واشنطن تنقلب على السودان وتنزع شرعية البرهان
أحد الأسباب المسكوت عنها في الانقلاب في الموقف الأميركي تجاه البرهان؛ محاولة خروج السودان عن الطاعة الأميركية وامتلاكه رؤية وطنية سودانية للحل خارج الوصاية الأميركية.
-
التصعيد الأميركي تجاه السودان يعني أن الحرب ستستمر.
"المتغطي بالأميركان عريان" عبارة وردت على لسان الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير في أحد المؤتمرات الوطنية بولاية النيل الأبيض؛ ولكن يبدو أن عسكر السودان لم يفهموا الدرس، ومضوا في رهاناتهم على الأمريكان حتى اصطدموا بالحقائق على الأرض، كان فهم الدرس متأخراً وجاء على شكل ابتزاز مُعلن واضح وفاضح.
لم يكتف الابتزاز الأميركي بحظر دخول قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان إلى الولايات المتحدة فقط بل رفض منحه تأشيرة المشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة وحجب صوت السودان؛ ثم أُلحق الحظر والرفض بنزع الشرعية السياسية عن البرهان. والسؤال لماذا انقلبت واشنطن على البرهان؟.
ابتزاز واشنطن للسودان لم يكن وليد اللحظة التي رُفض فيها منح البرهان تأشيرة الدخول للولايات المتحدة ومنعه من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل ذلك كان الابتزاز أشد وأكبر وأخطر؛ وقد خُيّر السودان بين التطبيع مع "إسرائيل" واستمرار العقوبات الأميركية؛ واختار البرهان التطبيع والتقى مع نتنياهو في الـ 3 من شباط/ فبراير 2020 في العاصمة الأوغندية عنتيبي، وكان اللقاء حينها برعاية الإمارات، واتفق خلاله على بدء الحوار من أجل التطبيع بين الخرطوم و "تل أبيب".
قبل الابتزاز الأميركي والانزياح نحو التصعيد مع السودان، وقبل رفض منح البرهان تأشيرة المرور لمنبر الأمم المتحدة ونزع الشرعية عنه لاحقاُ، كانت هناك علاقة طبيعية كاملة الرضى والشرعية؛ وقد كُشف في الـ9 من تموز/يوليو 2026، عن وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية، تتعلق بمبادرة سلام أميركية. وبحسب ما ورد في الوثائق، يدور الحديث عن مقترح أميركي يُعلن بموجبه عن هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، تتيح وصول المساعدات الإنسانية، وتعزز حماية المدنيين، وتمهّد الطريق أمام مفاوضات تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، يعقبه انتقال سياسي تقوده سلطة مدنية، وصولاً إلى إجراء انتخابات.
رفض البرهان غير المُعلن للمبادرة الأميركية عن هدنة إنسانية فورية تستمر 90 يوماً هي مربط الفرس في فهم الانقلاب الأميركي على سودان البرهان؛ ورفض منحه تأشيرة الدخول ونزع الشرعية عنه. بالمناسبة شارك البرهان قبل ذلك في اجتماعات الأمم المتحدة، لم تمنعه واشنطن ولم ترفض دخوله، وكان يلتقي بالوفود ويتلقى الوعود من أركان الإدارة الأميركية.
هنا يتجلّى التناقض في التعاطي الأميركي مع السودان؛ لو كان البرهان قد وافق على مبادرة الهدنة الأميركية سيكون مُرحباً به، ولكن هل كانت واشنطن جادة في طرح مبادرة الهدنة المزعومة، أم أن الأمر لا يخلو من حسبة سياسية تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد داخل السودان تحت غطاء مبادرة إنسانية، أم أن إدارة ترامب لا تُطيق أن يُرفض لها طلب حتى لو تعارض مع تقديرات الجيش السوداني.
ما حدث مع البرهان يُحيل المشهد كله إلى المسرح الدولي وكيفية تعامل الإدارة الأميركية مع دول العالم عموماً ومع الدول الأفريقية على وجه الخصوص، يُذكر أن هناك توصيفاً خطيراً وغير دبلوماسي وغير إنساني وغير أخلاقي وغير عقلاني أطلقه الرئيس ترامب في عام 2018 على دول القارة الأفريقية وما حدث مع السودان ليس استثناء.
واشنطن برفضها منح البرهان تأشيرة دخول تجاوزت اتفاقية المقر الموقعة عام 1947 بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة، والتي بموجبها لا يحق لأميركا قانوناً منع ممثلي الدول الأعضاء أو المراقبين من دخول أراضيها للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة. ولكن متى التزمت واشنطن بالاتفاقيات وبالقانون الدولي والتعهدات، المفارقة في تأخر فهم دول العالم لهذه المعادلة وانخداعهم بأن الولايات المتحدة قد توفي بوعد أو عهد.
جهل السودان بالعربدة الأميركية عُبر عنه في مناشدة سفير السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس الحارث للأمين العام أنطونيو غوتيريش التدخل، موضحاً في رسالته أن منع البرهان من حضور الجمعية العامة سيمثل انتهاكاً لالتزامات الأمم المتحدة تجاه الدول الأعضاء. ومتى كانت الولايات المتحدة تُبالي بالالتزامات الدولية والقانونية وهي التي يحفل سجلّها بالجرائم ضد الإنسانية وللسودان نصيبه في تلك الجرائم منذ ولاية الرئيس كلنتون.
إن الانقلاب الحاصل في الموقف الأميركي من السودان وعلى البرهان ونزع الشرعية السياسية عنه يحملان المعاني والدلالات والإجابات التالية:
- الانقلاب الأميركي على السودان سببه رفض البرهان لمبادرة الهدنة الأميركية؛ ولم تتعود إدارة ترامب أن يُرفض لها طلب، ورفض البرهان ليس سيادة وإرادة سياسية وطنية، ولكن لأنه استشعر أن في المبادرة الأميركية رائحة إماراتية قد تكون حبل نجاة وإعادة ترتيب صفوف لقوات الدعم السريع.
- واشنطن لا تُبالي بحياة الشعب السوداني ولا بالإبادة والمجاعة متى كان النظام السوداني يُسبّح بحمد إدارة البيت الأبيض، لذلك لم تنقلب لأسباب إنسانية وإغاثية وأخلاقية، انقلبت فقط لان مبادرتها لم تمر. وبالتالي واشنطن تتعامل بمنطق الوصاية لا الوساطة والإملاء لا الشراكة.
- حديث الإدارة الأميركية عن نزع الشرعية وعن حكومة سودانية جديدة رديفة يُعيد للذاكرة منطق تعامل الإدارة الأميركية مع دول العالم، وأن ما حدث في فنزويلا قابل للتكرار في السودان.
- الابتزاز أسلوب العصابات ولا يليق بالدول، ولكن واشنطن تقوم بذلك؛ وتتجاوز في منطق الابتزاز الإرادة الدولية التي تُعطي للسودان حق المشاركة في الجمعية العامة للأمم المتحدة بناء على اتفاقية المقر، ولكن الإرادة الدولية تبقى في العرف الأميركي مجرد حبر على ورق. ما حدث ينسف ما كان يُعرف بالشرعية والإرادة الدوليتين. واشنطن ترامب تُعيد بهذا المنطق رسم ملامح النظام الدولي، وبدأت ذلك مع السودان وإيران ولبنان وفنزويلا وغرينلاند وفلسطين...إلخ
- الانقلاب الأميركي على السودان انقلاب على إرادة الشعب السوداني وانقلاب ينسف الحيادية الأميركية المزعومة وانقلاب يسلب السودان شرعيته وإرادته السياسية، ويجبره على الموافقة على الرؤية الأميركية حتى وإن تعارضت مع مصالحه.
- الانقلاب الأميركي أفضى إلى ردة فعل شعبية لدى الشارع السوداني وهذا يقلل فرص وحظوظ أي دور أو وساطة أميركية مستقبلية، ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي في السودان يلحظ أن هناك اتهامات مباشرة لإدارة ترامب بانحيازها لمليشيا الدعم السريع؛ وأن واشنطن لا تبالي ولا تراعي مصلحة السودان ووحدة أراضيه واستقراره.
- التصعيد الأميركي تجاه السودان يعني أن الحرب ستستمر وأن واشنطن ستدفع باتجاه استمرارها، والمفارقة أن هذا الموقف الأميركي مُعلن؛ وعبّر عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت قائلاً: "إن الولايات المتحدة والرئيس ترامب على استعداد للعمل مع أي طرف جاد في السعي إلى إحلال السلام في السودان. وفي هذه الأثناء، سنسعى إلى زيادة كلفة استمرار الصراع على جميع الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي الصراع". وأعلنه مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية بولس مسعد قائلاً:" نحتاج إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، ورفع كلفة الصراع على جميع الأطراف المتحاربة".
- تجاهلت واشنطن كل الجرائم التي شهدها السودان على مدار أعوام من عمر الحرب الدائرة ولم تبالِ بالضحايا، وعند لحظة معينة انقلبت مواقفها، وباتت تقول لا شرعية لأحد في السودان. فقط لأن الجيش رفض المقترح الأميركي الذي يقول بحظر الأسلحة في إقليم دارفور الذي يُعد معقل الدعم السريع، وتقدير الجيش أن قرار الحظر الأميركي يعاقب الجيش ويساويه بمليشيا الدعم السريع.
إن أحد الأسباب المسكوت عنها في الانقلاب في الموقف الأميركي تجاه البرهان؛ محاولة خروج السودان عن الطاعة الأميركية وامتلاكه لرؤية وطنية سودانية للحل خارج الوصاية الأميركية، وهو ما عبّر عنه عبد الفتاح البرهان في الـ 22 من أيلول/ سبتمبر 2026 من خلال مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية بعنوان "كيف يتحقق السلام في السودان"، قال فيه: "إن الوقت حان لوضع نهاية دائمة للحرب، وإن هذا ما يطلبه مني السودانيون بصفتي رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي، وإن التسوية السياسية ينبغي أن تأتي عبر حوار سوداني - سوداني، وأن يضع السودانيون دستورهم المقبل من دون تدخل خارجي". مشيراً إلى أن الهدن السابقة لم تؤدِّ سوى إلى تمكين قوات الدعم السريع وداعميها من إعادة تنظيم صفوفهم. وكتب في المقال "انهارت اتفاقات وقف إطلاق النار على مدار هذه الحرب لأنها صيغت للسودان من دون إشراك السودان".