومحاسبة المجرمين المتورطين، أياً كانت مواقعهم، وهنا أقصد الملاحقة القانونية الدولية والاعتقال والمحاكمة كمجرمي حرب، ففيلم "نازا" ليس محكمة، والشهادات تعزز وتساند الضحية وتفضح الجلاد، "نازا" بات مادة لا يمكن دفنها، فمن تحدثوا هم شخصيات خدموا خلال الحرب في المؤسسات العسكرية والأمنية في "إسرائيل"، وبالتالي يكون قد فتح نافذة على أكثر مراحل الحرب التي حاولت "إسرائيل" طمسها، فلو عدنا للذاكرة قليلاً إلى الوراء سنجد تسريبات  عن استخدام "إسرائيل" بالفعل التكنولوجيا وبرامج الذكاء الاصطناعي في حربها على غزة، وهذا يكشف عن علاقة بين التكنولوجيا وتأثيرها على القرار العسكري، من دون الالتفات لأرواح قُتلت بدم بارد.

العالم أجمع شاهد جرائم الحرب بالصوت والصورة، وبالتالي يأتي "نازا" ليطرح جملة كبيرة من التساؤلات التي لا يمكن القفز عنها، ليصبح السؤال الأبرز هنا// ماذا بعد فيلم المساءلة، ومن ينصف أبرياء غزة وأطفالها ونساءها وشيوخها من جرائم ارتُكبت؟

"نازا" ليس نهاية الحكاية، بل شهادة جديدة تضع العالم أمام مسؤولية لا يجوز تأجيلها تحت أي ظرف كان بعد أن قيلت الشهادات وكُشفت الوقائع، ليبقى السؤال الأهم// متى تبدأ الملاحقة والمحاسبة بحق من قاموا بكل هذه الجرائم؟