هل أدخل الاتفاق الأميركي الإيراني "إسرائيل" في مرحلة المحاسبة السياسية؟

ماذا حققت "إسرائيل" بعد كل هذا الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي خلال الحرب مع إيران وحزب الله؟

0:00
  • من نجح في فرض شروطه على الطاولة السياسية؟
    من نجح في فرض شروطه على الطاولة السياسية؟

هناك قاعدة في العلوم السياسية تقول، إنّ الحروب التي تحدث بين دول كبرى لا تقاس نتائجها بحجم النار التي أطلقت أثناء الحرب أو بعدد الأهداف التي تمّ ضربها، بل بالواقع السياسي الذي يتشكّل بعد توقّف الحرب، وحين تنتهي بتفاهمات دولية تعيد تثبيت قواعد اللعبة الإقليمية، يصبح السؤال الأهمّ، من نجح في فرض شروطه على الطاولة السياسية، ومن اضطر إلى التراجع عن أهدافه المعلنة؟

في قراءة نصّ الاتفاق الأميركي الإيراني يبدو لي أنّ ما جرى توقيعه أبعد من مجرّد اتفاق لاحتواء مواجهة عسكرية، فالمضامين جاءت واضحة وأكدت سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وهذا يعني عملياً أنّ "إسرائيل" تجد نفسها أمام استحقاق الانسحاب من الأراضي التي احتلتها سواء رفضت أم رضيت، بعد أن أخفقت في تحقيق الأهداف التي رفعتها منذ بداية المواجهة، سواء فيما يتعلّق بالقضاء على حزب الله أو بإحداث تغيير جوهري في موقع إيران ودورها الإقليمي وعلاقتها بحلفائها في المنطقة. 

هذا التحوّل لا يقتصر أثره على الساحة اللبنانية أو على طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، بل يمتد مباشرة إلى الداخل الإسرائيلي، حيث تبدأ مرحلة تقييم النتائج بعيداً عن شعارات الحرب وأهدافها المعلنة، خاصة أنّ كثيراً ما نسمع خطابات الانتصار التي لا رصيد لها على أرض الواقع، قبل أن تكشف التسويات السياسية اللاحقة من نجح في فرض إرادته ومن اضطر إلى التكيّف مع واقع لم يكن يريده.

لو عدنا قليلاً في الذاكرة إلى الوراء ومنذ بداية المواجهة العسكرية في لبنان وحتى مع إيران، لم تكن "إسرائيل" تخوض معركة عسكرية فحسب، بل كانت تخوض معركة على شكل المنطقة ومستقبلها، فقد سعت إلى فرض معادلة جديدة تقوم على إضعاف محور المقاومة، وتقليص النفوذ الإيراني، وإعادة إنتاج قوة الردع الإسرائيلية بوصفها المرجعية الوحيدة للأمن الإقليمي،غير أنّ المشهد الذي بدأ يتشكّل بعد الاتفاق يوحي بأنّ المنطقة تتجه نحو نتيجة مختلفة تماماً.

فإذا كانت الحرب قد بدأت تحت عنوان تغيير الواقع لشرق أوسط جديد، فإنّ الاتفاق الأميركي الإيراني يبدو أقرب إلى تثبيت حقائق كانت "إسرائيل" تسعى إلى تجاوزها، حزب الله لم يختفِ من المعادلة، وإيران لم تُقصَ من المشهد الإقليمي ولم يسقط النظام فيها، ولبنان عاد إلى واجهة النقاش بوصفه دولة ذات سيادة لا مجرّد ساحة مفتوحة للانتهاكات، أما "إسرائيل"، فتجد نفسها أمام استحقاق سياسي لا يقلّ صعوبة عن استحقاقات الميدان.

الصدمة الأكبر بالنسبة لـ "تل أبيب" لا تكمن فقط في مضمون الاتفاق، بل في فلسفته السياسية، فحكومة نتنياهو كانت تراهن على أن تبقى لغة الحرب هي اللغة الوحيدة التي تتعامل بها واشنطن مع إيران، وأن تستمر الضغوط العسكرية والتصعيد المتدرّج باعتبارهما المسار الطبيعي للعلاقة بين الطرفين، وكانت تعتقد أنّ أيّ تسوية مع طهران يجب أن تمرّ عبر شروط إسرائيلية أو على الأقلّ أن تراعي أولوياتها الأمنية والسياسية.

لكنّ الصدمة كانت انتقال الولايات المتحدة من منطق المواجهة إلى منطق التفاهم وهذا شكّل ضربة سياسية ومعنوية لنتنياهو وحكومته وشاهدنا تصريحات كثيرة في هذا السياق. 

الاتفاق لم يعكس فقط اختلافاً في الأدوات والتوجّهات، بل كشف اختلافاً أعمق في تقدير المصالح والغايات الأميركية بعد إدراكها أنّ الخيارات العسكرية استنفدت ولا بدّ من الحوار ، وبينما تنظر واشنطن إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره أولوية استراتيجية، تبدو حكومة نتنياهو أكثر ارتباطاً باستمرار حالة الاشتباك والحرب باعتبارها البيئة السياسية التي تمنحها القدرة على البقاء والمناورة حتى استحقاق الانتخابات المقبلة على الأقل. 

لذلك، فإنّ ما كشفه الاتفاق يتجاوز مجرّد تباين عابر بين حليفين ، بل يسلّط الضوء على فجوة قائمة آخذة في الاتساع بين الرؤية الأميركية لإدارة المنطقة والرؤية التي تتبنّاها حكومة نتنياهو، وهي بالمناسبة فجوة لم تعد مخفية خلف بيانات الدعم التقليدية أو الشعارات الدبلوماسية المعتادة، بل أصبحت أكثر وضوحاً في المواقف السياسية والإعلامية داخل الولايات المتحدة نفسها، وقد عبّر نائب الرئيس الأميركي عن جزء مهم منها في تصريحاته الأخيرة. 

أما في "إسرائيل"، فإنّ المشكلة باتت بعد الاتفاق أكثر تعقيداً، فالحروب الطويلة تقاس في النهاية بنتائجها لا بشعاراتها واستعراضاتها، وبما أنها شنّت تحت أهداف واضحة ومعلنة، فإنّ أيّ تسوية لا تنسجم مع تلك الأهداف ستتحوّل تلقائياً إلى مادة للمساءلة السياسية. 

ولعلّه السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق وسيظلّ يلاحق حكومة نتنياهو هو، ماذا حقّقت "إسرائيل" بعد كلّ هذا الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسياسي خلال الحرب مع إيران وحزب الله؟

فإذا كانت الحرب قد تمّ تسويقها للناخب الإسرائيلي باعتبارها فرصة لإعادة رسم البيئة الاستراتيجية الأمنية المحيطة بـ "إسرائيل"، فإنّ التفاهمات التي تتبلور اليوم توحي بأنّ "إسرائيل" لم تتمكّن من فرض رؤيتها على الإقليم، وأنّ القوة العسكرية، رغم حجمها الهائل، لم تنجح في إنتاج التحوّلات السياسية التي وعدت بها حكومة نتنياهو وقيادته العسكرية والأمنية على وجه الخصوص.

هنا تحديداً تبدأ المعضلة الحقيقية لنتنياهو الذي بنى جزءاً كبيراً من مشروعه السياسي على صورة القائد القادر من وجهة نظر إسرائيلية على إنهاء التهديدات الوجودية وإخضاع حزب الله وإيران بالقوة العسكرية، يجد نفسه أمام واقع إقليمي لم يصغ وفق التصوّرات التي طرحها، بل إنّ التطوّرات الأخيرة توحي بأنّ المنطقة تتجه نحو ترتيبات سياسية ساهمت فيها قوى كانت "إسرائيل" تسعى إلى عزلها أو تحجيمها.

وفي هذا السياق، فإنّ الاتفاق الأميركي الإيراني لا يمثّل نهاية جولة من الصراع فحسب، بل يمثّل بداية مرحلة جديدة من الأسئلة داخل "إسرائيل" نفسها مع قرب البازار الانتخابي، أسئلة تتعلّق بجدوى الحرب وتداعياتها، وحدود القوة، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة بعد الاتفاق، وقدرة نتنياهو وشركاؤه على قراءة التحوّلات العميقة التي تشهدها المنطقة.

 أرادت "إسرائيل" على لسان نتنياهو أن تجعل الحرب مدخلاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لكنها تجد نفسها أمام نتيجة معاكسة تماماً، شرق أوسط يعاد تشكيله عبر التفاهمات السياسية لا عبر الحسم العسكري بالقوة، وعبر التوازنات لا عبر الإملاءات والإخضاع، وعند هذه النقطة، لن يكون التحدّي الأكبر أمام "إسرائيل" هو ما جرى في ساحات الحرب على الجبهات المختلفة، بل ما ستواجهه داخل بيتها السياسي من أسئلة صعبة حول جدوى الحرب التي بدأت بأهداف كبرى، وانتهت إلى واقع مختلف تماماً عما أُريد لها أن تحقّقه، وكلما اقترب الاستحقاق الانتخابي ستشتعل البيئة السياسية أكثر فأكثر نحو المحاسبة السياسية. 

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.