"إسرائيل" بين عُصاب المصير ومصير إسبرطة

تسير "إسرائيل" من (عُصاب المصير) كأحد المظاهر النفسية لمأزقها الأمني والوجودي وكأنها مُغيبّة الوعي ومكبلة اليدين ومعصوبة العينين، لتصل إلى (مصير إسبرطة) نهايتها الجبرية وقدرها المحتوم.

0:00
  • عُصاب المصير بنهاياته المأساوية لازم اليهود في مراحل مختلفة من التاريخ.
    عُصاب المصير بنهاياته المأساوية لازم اليهود في مراحل مختلفة من التاريخ.

وقف موشي ديان أحد قادة الجيل الأول لـ "إسرائيل" خطيباً لتأبين مستوطن قُتل في عملية فدائية من مستوطنة (ناحال عوز) المُحاذية لقطاع غزة، قائلاً: "هذه الحياة التي اخترناها، أنْ نكون مستعدين ومسلَحين أقوياء وعاقدي العزم، خشية أنْ يسقط السيف من قبضتنا وتحل نهايتنا".

نهاية من يعيش على حد السيف وسط محيط مُعادٍ ورافض لك أكدها أبراهام بورغ رئيس الكنيسيت والوكالة اليهودية الأسبق، بقوله: " كل من يأمل العيش على حد السيف سيجد نهايته بالسيف... في نهاية المطاف ستكون المنطقة أقوى منا".

الخوف من النهاية المأسوية لمن يعيش على حد السيف في منطقة ترفضه بعد سقوط السيف هو جوهر المأزق الأمني الوجودي لدولة "إسرائيل" الذي عّبر عنه ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لها، بقوله: "إنَّ جوهر مشكلتنا الأمنية هو وجودنا بالذات، وهذا هو المعنى الفظيع لمشكلتنا الأمنية".

وخوف النهاية هو نوع من مرض (عُصاب المصير) الجماعي استوطن في العقل الجمعي اليهودي ولازم اليهود وحصدته أعمالهم فرُدت إليهم شرورهم وارتدت عليهم مؤامراتهم، من دون أن يستفيدوا من أخطائهم وتجاربهم لتجنب نهايتهم المأسوية، فظهروا وكأنهم يسعون إلى تلك النهايات بل ويوجدونها. وكأنهم يخضعون لقدر قهري محتوم لا مناص منه.

عُصاب المصير بنهاياته المأسوية لازم اليهود كجماعة أو جماعات في مراحل مختلفة من التاريخ وفي أمكنة مختلفة من الجغرافيا، كما حدث بالجزيرة العربية في صدر الإٍلام، وحدث بإسبانيا في العصر الوسيط، وحدث بألمانيا في العصر الحديث... وغيرها مع الفارق في المبررات.

واليهود اليوم كجماعة كبيرة أنشأت دولتها الخاصة على أرض فلسطين العربية الإسلامية تعيش نفس المرض (عُصاب المصير)، وتسعى إلى نفس المصير (مصير إسبرطة) الذي حدده بنيامين نتنياهو رئيس وزراء "إسرائيل" بنفسه عندما استدعى تجربة دولة إٍسبرطة من الذاكرة التاريخية قبل ميلاد السيد المسيح ليُسقطها على دولته ويُسميها (إسبرطة العظمى) ليُعطي انطباعاً وهمياً كاذباً بأنَّ "إسرائيل" كإسبرطة تعيش في عزلتها بقدراتها الاقتصادية والعسكرية الذاتية، متجاهلاً الحبل السري الغربي الذي يمد "إسرائيل" بكل أسباب الحياة.

نتنياهو عندما استدعى تجربة دولة إسبرطة القديمة من عمق التاريخ ليشبه "إسرائيل" بها كإسبرطة جديدة لم ينتبه إلى مصير إسبرطة القديمة التي انتهت بالهزيمة والزوال رغم قوتها العسكرية بعد تآكلها من الداخل، وكأنه بهذه النبوءة السوداء قد حدد مصير إسبرطة الجديدة أو (إسبرطة العُظمى) بالهزيمة والزوال، وهي النهاية الطبيعية لمرض (عُصاب المصير) الجماعي، فـ "إسرائيل" كإسبرطة عبارة عن غيتو كبير مُغلق على نفسه، وشاذ عن محيطه، ومعادٍ لجيرانه، يعيش على حد السيف، ويضمن وجوده بالعنف الدموي والإرهاب الوحشي وإدامة العنف والإرهاب، وهذا لن يستمر إلى الأبد في إسبرطة الجديدة (إسرائيل) كما لم تستمر دولة إسبرطة القديمة في الماضي، فهزيمة واحدة أزالتها عن الوجود... وكذلك إسبرطة الجديدة.

تعيش إسبرطة الجديدة "إسرائيل" بمأزقها الوجودي وعُصابها المصيري حاملة كل أزماتها التي نشأت معها ورافقتها وما زالت تنخر جسدها وتُعمق مأزقها وعُصابها، وأهمها: مأزق الديموغرافيا بعدم القدرة على التخلّص من الشعب الفلسطيني، ومأزق الشرعية بعدم القدرة على الاندماج في المنطقة أو الهيمنة عليها، ومأزق الأمن بعدم القدرة على تحقيق الأمن الشخصي أو الجماعي لليهود في فلسطين، ومأزق الهجرة بتحول ميزان الهجرة لصالح الهجرة العكسية مقوّضة أساس المشروع الصهيوني، ومأزق التناقضات الداخلية باتساع الهوة بين اليهود على أساس اثني وأيديولوجي وسياسي وهوية الدولة، ومأزق الجغرافيا بعدم وجود عمق استراتيجي للدولة أو مكان آمن لمستوطنيها الذين تتساقط عليهم صواريخ المقاومة من عواصمها في طهران وبيروت وصنعاء وغيرها.

وهكذا تسير "إسرائيل" من (عُصاب المصير) كأحد المظاهر النفسية لمأزقها الأمني والوجودي وكأنها مُغيبّة الوعي ومكبلة اليدين ومعصوبة العينين، لتصل إلى (مصير إسبرطة) نهايتها الجبرية وقدرها المحتوم حيث محطتا التدمير الذاتي "يخربون بيوتهم بأيديهم" والتدمير الخارجي "وأيدي المؤمنين" وما بين (عُصاب المصير) و(مصير إسبرطة) لا بد من دور المؤمنين المقاومين "عباداً لنا أولي بأس شديد" القابضين على حقهم بالسلاح، وهم مرابطون في ميادين القتال من القدس وغزة إلى طهران وصنعاء وبيروت وكل عواصم الأحرار.

الوصول إلى نهاية "إسرائيل" بالهزيمة والزوال كمصير إسبرطة... يحتاج إلى حلف حضاري إنساني مقاوم للمشروع والكيان الصهيوني ورافض للاستعمار الغربي الأميركي.. ملامحه شكّلها ميدان الحرب الفعلية المشتعلة من القدس وفلسطين إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية مروراً بحزب الله المقاوم في لبنان، وأنصار الله المجاهدين في اليمن، والمقاومين الأحرار في العراق وكل مكان... وحتى النصر النهائي على إسبرطة الجديدة ليكون مصيرها كإسبرطة القديمة تبقى مهمة المقاومين مزدوجة... إبقاء الكيان الصهيوني كياناً غير شرعي ومعزول ومأزوم ومُستنزف، وإبقاء الاستعمار الأميركي استعماراً غير طبيعي ومرفوض وفي حالة اشتباك واستنزاف... وكلا المهمتين وسيلتهما المقاومة.