هل سلّم الجيش الفنزويلي مادورو وزوجته كأضحية للولايات المتحدة؟
السؤال الذي سيبقى مطروحًا في الأشهر المقبلة هو: هل مادورو آخر من يُنتزع بهذه الطريقة، أم أنه مجرد نموذج أولي لعالم تُدار فيه الدول من خارج حدودها؟
-
هل كان مادورو آخر من يُنتزع بهذه الطريقة؟
بعد ساعات من الضبابية والتضارب، تأكد رسميًا أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على قيد الحياة ومعتقل حاليًا داخل الولايات المتحدة، إلى جانب زوجته، عقب عملية عسكرية/أمنية أميركية غير مسبوقة نُفذت داخل الأراضي الفنزويلية.
هذا التأكيد أنهى مرحلة الشك بشأن مصير الرجل، لكنه فتح في المقابل بابًا أوسع من الأسئلة، أخطرها: كيف سقط رأس الدولة بهذه السهولة؟ وأين كان الجيش الفنزويلي؟ وهل كان ما جرى اختراقًا بالقوة أم تسليمًا مقنّعًا؟
الرواية الأميركية: اعتقال مباشر لا صفقة سياسية، فوفق الرواية الأميركية الرسمية، ما جرى هو عملية أمنية دقيقة أسفرت عن اعتقال مادورو دون مقاومة تُذكر، ونقله إلى الأراضي الأميركية لمواجهة اتهامات جنائية قديمة تتعلق بالمخدرات وغسيل الأموال.
كما تؤكد واشنطن أن العملية لم تكن نتيجة تفاوض مع الجيش الفنزويلي ولا اتفاق مع أركان النظام، بل إجراء أحادي استند – بحسبها – إلى "حق ملاحقة مجرمين دوليين"، غير أن هذه الرواية، رغم وضوحها الإعلامي، لا تجيب عن السؤال المركزي:
كيف أمكنهم تنفيذ عملية بهذا الحجم في دولة ذات سيادة، دون اشتباك يُذكر، ودون بيان حاسم من جيش يُعد أحد أعمدة النظام؟
صمت الجيش الفنزويلي: حياد أو ارتباك أم تفاهم ضمني؟
اللافت حتى اللحظة هو أن المؤسسة العسكرية الفنزويلية لم تصدر موقفًا صريحًا ومباشرًا يشرح ما جرى.
لا بيان يؤكد مواجهة القوات الأميركية، ولا إعلان واضح عن رفض أو قبول ما حصل، بل بيانات عامة تتحدث عن "انتهاك للسيادة" دون تفاصيل، ما جعل الصمت بحد ذاته موقفًا سياسيًا قابلًا للتأويل.
هذا الغموض فتح الباب أمام ثلاث فرضيات رئيسية:
فرضية التفكك والشلل:
يمكن أن يكون الجيش قد فوجئ بالعملية أو فقد القدرة على الرد، نتيجة اختراق أمني أو انهيار في منظومة القرار.
فرضية الحياد المحسوب:
أن تكون القيادة العسكرية اختارت عدم المواجهة لتجنب حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل حصار اقتصادي خانق وانقسام داخلي.
فرضية التفاهم غير المعلن (وهي الأخطر سياسيًا):
أن يكون قد جرى تغاضٍ متعمد عن اعتقال مادورو مقابل ضمانات أميركية تتعلق بعدم تفكيك النظام، أو الحفاظ على بنية الدولة، أو تخفيف العقوبات، أو فتح ملف النفط الفنزويلي بشروط ترضي واشنطن.
حتى الآن، لا توجد وثائق أو أدلة قاطعة تثبت الفرضية الثالثة، لكنها تبقى مطروحة بقوة بسبب حجم الحدث وطريقة تنفيذه.
مادورو حيّ… لكن السيادة جريحة
تأكيد أن مادورو حيّ ومعتقل في الولايات المتحدة لا يبدّد الأسئلة، بل يزيدها حدّة، فالمسألة لم تعد تتعلق بمصير شخص، بل هي سابقة خطيرة في العلاقات الدولية:
رئيس دولة يُعتقل خارج بلاده، دون حرب شاملة، ودون موقف عسكري حاسم من دولته.
وهنا يصبح السؤال أوسع من مادورو نفسه: هل دخل العالم مرحلة يُعاد فيها تعريف السيادة بالقوة؟
وهل باتت الجيوش الوطنية، تحت الضغط الاقتصادي والسياسي، عاجزة أو غير راغبة في الدفاع عن رأس السلطة حين تقرر واشنطن إزالته؟
ما بعد مادورو
سواء كان ما جرى اختراقًا بالقوة أو تسليمًا ضمنيًا، فإن النتيجة واحدة:
فنزويلا تقف اليوم أمام مرحلة غامضة، والجيش أمام اختبار تاريخي لشرعيته ودوره، والولايات المتحدة أمام اتهام جديد بإعادة إنتاج منطق "الهيمنة تحت عنوان العدالة".
أما السؤال الذي سيبقى مطروحًا في الأشهر المقبلة فهو:
هل يعد مادورو آخر من يُنتزع بهذه الطريقة، أم أنه مجرد نموذج أولي لعالم تُدار فيه الدول من خارج حدودها؟