"إسرائيل": وهم النصر وواقع الهزيمة

صورة النصر التي حاول نتنياهو رسمها لم يتحقق منها سوى الصورة التذكارية التي جمعت السفيرة اللبنانية مع سفير الكيان الصهيوني في واشنطن. صورة سيحفظها التاريخ كرمز لخيانة الأوطان وتضحيات الشعوب.

0:00
  •  وهم النصر وواقع الهزيمة.
    وهم النصر وواقع الهزيمة.

أدركت حكومة الكيان الصهيوني منذ مرحلة باكرة من حربها على إيران ولبنان أن الأهداف التي سعت لتحقيقها من خلال هذه الحرب باتت مستحيلة التحقيق، وأن الواقع يفرض تعديل رواية النصر المطلوب بما يتناسب مع الواقع الذي فرضته فعالية الرد الإيراني، وعمليات حزب الله في جنوب لبنان. 

ارتبط تعديل الرواية الصهيونية بتعديل مقابل أجرته الإدارة الأميركية بتخفيض سقف أهدافها من تغيير النظام الإيراني والاستيلاء على النفط إلى المطالبة بفتح مضيق هرمز، وامتناع إيران عن حيازة قنبلة نووية.

مشكلة العدو الصهيوني مع لبنان كانت أكثر تعقيداً، فبعد معركة استمرت قرابة السنتين، واستشهاد عدد كبير من قيادات الحزب وعلى رأسهم سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، روّجت وسائل الدعاية العبرية ومؤيدوها أن وقف إطلاق النار كان بمنزلة إعلان النصر النهائي على المقاومة اللبنانية. لتأكيد هذا النصر، استمر العدو بشن غاراته على لبنان لأكثر من 15 شهراً، معتبراً أن غياب رد المقاومة تكريس لنصره المزعوم. ولأن الكثيرين داخل لبنان وخارجه كانوا ينتظرون لحظة "هزيمة" حزب الله، بادرت الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قرار نزع سلاح الحزب، وتجريم المقاومين في محاولة للحاق بركب من سبقوها على الدرب الأميركي – الصهيوني.

وسط أجواء هذا النصر الوهمي، تعامل نتنياهو وأعضاء حكومته مع فتح الجبهة اللبنانية، على أنه فرصة للإجهاز على ما تبقى من قوة حزب الله من دون الدخول في تعقيدات الوضع الداخلي اللبناني. وجد هذا السيناريو قبولاً عند أطراف لبنانية روّجت لفكرة الذهاب إلى اتفاقيات سلام مع العدو بعد الانتهاء من حزب الله، وكرّست ساستها ووسائل إعلامها لتبرير العدوان الصهيوني وتحميل مسؤوليته للمقاومة.

كالعادة، جاءت حسابات المستعمرين خاطئة لأنها بُنيت على موقف متعجرف يعتقد بقدرتهم على تحقيق الانتصار في كل مرة يذهبون فيها إلى الحرب. لقد صنعت قوى الاستعمار وهماً مفاده أنها قدر إذا أصاب الأمم لا سبيل لمواجهته إلا بالخضوع والاستسلام، لكنها في معظم الأحيان وقعت في فخ وهمها وخرجت من حروبها مهزومة. إذا كانت غزّة و"طوفان الأقصى"  المثال الأقرب، فإن التاريخ حافل بسجلات هزائم المستعمرين أمام الشعوب المقهورة، من الجزائر إلى فيتنام وكوبا ولبنان، وحتى طرد القوات الاستعمارية الفرنسية من دول غرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

قبل بداية الحرب، أعلن نتنياهو ولاءه لفكرة "إسرائيل الكبرى" وحدّد مساحة أطماعه بأجزاء من لبنان وسوريا والأردن وشمال السعودية. رغم الاحتجاجات التي وجهتها الدول وهي جميعاً معروفة بولائها للمعسكر الاستعماري، إلا أن وزراء الائتلاف اليميني سارعوا إلى تأكيد سعي كيانهم لتحقيق الوعد المزعوم. مع بداية الحرب، بدت الأمور وكأن الفرصة باتت مواتية لإنجاز الحلقة الأولى من الحلم، فقد أعلنت حكومة العدو أنها تهدف إلى احتلال جنوب لبنان بالكامل، وإقامة نقاط تمركز عسكرية فيه بعد تهجير سكانه. 

الهدف كما حدده نتنياهو هو نهر الليطاني بعمق يتراوح بين 4 – 30 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، يضاف إليه نزع سلاح حزب الله جنوب وشمال الليطاني، في تراجع عن اتفاق حزيران 2024 الذي نص على نزع السلاح من منطقة جنوب الليطاني فقط. لكن ما اعتقده الكيان خطوة نحو الحلم تحول إلى كابوس في ظل مقاومة أبرزت أنها ما زالت بالقوة والعنفوان نفسيهما اللذين كانت عليهما دائماً، وأن ما حدث على مدى 15 شهراً ما كان إلا استراحة محارب، أعادت فيها بناء جهازيها المدني والعسكري، واستعدت للمواجهة المحتومة. في سياق المعركة، برزت أسماء بلدات مثل الطيبة والخيام وعيترون، وارتبط اسم كل بلدة بمعركة بطولية تكبّد فيها العدو خسائر لم يتوقعها في العتاد والأفراد.

قبل أسبوعين من اتفاق وقف إطلاق النار، أعلن جنرالات "جيش" العدو أن "جيشهم" لن يتوغل في الجنوب، وأنه سيكتفي بإقامة نقاط عسكرية في مناطق حاكمة تؤمن حماية شمال فلسطين من صواريخ المقاومة. ولكي يتحول هذا السيناريو إلى صورة نصر استهدف "جيش" العدو مدينة بنت جبيل بما يحمل احتلالها من أهمية عسكرية بسبب موقعها الاستراتيجي، وأهمية معنوية كونها المدينة التي احتضنت أول خطاب لسيد شهداء الأمة بعد التحرير عام 2000 والذي أعلن فيه معادلة الردع مع العدو التي أثبتت فعاليتها في حرب 2006.

أربع فرق بعدّتها وعديدها حاصرت المدينة الصغيرة، التي هجرها سكانها وبقيت في عهدة بضع عشرات من مقاتلي المقاومة. الهدف الوصول إلى الملعب البلدي، وإعلان النصر من هناك. استخدم العدو كل أسلحته الفتّاكة من دون جدوى. تحول المقاومون إلى أشباح يظهرون من العدم، يكيلون الضربات للعدو وينسحبون. يقدمون الشهداء من دون شكوى، ومن دون حساب للتضحيات. لم يستطع الكابينت الصهيوني إعلان وقف إطلاق النار على أنقاض هزيمته، فحتى تلك المعركة الصغيرة لم يستطع "جيشه" الانتصار فيها.

صورة النصر التي حاول نتنياهو رسمها لم يتحقق منها سوى الصورة التذكارية التي جمعت السفيرة اللبنانية مع سفير الكيان الصهيوني في واشنطن. صورة سيحفظها التاريخ كرمز لخيانة الأوطان وتضحيات الشعوب، ولن تغادر متحف وزارة الخارجية أو البيت الأبيض.

أما واقع النصر فترسمه صورة الشاب الذي أنزل علم الكيان عن قلعة الشقيف ورفع مكانه علم حزب الله، وكأن لسان حاله يقول أرض الجنوب ملك لسادتها الذين ضحّوا بدمائهم لأجلها، وأنها لن تستقبل غازياً أو خائناً إلا بمثل ما حدث في بنت جبيل.   

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.