هل تسعى الولايات المتحدة لتحييد روسيا والاستفراد بايران؟
مساعٍ أميركية لتسوية الأزمة الأوكرانية، وسط مؤشرات إلى سعي واشنطن لتحييد روسيا مؤقتاً، بهدف التركيز على إيران ومحاصرة الصين استراتيجياً.
في تطور لافت، رعت الولايات المتحدة اجتماعاً ثلاثياً بين مسؤولين روس وأوكرانيين وأميركيين، في محاولة لإحياء محادثات السلام لتسوية الأزمة الأوكرانية. وقد أعلن المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، عبر منصة "إكس"، أنّ الاجتماع عُقد في مدينة ميامي، بغية مناقشة مقترح لإنهاء الحرب في أوكرانيا قبل حلول الشتاء المقبل، لافتاً إلى أنّ الاجتماع حضره ممثلون عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وممثلون عن المفوضية الأوروبية وحلف شمال الأطلسي، ومشيراً إلى أنّ النقاشات تناولت مواضيع مرتبطة بإمدادات الطاقة وصادرات الحبوب، إضافة إلى الضمانات الأمنية لمنع تجدد الحرب في أوكرانيا، بما فيها القبول بانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.
تحييد روسيا للتركيز على إيران؟!
عكس هذا الإعلان عزم الولايات المتحدة، وتحديداً إدارة الرئيس دونالد ترامب، على إنهاء الأزمة لأسباب عدة، من ضمنها التصعيد الأوكراني واستهداف كييف البنى التحتية النفطية الروسية، الأمر الذي دفع موسكو إلى وقف تصدير الديزل إلى الولايات المتحدة، في وقت تشهد فيه أسعار الطاقة العالمية ارتفاعاً كبيراً نتيجة حالة الصراع في الشرق الأوسط، إضافة إلى تهديد عملية تصدير الحبوب من روسيا وأوكرانيا، بما يهدد سلاسل إمداد الغذاء العالمية.
ومن شأن ارتفاع كبير في أسعار النفط أن يؤثر سلباً في الاقتصاد العالمي، إلا أنّ همّ ترامب قد يكون مركّزاً أكثر على تأثيراته في المواطن الأميركي العادي، ما قد يؤثر في خياراته السياسية قبل الانتخابات النصفية بأسابيع قليلة، ويدفعه إلى التصويت ضد الحزب الجمهوري.
إلا أنّ هذه الأسباب قد تكون مرحلية، وتخفي خلفها الهدف الاستراتيجي الذي يدفع ترامب إلى تحييد الجبهة الأوكرانية، ولو إلى حين، بغية التركيز على الجبهة الرئيسية التي لا يزال متورطاً فيها، وهي جبهة الشرق الأوسط، وتحديداً حربه ضد إيران وحلفائها.
فإذا دققنا في عقيدة الأمن القومي التي أطلقها ترامب في بداية العام 2026، نجد أنّه يصنّف الصين على أنّها العدو الأول للولايات المتحدة، الذي يجب منعه من انتزاع الريادة الاقتصادية، وبالتالي الجيوسياسية العالمية، من واشنطن. وبناءً على هذه العقيدة، وجّه ترامب ضربات إلى القوتين النفطيتين الرئيسيتين، عدا عن روسيا، وهما فنزويلا وإيران، اللتان تمتلكان احتياطات نفطية كبيرة، واللتان كانتا قد دخلتا في شراكات استراتيجية مع الصين.
كان ترامب يستهدف حرمان الصين من مصادر الطاقة المستقلة، حتى يتمكن من ابتزازها في الحلقة الأضعف في اقتصادها، وهي النفط والغاز، علماً أنّ بكين تُعتبر أكبر مستورد لموارد الطاقة في العالم، بواقع 11.5 مليون برميل يومياً.
وإن كان ترامب قد حقق نتيجة سريعة وحاسمة في فنزويلا بعد اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، فإنّ حساباته في إيران لم تتلاءم مع الواقع، إذ لم تؤدِّ العملية العسكرية التي وجّهها في 28 شباط/فبراير ضد طهران إلى انهيار إيران، على الرغم من اغتيال المرشد السيد علي الخامنئي وعدد كبير من القادة العسكريين والمدنيين الإيرانيين.
على العكس من ذلك، أظهرت إيران قدرة كبيرة، ليس فقط على الصمود، بل أيضاً على توجيه ضربات قوية وقاسية ضد القواعد الأميركية والإسرائيلية في الخليج والأردن والكيان الصهيوني، بما أجبر واشنطن على القبول بوقف إطلاق النار بعد أربعين يوماً من بدء العدوان. وعلى الرغم من محاولاته التالية لإسقاط إيران، بعد خرقه وقف إطلاق النار معها عدة مرات، بقيت طهران صامدة وتتحدى الهيمنة الأميركية في المنطقة.
وعلى الرغم من فشل ترامب في تحقيق هدفه بإسقاط إيران، فإنّ ذلك لن يدفعه إلى التراجع، في ظل مؤشرات عدة تفيد بأنّ الأمور تتجه نحو جولة جديدة من العدوان الأميركي - الإسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية.
فاستهداف إيران يتجاوز واقع أنّها تشكّل مجرد مصدر للطاقة بالنسبة إلى الصين. إذ تشكّل إيران حليفاً جيوسياسياً بالنسبة إلى بكين، وحلقة رئيسية في استراتيجية الصين العالمية التي تتجسد في مبادرة الحزام والطريق، والتي تتقاطع مختلف فروعها في إيران قبل أن تنطلق غرباً باتجاه أوروبا.
من هنا، فإنّ استهداف إيران يشكّل وسيلة لضرب مجمل مبادرة الحزام والطريق، ويؤدي بالنتيجة إلى عزل الصين ومحاصرتها من قبل الولايات المتحدة. وبناءً على ذلك، فإنّ ترامب ينوي مهاجمة إيران مرة أخرى، لكن بعد الانتخابات النصفية الأميركية، وهو يريد تحييد روسيا، أقله حتى تحقيق هدفه بضرب إيران.
هل يعي بوتين حقيقة نوايا ترامب؟
تتضارب التوقعات في ما يتعلق بحقيقة الموقف الروسي. ففي حين يرى محللون أميركيون وغربيون أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يقبل بتسوية في أوكرانيا برعاية أميركية، في مقابل تحييد موسكو عن الصراع الدائر في الشرق الأوسط، فإنّ الكثير من المؤشرات تفيد بعكس ذلك.
فبوتين يعي حقيقة أنّ استهداف الأميركيين لإيران يتجاوز مسألة تغيير النظام باتجاه ضرب الصين. وهو يعي أيضاً أنّ عزل الصين سيؤدي تالياً إلى محاصرة روسيا. من هنا، نجد تصريحات بوتين وغيره من المسؤولين الروس التي تركز على متانة التحالف الاستراتيجي مع الصين.
كذلك، فإنّ القيادة الروسية تدرك حقيقة أنّ ترامب، من خلال وعوده بالتوصل إلى تسوية مستدامة في أوكرانيا، يسعى إلى الفصل بين الصين وروسيا بغية تحقيق نصر استراتيجي على القوى الأوراسية، تماماً كما فعل سلفه ريتشارد نيكسون حين تمكّن من إحداث شرخ بين الصين والاتحاد السوفياتي في بداية سبعينيات القرن الماضي، والذي أدى في النهاية إلى انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة.
والجدير ذكره أنّ وزير خارجية نيكسون، هنري كيسنجر، كان قد حذّر قبل وفاته من السياسات الأميركية التي اعتمدتها الإدارات الأميركية المتعاقبة بعد العام 2001، والتي أدت إلى توثيق العلاقات الصينية - الروسية.
والجدير ذكره أيضاً أنّ الولايات المتحدة تنوي، عبر ضرب إيران، الانطلاق منها باتجاه منطقة آسيا الوسطى، التي تشكّل خاصرة رخوة ليس فقط بالنسبة إلى الصين، بل أيضاً بالنسبة إلى روسيا. وهذا هو السبب الذي دفع بكين وموسكو إلى إطلاق منظمة شنغهاي للتعاون في العام 2001، والتي أعلنت صراحة أنّ هدفها الأسمى يتمثل بضمان الأمن والاستقرار في آسيا الوسطى، التي يعتبرها مستشار الأمن القومي الأسبق زبغنيو بريجنسكي "بلقان أوراسيا".
وتشكّل إيران الكتلة الصلبة الوحيدة في منطقة مائجة تمتد من وسط آسيا إلى البحر الأحمر. من هنا، فإنّ استهداف إيران لا يحقق هدف عزل الصين فحسب، بل يضمن لواشنطن القدرة على السيطرة على الشرق الأدنى من جهة، والانطلاق نحو السهوب في قلب أوراسيا من جهة أخرى.
لذا، فمن الأرجح أن تكون القيادة الروسية مدركة لإمكانية أن تكون المساعي الأميركية في ما يتعلق بتسوية في أوكرانيا مجرد مناورة لتحييد روسيا مؤقتاً، لحين تحقيق هدف ضرب إيران وعزل الصين، قبل أن تتجدد محاولات الغرب لإسقاط روسيا.
وما يزيد من هواجس الروس هو حقيقة أنّ الولايات المتحدة والغرب الجماعي، وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، قاما في عدة مناسبات بإحداث حالة من عدم الاستقرار في أوكرانيا، في محاولة لوضعها تحت الهيمنة الغربية، خارقين عدة اتفاقات مع موسكو كانت تهدف إلى تسوية سلمية في هذا البلد.
فواشنطن هي التي رعت الثورة البرتقالية في العام 2004. وعندما تمكّن سياسي مخضرم كان يدعو إلى التقارب مع موسكو، هو يانوكوفيتش، من الفوز بالانتخابات في العام 2009، رعت الولايات المتحدة ثورة ملونة أخرى ضده بقيادة بيدر بوروتشينكو في العام 2014، بعد إعلان فوز يانوكوفيتش بالانتخابات لولاية جديدة.
وفي العام 2021، كانت الولايات المتحدة هي من شجعت الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي على الانقلاب على تفاهمات مينسك التي وقّعها الغرب مع موسكو، ما دفع بالروس إلى إطلاق العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا في شباط/فبراير من العام 2022.
خلاصة
في واقع الأمر، فإنّ الولايات المتحدة، ومعها الغرب الجماعي، تعتبر أنّ فرض الهيمنة على أوكرانيا سيؤدي إلى عزل روسيا داخل البر الآسيوي، كما جاهر صراحة بريجنسكي في كتابه الشهير "رقعة الشطرنج الكبرى".
كذلك، فإنّ المؤشرات تفيد بأنّ مساعي واشنطن الحالية للتسوية في أوكرانيا قد تكون مناورة لتحييد روسيا لحين الفراغ من المعركة مع إيران. وهذا ما يعكس عدم تفاؤل الروس بإمكانية التوصل إلى تسوية سلمية للحرب بالوكالة التي يشنها الغرب الجماعي ضد روسيا.
لذا، فإنّ الرئيس الروسي، وفي وقت كانت تُعقد فيه اجتماعات ميامي، أبلغ الرئيس الأميركي بأنّ استئناف المحادثات مع أوكرانيا غير مرجح في ظل الهجمات التي شنتها وتشنها أوكرانيا ضد أهداف مدنية داخل الأراضي الروسية.
ويُعتبر هذا التصريح مؤشراً ليس فقط على عدم تفاؤل الروس بإمكانية التوصل إلى تسوية في أوكرانيا وفقاً للمواعيد الأميركية، بل أيضاً مؤشراً على أنّ روسيا لن تقع في فخ تحييدها من قبل الأميركيين للاستفراد بإيران، ومن ثم الصين.
ويأتي ذلك في ظل تقارير متزايدة عن دعم عسكري روسي لإيران، بموازاة الدعم الاقتصادي الصيني للجمهورية الإسلامية.
