هل يمنح قرار رفع العقوبات عن إريتريا موطئ قدم في البحر الأحمر؟

ساحل إريتريا يطل على بحر مضطرب، وميناء عصب يلامس أزمة إثيوبيا الحبيسة، وباب المندب تمتد كلفة اضطرابه من الموانئ القريبة إلى حركة التجارة العالمية.

0:00
  • إريتريا في معادلة البحر الأحمر؟
    إريتريا في معادلة البحر الأحمر؟

في وقت تشهد فيه منطقة "الشرق الأوسط" والبحر الأحمر تصعيداً عسكريّاً واسعاً انعكس على حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، وأعاد التركيز إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب بوصفهما ممرين يربطان آسيا وأفريقيا وأوروبا، أعلنت أميركا في 18 أيلول/سبتمبر 2026 إنهاء حالة الطوارئ المرتبطة بإثيوبيا التي كانت واشنطن أعلنتها في عام 2021 بموجب الأمر التنفيذي رقم 14046.

وبموجب هذا الإعلان رُفعت العقوبات عن الجيش الإريتري، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكمة، وشركة البحر الأحمر للتجارة، وصندوق هدري، إضافة إلى شخصيتين إريتريتين كانتا مدرجتين في القائمة، وهو توقيت يضع الخطوة في سياق أوسع من ملف العقوبات وحده.

إريتريا في معادلة البحر الأحمر

تزامن القرار الأميركي مع تحولات أمنية واقتصادية كبرى تمنحه أهمية تتجاوز ملف العقوبات. فمنذ اندلاع الحرب على غزة، برز اليمن كلاعب مؤثر في مسارات الحرب وتداعياتها الإقليمية، وتنامت قدراته العسكرية. ومع إغلاق مضيق هرمز وضرب إيران للقواعد العسكرية في مناطق من آسيا العربية، انتقلت أوراق الضغط إلى باب المندب، ووسّعت صنعاء سيطرتها على مساحات جديدة في ساحل اليمن الغربي.

وفي هذا السياق، تبحث واشنطن عن موطئ قدم قريب يخدم مراميها في المنطقة، ضمن مشروعها لإعادة هندسة الأوضاع في القرن الأفريقي، الذي تزايدت أهميته لهذه الأسباب ولصراع القوى العظمى عليه وفيه. وهذا ما تناولناه في مقال سابق بعنوان "واشنطن تعيد هندسة القرن الأفريقي وتهدد الأمن القومي العربي" (23/5/2026)، حيث جرى تحليل أبعاد هذا المشروع ومخاطره على الوطن العربي.

تبرز أهمية إريتريا هنا بوصفها دولة مطلة على الضفة الغربية للبحر الأحمر، مقابل السعودية وبالقرب من اليمن، وتمتد سواحلها لنحو 1080 كيلومتراً، وتشرف على جزء واسع من الساحل القريب لباب المندب ومسارات الملاحة المتجهة من المحيط الهندي إلى قناة السويس. وتجعل هذه المعطيات أسمرة طرفاً يصعب تجاهله في أي ترتيبات استراتيجية تتعلق بالمضيق. وتشير عدة معطيات إلى اتصالات أمريكية إريترية متزايدة وعلى مستوى حكومي عالٍ شاركت مصر في تسهيلها. وتزامن ذلك مع تقارير صحافية تحدثت عن دراسة واشنطن مقاربة جديدة تجاه أسمرة، نظراً لموقعها على البحر الأحمر.

أديس أبابا وأسمرة: مساران متوازيان

يرتبط القرار الأمريكي بملف العلاقات المتوترة بين إريتريا وإثيوبيا، مع ما يحمله ذلك من دلالات على تموضع واشنطن في الإقليم. فوصول إثيوبيا إلى البحر يحظى بدعم وغطاء غربي إسرائيلي، وكما ترى أديس أبابا، يعتبر حاجة استراتيجية لا غنى لمشروعها الإمبراطوري الجديد عنه. وفي الوقت الذي تجترح فيه واشنطن مساراً مباشراً نحو أسمرة، تعمل أديس أبابا على مشروعها البحري. هذان المساران يسيران بالتوازي، ما يعكس ترتيباً إقليمياً أوسع تتحرك فيه واشنطن على أكثر من مسار في آن واحد.

وتعزز تطورات غرب آسيا الحاجة الأمريكية إلى إريتريا. فبعد تنامي الدور اليمني وسيطرة صنعاء على باب المندب، وجدت واشنطن نفسها في مواجهة مشهد إقليمي تآكلت فيه مواقعها، وهي تبحث الآن عن موطئ قدم في إريتريا وسواحلها كموقع استراتيجي ضروري على البحر، وعلى مقربة من فضاء إقليمي تراجع فيه نفوذها. ويشكل هذا المسار جزءاً من المشروع الأوسع لإعادة هندسة القرن الأفريقي، الذي عظمت أهميته بالعوامل سالفة الذكر.

ويأتي رفع العقوبات كورقة تفتح الباب أمام حوار واسع مع أسمرة، قد يمتد إلى ملفات إقليمية من ضمنها العلاقة الإريترية-الإثيوبية، وملف السودان وتطورات المنطقة عموماً. وإذا كانت واشنطن تسعى إلى تعزيز دورها في القرن الأفريقي الكبير، فإن تهيئة الأجواء مع أسمرة ضرورة يمليها منطق ترتيب الأولويات.

الاستنسابية الأميركية: حقوق الإنسان والنفوذ

تثير خطوة الانفتاح على أسمرة انتقادات داخل أمريكا، خصوصاً من مسؤولين وخبراء سابقين في الشأن الأفريقي، يرون أن رفع العقوبات يجب أن يرتبط بملفات في مقدمتها ملفا حقوق الإنسان والديمقراطية، وأن إريتريا لم تحرز تقدماً فيهما. ويتساءل هؤلاء عما يمكن أن تحصل عليه واشنطن في المقابل. لكن هذا الطرح يتجاهل الطبيعة الاستنسابية للسياسة الأمريكية في التعامل مع مثل هذه الملفات.

فهي ترفعها في وجه الأنظمة التي لم تخضع لها بغية إخضاعها، وتتغاضى عنها عند الأنظمة الخاضعة. وفي حالة إريتريا، تعمل الآن على مبادلة هذه القضايا بمساحة نفوذ تمكنها من موضع ارتكاز في إريتريا على مقربة من منطقة تتعرض فيها مصالحها الاستراتيجية لتحديات جدية.

وتكتسب هذه الانتقادات بعداً إضافياً عند النظر في ظروف فرض العقوبات نفسها. فقد فُرضت في عهد إدارة الرئيس جو بايدن عام 2021 على خلفية دور الجيش الإريتري في حرب التيغراي، حين كانت واشنطن تميل إلى جانب قوات تيغراي، ومع تحول الموقف الأمريكي في عهد ترامب نحو تأييد حكومة آبي أحمد، باتت العقوبات عبئاً على مسار العلاقة مع أسمرة. أما فعاليتها فقد ظلت محدودة نظراً لطبيعة النظام المغلق في إريتريا ومحدودية حركتها الدبلوماسية.

حدود القرار وثقل الجغرافيا وسؤال القاعدة

يبقى القرار محدوداً في نطاقه الرسمي، فهو مرتبط بحالة الطوارئ الخاصة بإثيوبيا، ولا يتضمن في هذه المرحلة اتفاقاً حول البحر الأحمر أو ميناء عصب أو وجوداً عسكريّا أميركياً في إريتريا. وهذا طبيعي، فالمفاوضات والمساعي السياسية لم تبلغ نهاياتها بعد، والحال كذلك بالنسبة إلى مصوع وعصب. وقد قال متحدث باسم الخارجية الأمريكية إن الرئيس دونالد ترامب اختار عدم تجديد التدابير من أجل دفع المصالح الإقليمية لأمريكا.

ويبرز في هذا الإطار سؤال حول موقف أسمرة من أي وجود عسكري أجنبي على أراضيها، خصوصاً مع إعراب وزير خارجيتها عثمان صالح في منتصف الشهر الجاري عن قلق بلاده من خطط لإقامة وجود عسكري إسرائيلي في أرض الصومال/صوماليلاند، متسائلاً عن الأسباب التي تدفع "إسرائيل" إلى السعي لإنشاء قاعدة عسكرية في منطقة القرن الأفريقي. وهو موقف يعكس حساسية بلاده تجاه أي ترتيبات عسكرية في الإقليم، ويفتح الباب أمام تساؤل حول إمكانية موافقتها على وجود عسكري أمريكي في أراضيها، لو أن واشنطن ألحّت في الطلب وعزّتها في الخطاب. وهذا كله يعيدنا إلى الجغرافيا، فهي تصنع الأهمية وتحدد مسار الترتيبات.

فساحل إريتريا يطل على بحر مضطرب، وميناء عصب يلامس أزمة إثيوبيا الحبيسة، وباب المندب تمتد كلفة اضطرابه من الموانئ القريبة إلى حركة التجارة العالمية. وفي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، انخفض متوسط تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر باب المندب إلى 4 ملايين برميل يومياً، مقابل 8.7 ملايين برميل يومياً خلال عام 2023، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

في هذه الظروف تفرض جغرافيا البحر الأحمر إيقاعها على السياسة، وتفتح مجالاً واسعاً للاستثمار السياسي. وتبقى الإجابة على الأسئلة الآتية رهن تطورات المرحلة المقبلة: هل يمنح رفع العقوبات أميركا موطئ قدم في البحر الأحمر؟ وإذا كان القرار بفتح الباب، فإلى أي حد يمكن أن يكتمل التفاهم بين واشنطن وأسمرة، وأي معادلة قد يقوم عليها، في ظل خطاب إريتري تتصدره دعوى السيادة، ومطامع أميركية تسعى إلى نقيض ما تريده أسمرة؟