"اقتصاد الحرب" و"الحرب الاقتصادية": صراع السودان بين العقوبات والتحيز الدولي
العقوبات الدولية تستهدف موارد السودان تحت شعار مكافحة "اقتصاد الحرب"، بينما تتجاهل، وفق المقال، شبكات الدعم والتهريب الخارجية، ما يهدد بإضعاف الدولة وتفاقم الأزمة الإنسانية بدلاً من وقف الصراع.
-
"اقتصاد الحرب" و"الحرب الاقتصادية": صراع السودان بين العقوبات والتحيز الدولي
في خضم الصراع الدائر في السودان منذ نيسان/أبريل 2023، تتجه بعض الدول الكبرى إلى فرض عقوبات وقيود على صادرات سودانية معينة، في خطوات تبدو رمزية، تهدف إلى استرضاء الرأي العام العالمي وتخفيف الضغوط عن الحكومات الغربية التي تُتهم بالصمت تجاه الأطراف الفاعلة الحقيقية في هذا الصراع.
وتنطلق هذه الإجراءات من سردية المساواة بين طرفي النزاع: الدولة والقوات المسلحة من جهة، والتمرد من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في تموز/يوليو الجاري، ورقة إحاطة بعنوان "الأعمال التجارية وحقوق الإنسان: الصمغ العربي في السودان".
وفي السادس عشر من الشهر نفسه، أعلنت بريطانيا فرض عقوبات على "شبكات ذهب تغذي الحرب في السودان"، فيما أعربت دول أخرى عن تأييدها لهذه التدابير، مع احتمال اتخاذها، وأطراف دولية أخرى، خطوات مماثلة أيضاً.
خلفيات نشوء اقتصاد الحرب
في سياق الصراع السوداني، لا يقتصر مفهوم "اقتصاد الحرب" على الأنشطة غير المشروعة التي تموّل الأطراف المتحاربة، كما هو معروف على الصعيد الدولي، بل يشير إلى ظهور طبقة جديدة، آخذة في التضخم والتوسع، من "لوردات الحرب"، تستفيد من ظروف الحرب عبر فرض الرسوم العشوائية، وإقامة الحواجز ونقاط التفتيش، وسلب مقدرات المواطنين، والخطف والابتزاز والاحتجاز مقابل الحصول على فدية مالية، فضلاً عن التهريب الضخم والمنظم للمخدرات والأسلحة والوقود.
غير أن الأبعاد الإقليمية لهذا الاقتصاد تتجاوز الحدود السودانية بكثير. فـ"اقتصاد الحرب"، في هذه الحالة، ليس مجرد ظاهرة محلية، بل نظام إقليمي متكامل يقوم على شبكات تهريب منظمة عابرة للحدود.
بل ربما يرقى إلى شبه نظام دولي، بالنظر إلى الأدوار الكبيرة التي تؤديها أطراف خارجية متعددة، من غير الدول، في هذا الصراع، من خلال نقل الأسلحة وتشغيل خطوط الإمداد الجوي، التي تتطلب قدرات لا تتوافر لمليشيا متمردة محلية مثل "قوات الدعم السريع".
وفي ضوء حالة الصراع في السودان، من أبرز مقدمات نشوء "اقتصاد الحرب": تفكك سيطرة الدولة على حدودها، وتواطؤ دول الجوار في انتهاك سيادتها، وتحول الحدود الرخوة إلى خطوط إمداد مفتوحة للتمرد، وانتشار الأسلحة الفتاكة والمتطورة جداً والمخدرات، وتحول كيانات غير شرعية، مثل نظام خليفة حفتر في شرقي ليبيا ومناطق سيطرة "قوات الدعم السريع" في غربي السودان، إلى بؤر إجرامية إقليمية منظمة لها دور مباشر في تأجيج هذا الصراع واستمراره.
إلا أن تعريف "اقتصاد الحرب" لدى بعض الدوائر الدولية يظل محدوداً، إذ لا ينطلق من معالجة كلية وموضوعية وشاملة لجميع مصادر هذا النمط من الاقتصاد، ومن ثم استهداف شبكاته ومصادره ضمن إطار دولي منسق.
وهنا تبرز مفارقة واضحة؛ فبعض الأطراف الخارجية ترى أن حرمان الحكومة والقوات المسلحة من موارد الذهب قد يجبرهما على الرضوخ للضغوط وقبول مقترحات التسوية، ولا سيما بعد انهيار مقومات الاقتصاد الرسمي للدولة، وجفاف الموارد التقليدية، وتراجع العائدات الأخرى في المناطق التي حررتها القوات المسلحة.
ويأتي ذلك بعدما أصبح الذهب المصدر الرئيسي لتمويل بناء القدرات العسكرية للدولة، بهدف الاستمرار في مواجهة التمرد المدعوم من الخارج.
وفي هذا السياق، تكتسب دارفور أهمية قصوى ضمن "اقتصاد الحرب" والصراع في السودان، إذ جرى توظيف التواصل الجغرافي مع جنوبي ليبيا، الغني بالموارد، لتوفير الإمداد واستنزاف قدرات الجيش السوداني، والعمل على قيام كيان انفصالي في دارفور يمكن أن يموّل نفسه ذاتياً على المدى الطويل، وخصوصاً مع تكشف الأدوار الكبيرة لأبو ظبي في دعم مليشيات "قوات الدعم السريع"، والضغوط الدولية التي تُمارس عليها، وإن بدت شكلية وغير مؤثرة حالياً.
علاوة على ذلك، فإن مليشيا "قوات الدعم السريع" هي، في الأساس، منظومة قائمة على النهب والإجرام، إذ أصبحت غطاءً لمجموعات إجرامية توسع أنشطتها في نطاق إقليمي أكبر.
ومع انهيار أجهزة الدولة المركزية في السودان، وخضوع مناطق واسعة من البلاد لسيطرة المتمردين، توسعت الأنشطة الإجرامية وأصبحت جزءاً من بنية سيطرة هذه المليشيا على مساحات تعادل مساحات دول أو تتجاوزها، بما في ذلك سيطرتها على أجزاء من حدود السودان الدولية مع أربع دول، هي ليبيا وتشاد وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى.
التسييس والتحيز في العقوبات الدولية
يبدو، ظاهرياً، أن الهدف من التحركات الدولية بشأن اقتصاد الحرب هو التصدي للقنوات غير المشروعة والفوائد الناتجة من نهب الموارد وتهريبها، وخصوصاً تلك التي "تغذي استمرار الحرب".
لكن هذه الخطوات لا تعكس التزاماً أخلاقياً أو قانونياً بقدر ما تعكس حسابات سياسية محضة تجاه صراع في بيئة معينة، أو مراعاة لحسابات طرف خارجي أساسي في هذا الصراع.
وهنا تبرز مفارقة أخرى بشأن السودان، إذ تواجه الدول الغربية مأزقاً أخلاقياً وقانونياً كبيراً. فبينما تتجنب مواجهة الإمارات بصورة مباشرة، تلجأ إلى إجراءات رمزية تستهدف الحلقات الأضعف.
وفي ضوء كون الذهب السوداني يُصدّر إلى الإمارات قبل الحرب وبعدها، بما في ذلك الذهب المنتج في مناطق الحكومة، فإن القرارات الدولية تستهدف الحكومة السودانية بالدرجة الأولى، بهدف إضعاف قدرتها على توفير التمويل وتعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة التمرد.
وبالتالي، فإن التصدير المشروع للدولة من الذهب وعائداته قد يصبح لاحقاً مشمولاً بهذه التدابير.
وعليه، تعكس هذه الخطوات مدى التسييس والتحيز اللذين يطبعان مواقف الدول الكبرى وسياساتها، والمجتمع الدولي بصورة عامة، إذ توفر غطاءً لبعض القوى الفاعلة على الصعيد الدولي، لتجنب عواقب الإقرار الحقيقي بطبيعة أدوار الأطراف الخارجية في الصراع الدائر في السودان.
وفي هذا الخضم، وفي حال فشل الإجراءات الحالية بشأن الذهب، قد يُصار لاحقاً إلى فرض قيود مماثلة تستهدف تحويلات المغتربين في الخارج، التي تشكل مصدراً مهماً لدعم ملايين الأسر في الداخل، في ظل بطء وتيرة التعافي الاقتصادي وضعف فرص العمل والدخل بصورة عامة.
ويهدف هذا السيناريو إلى التأثير في قدرة الحكومة على الاستمرار في محاربة التمرد، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة الخدمات الأساسية في المناطق المحررة في الوقت نفسه، ومن ثم إرغامها على الخضوع للضغوط الخارجية، والقبول بمقترحات التهدئة الحالية، والتخلي عن شروطها المسبقة في هذا الصدد.
إنكار العوامل الخارجية وتجاهلها
يفترض التوجه الدولي السائد أن الذهب يشكل، بالنسبة إلى الحكومة السودانية وقواتها المسلحة، و"الصمغ العربي"، بالنسبة إلى "قوات الدعم السريع"، موارد ضخمة تموّل قدرة الطرفين على الاستمرار في الحرب.
غير أن هذا الافتراض ينطوي على تحيز مكشوف، إذ يتجاهل العوامل الخارجية ودورها المباشر والكبير في تأجيج الحرب واستمرارها. وبالتالي، تعكس هذه التوجهات مدى العجز والفشل اللذين يلازمان المواقف الدولية، وحالة الإنكار تجاه الصراع في السودان.
إن الموارد الذاتية لطرفي الصراع، مهما بلغ حجمها، لا يمكن مقارنتها بحجم الدعم الخارجي الهائل الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة للمليشيات المتمردة.
والأكثر خطورة أن هذا الافتراض يتجاهل حقيقة أن الأطراف الإقليمية وبعض دول الجوار، تحديداً، أصبحت بالفعل ضالعة في عمليات التهريب التي تخدم التمرد، وبالتالي في استدامة موارده، في مقابل إضعاف موارد الدولة تدريجياً.
وهنا تبرز ظاهرة جديدة جديرة بالملاحظة بالنسبة إلى الشبكات الإقليمية الأوسع وارتباطها بـ"اقتصاد الحرب" في السودان، وهي قيام بعض الدول المجاورة للسودان بالتنازل عن سيادتها، من خلال "تأجير" أجوائها وحدودها لتكون تحت إدارة وتشغيل دول إقليمية أخرى.
ويشكل هذا، بدوره، عاملاً رئيسياً في تعزيز "اقتصاد الحرب"، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من شبكاته الإقليمية الممتدة.
فهذه الممارسة تمنح الأطراف الخارجية قدرة على التحكم في خطوط الإمداد والتهريب، وتوفر غطاءً سياسياً وقانونياً لأنشطة غير مشروعة، ما يجعل الحرب مستدامة، بصرف النظر عن الموارد الذاتية للأطراف المحلية.
وبناءً على ذلك، من غير المتوقع أن تنجح الاستراتيجية التي تتبناها بعض الأطراف الدولية لحرمان الحكومة والقوات المسلحة من الموارد، سواء كانت عائدات الذهب أو الصمغ العربي، في تغيير مواقفهما، طالما جرى تجاهل العامل الرئيسي في تأجيج الحرب، وهو استمرار أبو ظبي في تقديم الدعم اللوجستي والمالي الهائل للتمرد.
لذا، فإن "الحرب الاقتصادية" التي تُشن في ظل "اقتصاد الحرب" لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
وتهدف هذه الضغوط، التي تمضي جنباً إلى جنب مع الضغوط الخارجية الأخرى، إلى خلق وضع اقتصادي داخلي ضاغط يدفع الحكومة والقوات المسلحة إلى الرضوخ، من دون أن تمس المحرك الخارجي الحقيقي للصراع.
غياب استراتيجية وطنية للمعادن
أدى استمرار الصراع بالفعل إلى خلق تشوهات وممارسات ضارة ضمن "اقتصاد الحرب"، كالتهريب والجبايات والنهب الواسع والتزوير، فضلاً عن اقتصاد موازٍ يقوم على شبكات إقليمية ضخمة للتهريب.
كما يشير هذا النمط الجديد من "اقتصاد الحرب"، ذي الطابع الإقليمي الواضح، إلى أن القدرات العسكرية لمليشيا "قوات الدعم السريع"، وبالتالي استمرار الحرب، هي نتاج لاقتصاد الحرب الذي يتشكل في ضوء حقائق الصراع الدائر حالياً في السودان.
ويتطلب ذلك بالفعل استجابة دولية وإقليمية صارمة، لكنها تبدو بعيدة الاحتمال حتى الآن.
وفي ضوء حقيقة أن السودان من بين أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، وبعيداً عن أهداف سلسلة العقوبات الاقتصادية تحت مبرر استهداف "اقتصاد الحرب"، فإن المصالح الوطنية العليا تقتضي استغلال هذا المورد لمصلحة الأجيال المقبلة، وحسن إدارته بوصفه مورداً ناضباً وغير متجدد، وحوكمة قطاع المعادن ليصبح قطاعاً اقتصادياً استراتيجياً للدولة، على صعيد توفير التمويل للمشروعات التنموية الكبرى.
فسوء إدارة هذا المورد، والهدر والفساد والتهريب، يحرم البلد وشعبه من عوائد موارد حقيقية وكبيرة، يمكن أن تحدث نقلة في حياة الناس إذا أُحسن استغلالها وإدارتها.
إجمالاً، من الضروري العمل على تحويل قطاع المعادن إلى قطاع استراتيجي للدولة، ليشكل ركيزة أساسية لبناء اقتصاد وطني قوي، قادر على الصمود في وجه الأزمات، والانطلاق نحو التنمية المستدامة، وتوفير التمويل للمشروعات التنموية الكبرى.