هل يتحوّل العدوان الأميركي على إيران من عملية خاطفة إلى حرب استنزاف؟

في حرب الاستنزاف المحتملة، لن تدفع الجمهورية الإيرانية أو القوات الأميركية الخسائر المادية والبشرية وحدهما، بل ستدفع المنطقة كلّها، وفي القلب منها دول الخليج والأردن، جزءاً من تلك الخسائر.

  • هل يتحوّل العدوان الأميركي على إيران من عملية خاطفة إلى حرب استنزاف؟
    هل يتحوّل العدوان الأميركي على إيران من عملية خاطفة إلى حرب استنزاف؟

قد لا يكون من العسير علينا، وعلى شريحة واسعة من المتابعين والمهتمين بشؤون المنطقة، استذكار جملة واسعة من التصريحات الأميركية التي رافقت انطلاق العدوان الغاشم على الجمهورية الإسلامية في إيران، أواخر شباط/فبراير الماضي، إذ أشارت هذه التصريحات، التي رافقتها أخرى إسرائيلية مشابهة، إلى الحاجة إلى أيام قلائل، وفي أسوأ الأحوال إلى بضعة أسابيع، لحسم المعركة ضدّ النظام الإسلامي الإيراني وإسقاطه بالضربة القاضية. وهذه الضربة تمّ التحضير لها، كما تشير الكثير من المعطيات، منذ شهور، وربما سنوات طويلة، حتى قبل وصول الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب إلى سدّة الحكم.

خلال أسابيع الحرب الأولى، التي شهدت كثافة عملياتية غير مسبوقة، خصوصاً على صعيد توجيه ضربات مباشرة إلى آلاف المواقع والأهداف داخل إيران، والتي تنوّعت ما بين العسكرية والاقتصادية والعلمية والصحية، ووصلت في بعضها إلى استهداف مدارس الأطفال، كما جرى في مجزرة ميناب، كانت توقّعات الكثيرين في المنطقة وحول العالم تشير إلى إمكان انهيار الدولة الإيرانية وتفكّك نظامها السياسي، ولا سيما بعد اغتيال رأس النظام، وقائد الثورة والجمهورية، السيد علي خامنئي، رضوان الله عليه، وإلى جواره قادة بارزون في حرس الثورة والجيش الإيرانيين، ومجموعة واسعة من قادة الصف الأول على المستويين السياسي والعسكري، والعلماء النوويين.

مع مرور الوقت، ومع ارتفاع وتيرة الردود الإيرانية وتنوّعها، والتي لم يكن أعداء الثورة الإسلامية يتوقّعونها أو ينتظرونها، ومع ازدياد حجم الخسائر التي لحقت بقوى العدوان، والتي بدأ الكشف عن بعضها خلال الأسابيع الأخيرة، تبدّدت معظم، إن لم يكن كلّ، آمال المعتدين.

وبات من شبه المستحيل، كما أشارت العديد من وكالات الاستخبارات العالمية، وإلى جانبها الكثير من وسائل الإعلام الأجنبية، تحقيق الأهداف المعلنة للحملة العدوانية على إيران. بل أصبحت هذه الجمهورية، المحاصرة منذ نحو سبع وأربعين سنة، والمستهدفة من القريب والبعيد، والتي حيكت ضدّها المؤامرات من داخل البلاد وخارجها منذ اليوم الأول الذي تلا نجاح الثورة الإسلامية، أكثر قوة وأعظم تأثيراً. وبات يُنظر إليها على أنها تجاوزت أدوارها الإقليمية إلى أخرى عالمية، خصوصاً بعد أن أجادت استخدام الأوراق التي بين يديها، وفي مقدّمتها ورقة مضيق هرمز، الذي بات اليوم محوراً أساسياً ورئيسياً قد يحدّد نتيجة المعركة برمّتها.

بعد التوصّل إلى "اتفاق الإطار" بين الجانبين الأميركي والإيراني، في حزيران/يونيو الماضي، والذي عدّه الكثيرون بمنزلة انتصار للجمهورية الإيرانية، خصوصاً بعد أن تبنّى معظم الشروط التي كانت تطالب بها، ولا سيما فيما يتعلّق بشموله للجبهة اللبنانية، والإشراف على مضيق هرمز من خلال الجانبين الإيراني والعُماني، إضافة إلى قضايا أخرى متعلّقة برفع القيود المالية عن الأموال الإيرانية المجمّدة في دول مختلفة، بدأت الولايات المتحدة، كعادتها، التراجع تدريجياً عما تمّ التوصّل إليه من اتفاق، تحت ذرائع مختلفة وحجج واهية.

وحاولت، في الوقت نفسه، الانقلاب عليه والعودة إلى مربّع الحرب الأول، في موقف وصفه الكثيرون من الخبراء بأنه محاولة للتعويض عن الإخفاق الذريع الذي مُنيت به جهودها في المرحلة الماضية من الحرب، والتي لم تنجح فيها، برفقة حليفها الإسرائيلي، ورغم كلّ ما استخدمته من إمكانات، في تحقيق معظم أهداف الحرب، ولا حتى في الوصول إلى مرحلة ينكفئ فيها الجانب الإيراني عن أدواره الإقليمية والدولية، التي تعزّزت وباتت أكثر تأثيراً من أيّ مرحلة سابقة من عمر الجمهورية الإسلامية العزيزة والمقتدرة.

نحو حرب استنزاف؟

منذ استئناف الهجمات الأميركية العدوانية على أهداف إيرانية، جلّها مدنية واقتصادية، ولا سيما في المناطق الجنوبية من البلاد، والتي وصفها البعض بأنها ذات مستويات متوسطة، أو حتى أقلّ من ذلك، والتي قوبلت بردود نوعية من الجيش وحرس الثورة الإيرانيين، خصوصاً بعد توسّع هذه الردود لتشمل قواعد عسكرية أميركية جديدة، مثل قاعدة التنف على الحدود السورية - العراقية، وقواعد أخرى في الأردن والسعودية، يسود اعتقاد لدى الكثيرين بأنّ شكل المرحلة المقبلة من المواجهة سيكون أقرب إلى حرب الاستنزاف منه إلى المواجهة العسكرية مرتفعة النسق، كما جرى في معركة الأربعين يوماً.

فالظروف التي أنتجتها تلك المعركة، والتداعيات الناشئة عنها، وحجم الخسائر التي مُني بها الحليفان الأميركي والإسرائيلي، خصوصاً على صعيد تدمير جزء كبير من القواعد الأميركية في المنطقة، والتي كانت بمنزلة الذراع الطويلة التي تضرب بها أكبر قوة في العالم أعداءها أينما تشاء ووقتما تشاء، جعلت مسألة العودة إلى الحرب الشاملة أمراً مستبعداً بنسبة كبيرة، مع بقائها واردة، وإن بنسب منخفضة، خصوصاً في حال تلقّي دول العدوان ضربات نوعية، مثل تلك التي كشفت عن بعضها صور الأقمار الاصطناعية خلال اليومين الأخيرين.

في حال تحوّلت المواجهة الحالية إلى حرب استنزاف طويلة المدى، وفي حال نجحت القوات المسلحة الإيرانية في جرّ أعدائها إلى هذا الأسلوب من الحرب، وبالنسق المتوسط نفسه، الذي لا يشكّل عبئاً كبيراً لمواجهته أو محاصرة تداعياته، فإنّ المنطقة مقبلة على تصعيد واسع جغرافياً، قد تنتج منه تأثيرات أقلّ ما يقال عنها إنها شديدة الخطورة، ولا سيما على صعيد الاقتصاد العالمي.

وسيعاني الاقتصاد العالمي أكثر من أيّ مرحلة سابقة، خصوصاً في حال إغلاق القوات المسلحة اليمنية مضيق باب المندب، كما أعلنت أكثر من مرة، وهو الأمر الذي سيرتبط عاجلاً أو آجلاً بعودة العدوان على اليمن، كما حدث قبل أيام، عندما تمّ قصف مطار صنعاء الدولي، الأمر الذي استدعى رداً يمنياً باستهداف مطار أبها السعودي.

تداعيات إقليمية واسعة

في حرب الاستنزاف المحتملة، لن تدفع الجمهورية الإيرانية أو القوات الأميركية الخسائر المادية والبشرية وحدهما، بل ستدفع المنطقة كلّها، وفي القلب منها دول الخليج والأردن، جزءاً من تلك الخسائر، ولا سيما الدول التي تحتضن القواعد العسكرية الأميركية، أو التي تنطلق منها الهجمات الصاروخية والجوية ضدّ الأهداف الإيرانية المختلفة.

وبالنسبة إلى بعض دول الخليج، قد تتدحرج الأمور لتصل إلى مرحلة من الانهيار الاقتصادي، خصوصاً في دولة مثل الإمارات العربية المتحدة، التي تتخذ، منذ بداية العدوان، موقفاً معادياً للدولة الإيرانية، وتجيّر جزءاً كبيراً من إمكاناتها العسكرية والاقتصادية والإعلامية لدعم العدوان، وصولاً إلى المشاركة المباشرة فيه، كما حدث أكثر من مرة.

ودولة ثانية يمكن أن تطالها التداعيات الكارثية لأيّ حرب استنزاف هي الأردن، التي تقوم بدور محوري في مساندة العدوان على إيران، سواء من خلال استضافة واحدة من أهمّ القواعد الأميركية في المنطقة، أو من خلال المشاركة في التصدّي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي تستهدف الكيان الصهيوني.

وقد قوبل هذا الأمر باستهجان من معظم شرائح الشعب الأردني الأصيل، الذي كان على الدوام داعماً للقضايا العربية، ورافضاً ومندّداً بكلّ الاتفاقات مع العدو الصهيوني.

والكيان الصهيوني، بدوره، لن يكون بعيداً عن تداعيات أيّ حرب استنزاف مقبلة، وهو الذي ما زال، حتى الآن، يمتنع عن المشاركة في الهجمات الأميركية على إيران، خشية ردود الفعل التي يمكن أن تطاله، ونتيجة، كما يبدو، حاجات عملياتية لها علاقة بنقص واضح في القنابل الملقاة من الجو، وكذلك الصواريخ الاعتراضية التي استنفد منها كميات غير مسبوقة خلال المواجهة السابقة. وهو ما يهدّد بانكشاف مدنه ومستوطَناته ومواقعه العسكرية أمام الصواريخ الإيرانية، في حال توسّعت المواجهة وبات جزءاً منها، كما هو متوقّع.

قد يقول البعض إنّ الظروف الحالية التي تمرّ بها المنطقة والعالم تجعل من توسّع المواجهة أمراً مستبعداً، وإنّ الحاجة إلى استقرار أسواق الطاقة العالمية، على وجه الخصوص، ربما تفرض على كلّ الأطراف التوجّه نحو تهدئة جديدة تجنّب الجميع أزمات يحاولون تحاشيها والابتعاد عنها. إلّا أنّ الواقع يقول إنّ عالماً يخشى من نرجسية رئيس أقوى دولة فيه، وهو الرئيس الذي ينظر إلى كلّ الأحداث من منظور الربح والخسارة، ويعتمد نظام الصفقات التجارية في كلّ حركاته وسكناته، لن يكون قادراً على الحفاظ على مصالحه، وسيقع ضحية مواقفه العاجزة والخجولة. وهي المواقف نفسها التي سمحت للعدو الإسرائيلي بارتكاب مجزرة القرن في غزة، والتي ما زالت فصولها مستمرة ومتواصلة حتى يومنا هذا.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.