"عرب المحاميد" في النيجر و"أمننة" سياسات الترحيل الجماعي في أفريقيا

قضية عرب المحاميد في النيجر تجسيد لتداخل تحديات الهوية والمواطنة والأمن والصراعات الإقليمية في منطقة الساحل.

  • "عرب المحاميد" في النيجر و"أمننة" سياسات الترحيل الجماعي في أفريقيا

برزت مجدداً قضية "عرب المحاميد" في دولة النيجر لتسيطر على عناوين وسائل الإعلام الدولية خلال الأسبوعين الماضيين، في توقيت تتشابك فيه الأوضاع الإقليمية بشكل وثيق. ويعكس تجدد هذه المسألة أزمة الدولة الوطنية ومعضلة الاندماج والهوية الوطنية الجامعة، والتشكل النهائي للمواطنة في دول ما بعد الاستعمار بشكل عام.

ويأتي قرار الترحيل وإلغاء الجنسيات والوثائق الثبوتية الذي يستهدف "عرب المحاميد" تحديداً دون غيرهم من مكونات البلاد الأخرى، لكن تفسيرات هذا القرار تباينت بين من يرى أنه مجرد تفعيل لقرار سابق، ومن يذهب إلى أنه يستهدف فقط الفئات التي وفدت حديثاً إلى منطقة ديفا الواقعة في أقصى جنوب شرق البلاد، ومن يراه مرتبطاً بمخاوف تتصل بالأمن القومي.

بناء على ذلك، لم يكن قرار سلطات نيامي بشأن "عرب المحاميد" أو "عرب الديفا" هو الأول من نوعه، إذ سبق للنيجر أن بدأت في تشرين الأول/ أكتوبر 2006 ترحيل أفراد من قبيلة المحاميد نحو تشاد، قبل أن يتم تجميد هذا القرار حينها، غير أن القرارات الحالية تشمل، بحسب دوائر رسمية في النيجر، جميع القبائل والمجموعات التي تعتبرها السلطات قد استوطنت البلاد بصورة غير قانونية. وتؤكد السلطات أن "الإجراء سيطال الأشخاص المنحدرين من دول مجاورة، وأن عليهم العودة من حيث أتوا".

الصراع في السودان كعامل محفز

مؤخراً، أصبحت تحركات بعض دول المنطقة، كما فعلت النيجر، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتطورات الصراع في السودان؛ فاستمرار سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور أو انهيار مشروعها  هناك كلاهما تطورات تثير مخاوف من هجرات جماعية من وإلى  بعض دول المنطقة. ومع خروج الحدود الدولية مع بعض دول الجوار عن سيطرة الدولة المركزية في الخرطوم، تحولت دارفور تحت سيطرة الدعم السريع إلى قاعدة خلفية لمشروع إعادة توطين "عرب الشتات، كما وصفهم الدرديري محمد أحمد، وزير الخارجية السوداني الأسبق، نظراً إلى حاجة المليشيا لمزيد من المقاتلين من أبناء هذه القبائل، وكذلك لملء الفراغ السكاني الناتج من تهجير غالبية سكان دارفور بسبب الحرب.

إن نموذج "الازدواج العسكري" الذي يجمع بين ميليشيا وتنظيم سياسي لمجموعة قبلية داخل الدولة، كما حدث في السودان مع قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، قد يتطور بسرعة إلى تخطيط للسيطرة والهيمنة السياسية ومحاولة الاستيلاء على السلطة، ما يهدد كيان الدولة نفسها وتماسكها الاجتماعي واستقرارها السياسي. ومن ثم، فإن مشاريع تأسيس عصبية سياسية من قبيل "دولة العطاوة" أو عصبية "أولاد جنيد"، قد تتحول إلى أفكار مثيرة للانقسام وإلى تفكيك الدولة وتأجيج الجهوية والعنصرية.

انتقام جيوسياسي

تساور بعض الدوائر شكوك من أن تحريك ملف عرب المحاميد في هذا التوقيت ربما يكون مرتبطاً بتحركات فرنسية  لزعزعة الاستقرار بهدف استعادة نفوذها المتداعي ومصالحها الحيوية في المنطقة، ما يثير مخاوف من انتقام فرنسي من السلطات العسكرية الجديدة في النيجر. وقد أدى تحالف دول الساحل، المعروفة بـ"حزام دول الانقلابات"، إلى طرد فرنسا من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، حيث لم يتبق لها من نفوذ عسكري سوى تشاد، التي قامت بدورها بطرد القوات الفرنسية قبل أن تعيد البلدان علاقاتهما مؤخراً.

وفي سياق جيوسياسي أوسع، واحتمالات استخدام "عرب الشتات كورقة لتحقيق مصالح جيوسياسية في الساحل الكبير"، لا تنفصل أي تحركات لفرنسا عن التحركات الإماراتية، حيث يجمع البلدين تنسيق وتعاون أمني بشأن منطقة الساحل وليبيا وملف الصراع في السودان. تسعى أبو ظبي لوراثة النفوذ الفرنسي، إذ تعزز باريس من تعاونها مع أبو ظبي، وهو ما يفسر التحركات الإماراتية تجاه الانفتاح على بعض الأنظمة العسكرية في الساحل. 

وإضافة إلى ذلك، تنخرط كل من فرنسا والإمارات العربية المتحدة في صراع مع الجزائر في منطقة الساحل الكبير، بينما تواجه السياسة الجزائرية تحديات في إدارة علاقاتها مع الأنظمة العسكرية الجديدة، وتداعيات التطورات في ليبيا ومالي، ومخاطر الإرهاب في المنطقة.

صراعات الرعاة والمزارعين

تشهد منطقة الساحل الكبير تجدداً للصراعات التقليدية بين الرعاة والمزارعين حول الأرض والموارد، لكن اندلاع الصراع في إقليم دارفور السوداني عام 2003 وضع هذا النمط من الصراعات في سياق أكبر، وأضفى عليها طابعاً هوياتياً/عرقياً وربما دينياً، كما في نيجيريا. 

وفي ديفا جنوب شرق النيجر، قد تؤدي هجرة رعاة عرب المحاميد بأعداد كبيرة ومتزايدة من المواشي إلى استنزاف موارد المياه، ما سيؤدي إلى تأجيج الصراع والتنافس مع السكان المحليين من المزارعين. لذا، فالقرارات ضد عرب المحاميد قد تندرج في إطار منع وقائي للحد من نشوب صراعات محلية مستقبلاً، وخصوصاً في ضوء تزايد ثروة المحاميد، والتي قد توظف في ظروف معينة لتمويل أجندات سياسية مستقبلاً، ما قد  يزيد من حدة التوترات والصراعات في البلاد.

القبائل الحدودية وانعدام الجنسية

ويظهر بروز هذه القضية مسألة القبائل العابرة للحدود مثل المحاميد. ورغم أن الحدود الاستعمارية قسمت قبائل المحاميد إلى أربع دول على الأقل: ليبيا وتشاد والنيجر والسودان، إلا أنهم ظلوا يحافظون على انتماءاتها العشائرية دون تأثير يذكر، وقد عززت وسائل التواصل الاجتماعي وتفكك الحدود والتحديات والأزمات والصراعات من الشعور والهوية المشتركة بينهم. 

لذلك ترتبط مسألة عرب المحاميد في النيجر ارتباطاً وثيقاً بقضية انعدام الجنسية في بعض دول الساحل الكبير؛ أصبحت القبائل الحدودية تسعى، في خضم تطورات سياسية وأمنية، إلى تعبئة أبناء عمومتها في دول الجوار لتعزيز أصواتهم وحضورهم السياسي واكتساب المواطنة. 

في هذا السياق، ترتبط هذه التطورات بالحرب في السودان من ناحيتين: ديموغرافية وأمنية. فمن الناحية الديموغرافية، ربما تخشى سلطات النيجر انتقال عناصر من المجموعات التي شاركت في الحرب في السودان مع أموال وثروات وطموحات سياسية. أما من الناحية الأمنية، فإما أن تكون قد شاركت إلى جانب الدعم السريع، أو تأثرت بأفكاره، أو تحاكي تجربته في التمرد على الدولة مع وجود راع خارجي.

عامل اقتصاد الحرب

لا يمكن فصل تحركات سلطات نيامي بطرد بعض عرب المحاميد عن تنامي ظاهرة اقتصاد الحرب في المنطقة، حيث أدى الصراع في السودان وانخراط أبناء هذه القبائل في الحرب كمرتزقة أو نهّابين أو مهربين، إلى ازدهار شبكات اقتصاد الحرب القائمة على أنشطة التهريب، وخصوصاً مع تسهيلات دول مثل تشاد وليبيا، ما ساعد هؤلاء على تحقيق ثروات طائلة. وبناء على ذلك، فإن قرار سلطات النيجر ربما يعكس خشيتها من وصول أعداد كبيرة من عرب المحاميد وحصولهم على الجنسية والأوراق الثبوتية الرسمية، ما يمكنهم من السعي لتحقيق مكاسب وطموحات سياسية، وخصوصاً أن الرئيس المخلوع محمد بازوم المنتمي إلى عرب أولاد سليمان يعتبر مصدر إلهام لهم، وأن الإطاحة به في تموز/ يوليو 2023 واستمرار احتجازه قد يجعل منه قضية لتعبئة مكون العرب في مواجهة سلطات البلاد.

علاوة على ذلك، فإن عرب المحاميد وغيرهم ممن تأثروا بتجربة الدعم السريع قد يعودون إلى بلدانهم بخبرات عسكرية وشبكات أمنية عابرة للحدود قد تدفعهم إلى تكرار نموذج حميدتي في التمرد على الدولة ومحاولة السيطرة على السلطة بالقوة.

أمننة الترحيل الجماعي

أظهر الصراع في السودان منذ نيسان/ أبريل 2023 انخراط مئات الآلاف من أبناء القبائل العربية والقبائل المتحالفة معهم كمرتزقة في صفوف متمردي الدعم السريع، وهو الأمر الذي وثقته العديد من التقارير الدولية ولجان الأمم المتحدة. خلال الأشهر الأولى، برز قائد قوات الدعم السريع بالنسبة إلى عرب الساحل الكبير - بعد وفاة العقيد معمر القذافي وسقوط نظامه في ليبيا عام 2011- بمنزلة قائد عروبي ملهم بعث فيهم الأفكار القومية وسط "عرب الشتات" كما فجّر فيهم الشعور والهوية المشتركة لبناء هوية تضامنية عابرة للدول، ومن ثم تعبئتهم لتحقيق نموذج حميدتي في بلدانهم. ونتيجة لـ"عسكرة" الوعي القومي لدى عرب الساحلي أصبحوا في مواجهة مع سلطات دولهم والمنافسين لهم من قبائل محلية.

وفي ظل عوامل هشاشة الحدود والتداخل القبلي وسيطرة مجموعات قبلية على مناطق في بعض الدول وثقافة الهجرة، قد تدفع سياسات الترحيل الجماعي إلى هجرات سكانية نحو مناطق أكثر رخوة خارجة عن سيطرة الحكومات المركزية، مثل دارفور وجنوب ليبيا وشمال مالي وغيرها. وحيال هذا، قد يواجه عرب الساحل عواقب وخيمة من جراء سياسات الترحيل الجماعي التي قد تتبعها بعض الدول، وهو ما يخلق مشكلات أمنية ذات طابع إقليمي. 

عواقب وتداعيات محتملة لطرد المحاميد

قد تدفع قرارات سلطات النيجر الأخيرة المستهدفين من عرب المحاميد للعودة إلى تشاد والسودان، حيث تمثل الأخيرة امتداداً طبيعياً لهم. وقد طُرحت مزاعم حول تجنيس سياسي إبان عهد الرئيس المخلوع بازوم استفادت منه فئات من العرب، ما دفع إلى الدعوة لمراجعة عمليات التجنيس التي جرت في تلك الفترة، وخصوصاً مع تزايد أعداد المحاميد وهم في الأصل أقلية صغيرة جداً بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة: من 150 ألفاً فقط خلال أزمة 2006 إلى 260 ألف نسمة حالياً، بحسب "مشروع جوشوا" المختص بالأقليات في العالم.

وبناء على ذلك، ستكون دولة تشاد الأكثر تأثراً، حيث أدت حرب السودان إلى صعود النزعة القومية وسط عرب تشاد، الذين قد يتطلعون إلى تحقيق طموحات أكبر في السلطة. وإضافة إلى ذلك، فإن الطرد الجماعي لقبائل المحاميد قد يصب في مصلحة استراتيجية مليشيا الدعم السريع الرامية لإحداث تغيير ديموغرافي في مناطق سيطرتها في دارفور، مستغلة حالة النزوح والتهجير واسع النطاق منذ اندلاع الحرب وسقوط الفاشر في أكتوبر 2025، إلى جانب تعزيز قوة عرب تشاد.

خاتمة

تغذي ظواهر مترابطة مثل التمرد والإرهاب والهشاشة الأمنية المتزايدة تدابير بعض الدول تجاه الأقليات العربية، لذا ستبقى مسألة المحاميد تتجدد كل فترة في منطقة الساحل، وخصوصاً مع حالة عدم الاستقرار والاضطرابات السياسية.

 عطفاً على ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة دول المنطقة على التنسيق بشأن إدارة الحدود والمجتمعات العابرة للحدود والتداخل السكاني من جانب، والفصل بين السكان الأصليين من القبائل والمجتمعات الحدودية والوافدين منهم من جانب آخر.