هل تجتاح الولايات المتحدة جنوب ايران؟

أي عملية برية أميركية في جنوبي إيران ستواجه عوائق جغرافية وعسكرية معقدة، وقد تتحول من محاولة للسيطرة على مضيق هرمز إلى حرب استنزاف مكلفة تعجز واشنطن عن تحقيق أهدافها من خلالها.

0:00
  • هل تجتاح الولايات المتحدة جنوب ايران؟
    هل تجتاح الولايات المتحدة جنوب ايران؟

مرّ أكثر من أسبوع على تجدد العدوان الأميركي على إيران، بعدما تذرعت واشنطن بما اعتبرته استهدافاً إيرانياً لسفن حاولت العبور في مضيق هرمز من دون التقيد بالتعليمات الإيرانية، لتشن سلسلة غارات جوية تتواصل حتى تاريخ كتابة هذا المقال، بالتوازي مع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الأسبوع الثاني من المواجهات سيشهد حملة أميركية غير مسبوقة على إيران.

وهو ما حدا بعدد كبير من المراقبين إلى التكهن بأن ترامب قد يلجأ إلى عملية برية محدودة في جنوبي إيران، بغية تأمين سيطرته الكلية على مضيق هرمز.

وفي حال حصل هذا الأمر، فهو سيمثل تحولاً نوعياً في الصراع، ويرفع مستوى المواجهة إلى أبعاد جديدة، خصوصاً أنه، على الرغم من امتلاك الولايات المتحدة قدرات عسكرية هائلة، فإن طبيعة الميدان في جنوبي إيران والطبيعة الجغرافية لإيران نفسها ستجعلان من هذا التطور مشهداً معقداً.

احتمالات العملية البرية

في حال اختارت الولايات المتحدة القيام بعملية برية، فعلى الأرجح أن هذه العملية لن تشمل اجتياحاً كاملاً لإيران، خصوصاً في ظل الحديث عن 50 ألف جندي أعدّتهم واشنطن لمثل هذه العملية.

فمن غير المرجح أن يتمكن هذا العدد من الجنود من الانطلاق من السواحل الجنوبية الضيقة لإيران، ليتوغل في مناطقها الجبلية، عبر جبال زاغروس باتجاه طهران، وينطلق منها للسيطرة على كامل البلاد.

وما يعرقل مثل هذا الاحتمال هو طبيعة جبال زاغروس، التي تمتد بمحاذاة مناطق واسعة من إيران، من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي، بارتفاع يصل إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف متر.

وبالتالي، ليس من السهل على قوة من 50 ألف جندي أن تتمكن من العبور من السواحل الضيقة إلى قمم الجبال العالية ذات الطبيعة القاسية، حتى إذا كانت تتمتع بتفوق جوي.

من هنا، إذا اختار دونالد ترامب خوض معركة برية، فقد يقتصر الأمر، ولو في البداية، على تأمين السيطرة على موقع استراتيجي على الساحل، يمكن أن يغير منه الموازين ويحسّن شروط التفاوض مع إيران.

لكن حتى في حال لجأ ترامب إلى مثل هذا الخيار، فإنه سيكون، بالتالي، قد وضع جنوده في مرمى النيران الإيرانية من الجبال القريبة من الساحل، بما يحوّل نقطة التفوق هذه إلى نقطة ضعف، تتحول إلى رصيد استراتيجي يعزز موقع طهران التفاوضي، عوض تعزيز وضع واشنطن.

وإذا عدنا إلى الطبيعة الجغرافية لإيران، فإنه، للوهلة الأولى، قد تبدو السواحل الجنوبية مناسبة لعمليات توغل بري بالنسبة إلى القوات الغازية الأميركية، خصوصاً في ظل التفوق الجوي والبحري الذي تتمتع به، ما يمكن أن يسهّل عمليات إنزال واسعة في المناطق الساحلية.

إلا أن هذا الأمر قد لا يؤدي بالضرورة إلى حسم استراتيجي للمعركة. فإيران دولة شاسعة المساحة، تبلغ مساحتها نحو 1.648 مليون كيلومتر مربع، وتضم سلسلة جبال زاغروس التي تمتد في مساحة كبيرة من البلاد، إضافة إلى سلسلة جبال ألبرز، التي تمتد من الغرب إلى الشرق لتفصل الهضبة الإيرانية عن وسط آسيا، فضلاً عن عدد كبير من الجبال والوديان التي تجعل من الصعب على قوات غازية أن تناور بسهولة في طبيعة جغرافية معقدة كإيران.

وبناءً على ذلك، فإن أي قوة برية تنزل في المناطق الساحلية ستجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما البقاء في المنطقة الساحلية التي تسيطر عليها، ما يجعلها فريسة سهلة للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ويحولها من قوات غازية إلى رهائن بأيدي إيران، وإما محاولة إعطاء عمق للمنطقة الساحلية التي تحتلها عبر التقدم إلى العمق الإيراني.

وهنا قد تستغل إيران هذا الأمر لتعلن التعبئة العامة، بما يضع القوات الأميركية أمام مأزق حقيقي. فبخلاف العراق، الذي جرى غزوه بسهولة عام 2003 بقوات أميركية قوامها نحو 160 ألف جندي، فإن إيران ليست منهكة كما كان حال العراق.

وخلافاً لوضع العراق العسكري، تمتلك إيران منظومات سلاح متطورة وفعالة، عدا عن تمتعها بطبيعة جغرافية معقدة، وليست سهلية مفتوحة كما هي حال العراق، إضافة إلى حجمها السكاني الضخم، إذ يبلغ عدد سكان إيران أكثر من 92 مليون نسمة.

وضعية مضيق هرمز

حتى نفهم أي عملية عسكرية أميركية، يجب علينا أن نعود إلى صلب هذه العملية، وهو تأمين مضيق هرمز.

ويُعتبر هذا المضيق أحد أهم "الاختناقات" الجيوسياسية في الاقتصاد العالمي، حيث يمكن لأي قوة تسيطر عليه أن تتحكم، بدرجة كبيرة، في أمن الطاقة العالمي، عبر تحكمها في حركة مرور ناقلات النفط والغاز، علماً أن نحو 20% من النفط العالمي يمر عبر هذا المضيق.

وبالتالي، فإن الهدف الاستراتيجي المتوقع من أي عملية عسكرية أميركية يكمن في تأمين الهيمنة على مضيق هرمز، ومنع إيران من تحدي الهيمنة الأميركية عليه.

إلا أن المشكلة تكمن في أن الساحل الشمالي للمضيق إيراني، فيما يقع الساحل الجنوبي ضمن سلطنة عُمان، ويبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 39 كيلومتراً. أما حركة الملاحة، فتجري عبر مسربين، عرض كل منهما ميلان بحريان، يفصل بينهما نطاق عازل بعرض ميلين بحريين.

ومن هنا، فإنه حتى لو تمكنت الولايات المتحدة من القيام بإنزال بري على السواحل الجنوبية لإيران، يبقى بإمكان الصواريخ والمسيّرات والقوارب الإيرانية استهداف هذه المسارات البحرية الضيقة وتعطيلها، بما يجهض الهدف الذي تبتغيه واشنطن من وراء الحملة البرية المزمعة.

ومن هنا، فإن التحدي الأميركي لا يكمن فقط في إنجاح الإنزال البري، ودونه صعوبات كما أسلفنا، بل أيضاً في ضمان تحقيق الهدف الاستراتيجي القاضي بالهيمنة الكلية على مضيق هرمز، وهو أمر صعب، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل ما ذكرناه آنفاً.

وهذا، بحد ذاته، قد يجرّ الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة، تتحول فيها قواتها إلى أهداف ثابتة سهلة الصيد، تماماً كما حصل قبل أكثر من مئة عام خلال الحرب العالمية الأولى في منطقة غاليبولي في تركيا، حين تحول الإنزال البحري البريطاني إلى أكبر كارثة تعرضت لها الإمبراطورية البريطانية، وهي الكارثة التي أطاحت وزير البحرية آنذاك ونستون تشرشل.

استنتاجات

بناءً على ما تقدم، تقف الولايات المتحدة أمام معضلة حقيقية في حال اختارت شنّ حملة برية. فهي ستكون أمام خيار صعب جداً ومكلف، وهو التقدم نحو طهران وإسقاط النظام، وهو أمر يُعد شبه مستحيل في ظل الإمكانات التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية.

وفي حال اختارت واشنطن تأمين منطقة ساحلية في جنوبي إيران، فإنها ستكون هدفاً سهلاً للقوات الإيرانية التي تحترف أساليب الحروب اللامتماثلة، والتي يمكنها استهداف القواعد الأميركية وضرب خطوط إمدادها عبر استخدام الصواريخ والمسيّرات، إضافة إلى شن هجمات على السفن والمنشآت البحرية. كما يمكن أن يتوسع نطاق الصراع إقليمياً، ليشمل إغلاق باب المندب وقطع خطوط الإنترنت الدولية، بما يدفع إلى أزمة اقتصادية عالمية، سواء على صعيد إمدادات الطاقة أم على صعيد الاقتصاد الرقمي.

ويبقى أن ننتظر ما الذي سيقوم به دونالد ترامب.