هرمز وحرب الموانئ
تغليب المصالح الاستراتيجية ضروري جداً لبناء تفاهم المتضررين الكبار (إيران ومصر وتركيا) بمستويات مختلفة بسبب تهميش مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وكذلك الموانئ التركية.
-
تغليب المصالح الاستراتيجية، ضروري جداً لبناء تفاهم المتضررين الكبار.
قبل الحديث عن مضيق هرمز وأهميته في حرب الموانئ بل في الحرب على الهارت لاند الجنوبي، لا بد من مقدمتين حول أبرز الموانئ اليوم وكيف تقارب في الفقه والقانون الدولي.
أولاً، في ما يخص الموانئ والقنوات البحرية، بالإضافة إلى مضيق هرمز، فمن أبرز الموانئ والممرات البحرية الدولية، الطبيعية والصناعية، التي كانت ولا تزال ساحة وعنواناً للصراعات الدولية:
- قناة السويس (الصناعية)، التي غيّرت خط التجارة والملاحة الدولية منذ شقها عام 1869 وأنهت التداعيات التي رافقت اكتشاف رأس الرجاء الصالح وصعود الإمبراطورية البرتغالية جنوب العالم.
- مضيق باب المندب، عقدة المواصلات البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.
- قناة بنما (الصناعية)، وهي ممر بحري بين البحر الكاريبي والمحيط الهادئ كما بين أميركا الشمالية والجنوبية.
- مضائق البوسفور والدردنيل التركية التي تربط البحر الأسود مع المتوسط، وكانت من أسباب الحرب على المياه الدافئة بين روسيا وجيرانها.
- مضيق ملقا الذي يتحكم ببوابات آسيا مع أرخبيلها الجنوبي وبالتجارة مع الصين واليابان.
- جبل طارق الذي يربط البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.
- مضيق دوفر بين فرنسا وإنكلترا.
وثمة موانئ وممرات حديثة وأخرى برسم الاستحداث مثل:
- جبل علي في الإمارات.
- جوادر، استثمار صيني – باكستاني، بالقرب من مضيق هرمز ويعدّ منافساً لجبل علي.
- ميناء حيفا الفلسطيني المحتل من قبل العدو الصهيوني، والذي شكل حلقة مهمة على طريق شركة الهند الشرقية وحاول العدو تسويقه كميناء بديل عن الموانئ السورية واللبنانية، وعن هرمز وباب المندب، وربطه بالمشاريع الإماراتية، حتى أن البعض ربط بين صعود هذا الميناء وبين تفجير ميناء بيروت.
- الاهتمامات الصينية واستثماراتها في موانئ متنافسة بينها ميناء حيفا، والموانئ التركية (كومبورت) قرب اسطنبول، واليونانية (بيرايوس)، وتدار هذه الموانئ من قبل شركة الموانئ الصينية (شنغهاي وكوسكو).
- مشروع قناة روسية عبر المحيط المتجمد الشمالي تحتاج إلى كاسحات جليد، وتتريث موسكو في تنشيطها خدمة لقناة السويس المصرية (موقف يعود إلى الزمن الناصري).
ثانياً، وحول الوضع القانوني الدولي لهذه الموانئ لا يزال النقاش يدور بين اتجاهات متباينة عكستها النقاشات التي جرت خلال مؤتمرات قانون البحار، 1958 و 1960 و1982، وانقسمت بين الدعوة إلى الحرية الكاملة للملاحة وبين حقوق الدول المعنية، كما بين نظام المرور البري الذي يخدم الدول ذات الصلة المباشرة، وبين نظام المرور العابر الذي يخدم مصالح المتروبولات الرأسمالية التي ترفض التمييز بين السفن التجارية والسفن العسكرية وترفض أي رقابة عليها.
أما بالنسبة إلى موقع هرمز في القانون الدولي، فهو يفصل بين إقليمين لدولتين متقابلتين، هما إيران وسلطنة عمان وتعد مياههما مياهاً إقليمية تعطيهما صلاحيات واسعة، بينها حقهما في مطالبة السفن المختلفة بالتقيد بتعليمات المرور الصادرة عنهما وضرورة أخذ إذن خاص بالنسبة إلى السفن الحربية.
هرمز وحرب الموانئ
يعد مضيق هرمز من أهم الموانئ العالمية بالنظر إلى قيمته الاستراتيجية وموقعه في الجيوبولوتيك الدولي وتحديداً ما يعرف بقلب العالم أو الهارت لاند الجنوبي، ومن حيث موقعه أيضاً في حركة النقل البحري ولا سيما النفط والغاز (ثلث التجارة العالمية).
كما تختلف الروايات حول اسمه وجذور ذلك: هرمز، هرمس، هيرموس أو هيرموز، هارمز، هارمس، الهرمسية، وهل (الهاء في بداية الكلمة) هي بمنزلة ال تعريف كما في الآرامية والعديد من اشتقاقاتها الشرقية، وكذلك دلالته كرسول للأرباب الوثنية، أو بمعنى البطل في الثقافة الرومانية، هرقل الذي أطلق أيضاً على اسم أحد أباطرة روما، وكذلك على جبل طارق (أعمدة هرقل).
لهذا المضيق تاريخ معروف على طريق التجارة الدولية، سواء القادمة من المحيط الهندي، طريق التوابل والبخور، أو القادمة من وادي الرافدين أو صحاري آسيا الوسطى وإيران والهند، وبينها طريق الحرير الصيني، ما أدى إلى استهدافه واحتلاله من كل القوى الغازية على التوالي، الاستعمار البرتغالي ثم الهولندي ثم البريطاني والمحاولات الأميركية الأخيرة، وهو ما يعني ويؤكد أن لأهميته الراهنة تاريخاً قديماً وحاسماً في حركة الأساطيل البحرية والتجارة العالمية، وبالتالي في صعود وانحلال الإمبراطوريات والقوى القديمة والحديثة، كما ارتبطت به وبتاريخه وأهميته الشبكة الواسعة من الطرق والموانئ المعروفة، مثل خليج البصرة وموانئ إيران والباكستان وسلطنة عمان والخليج وباب المندب، وتشعبات ذلك شمالاً عبر موانئ البحر الأحمر ثم بلاد الشام ثم السويس بعد شقها، وعبر المحيط الهندي في الاتجاه الأفريقي بدءاً من رأس الرجاء الصالح.
مع التحولات العالمية المتسارعة وانتشار العولمة، بدأت الموانئ الصغيرة والمتوسطة بالتحول إلى شركات كبرى تنافس القطاعات الرأسمالية الأخرى وتتفوّق عليها أحياناً، وبدأ التنافس بينها يتحوّل إلى صراعات وتجاذبات سياسية، كما هو ملاحظ من تداعيات ذلك على شركات موانئ بحرية في دبي وشنغهاي ونيويورك ولندن وتورطها في صراعات الإقليم، مثل السودان والصومال وليبيا وحضرموت وعدن وكذلك الموانئ السورية واللبنانية، بل أن المصالح المستجدة في صراعات الموانئ أسهمت في انشقاقات مسلحة بين حلفاء تقليديين مثل الصراع بين شركة موانئ دبي ومشروع نيوم السعودي الضخم على البحر الأحمر وكذلك بين ميناء جوادر (في الساحل الباكستاني الغربي باستثمار صيني) وبين الموانئ المذكورة، والصراع حول حضرموت والطريق البري إلى المكلا.
ولعل الأهم في كل ما سبق، هو موقع تلك الموانئ والحروب عليها في حرب قلب العالم (أو الهارت لاند) الجنوبي والذي أشرنا إليه أكثر من مرة في مقالات سابقة، ففكرة الهارت لاند تنسب إلى قراءات المفكر الاستراتيجي البريطاني ماكندر، الذي ذهب إلى أن مصير العالم والإمبراطوريات البرية والبحرية يتحدد بالسيطرة على قلب العالم الأوراسي الذي تتحكم فيه روسيا، ثم أضاف قلباً آخر إلى العالم هو الهارت لاند الشرق أوسطي (المنطقة العربية وإيران وتركيا).
ولعله قدم هذه الإضافة بسبب تداعيات الحرب العالمية الثانية، مثل زرع الكيان الصهيوني، والاحتياط الكبير للنفط، ونعرف أن التداعيات التالية ضاعفت من أهمية هذه الإضافة، ولا سيما ما شهدته مصر وإيران وتركيا من تحولات وأحداث وإخضاعها في خمسينيات القرن الماضي كبوابات ومفاتيح للسيطرة على الهارت لاند الجنوبي، من خلال السيطرة على قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب ومضائق البوسفور والدردنيل.
وإذا كانت الثورة الإيرانية الأولى ضد الشاه مطلع الخسمينيات قد فشلت وسقطت إيران تحت السيطرة الأميركية ومثلها تركيا بعد سيطرة عدنان مدريس على الحكم (إسلام أطلسي مع علاقات قوية بالناتو والبنك الدولي)، فقد تمكنت مصر بقيادة عبد الناصر وثورة يوليو 1952 من خلط الأوراق مجدداً في الهارت لاند الجنوبي ابتداء من تأميم شركة قناة السويس البريطانية واستعادة مصر للسيادة على القناة.
مع نجاح الثورة المضادة برئاسة السادات بعد وفاة عبد الناصر وعودة السويس وباب المندب إلى السيطرة الأميركية، كان من أبرز تداعيات الثورة الإيرانية 1979 والإطاحة بنظام الشاه العميل الفاسد، إعادة الصراع مجدداً وخلخلة السيطرة الأميركية على مفاتيح الهارت لاند الجنوبي وبينها مضيق هرمز.
ومما له دلالة كبيرة في الخطابات الإيرانية حول المضيق إدراكهم العميق لأهميته على صعيد الصراع الإقليمي والدولي بما يتعدى المقاربات الشائعة المتداولة، فهو ليس مجرد ممر بحري لناقلات النفط والتجارة، بل عقدة استراتيجية تتصل بالأمن الاستراتيجي ليس لإيران وحدها بل لعموم المنطقة كما هو مفترض، وتقرر مصير الهارت لاند الجنوبي برمته وتحد من الهيمنة الإمبريالية على العالم.
وسنرى أن المشاريع الكبرى المطروحة اليوم (سكك حديدية، أنابيب، مطارات عملاقة، وغيرها) نحو الشمال كبديل لمضيق هرمز، تستهدف باب المندب وقناة السويس والموانئ التركية أيضاً، كما تخلط الأوراق في ما يخص طريق الحرير والحزام الصيني، حيث لا تخفي المشاريع المذكورة حماسها للتشبيك مع مشروع طريق الهند الشرقية الجديد، كبديل أو منافس لطريق الحرير الصيني، علماً بأن المشروع الهندي وموقع ميناء حيفا المحتل فيه، ينطوي على تعقيدات كبيرة بالنظر إلى تشابكاته مع مصالح متناقضة، مثل العلاقات الهندية- الروسية.
صحيح أن المشاريع البديلة المذكورة ليست سهلة وتحتاج إلى وقت طويل لتنفيذها، ولكن طرحها وتنظيم لقاءات حولها، خطير بحد ذاته أياً كانت الاحتمالات التي تناقشها، هل تبدأ من محميات النفط والغاز المسال إلى الأراضي الأردنية ثم إلى ميناء حيفا المحتل، أم إلى الموانئ السورية مع جائزة ترضية نحو تركيا، علماً بأن ربط البحر الأحمر بقناة السويس هو الأقل احتمالاً انطلاقاً من رؤية أميركية – صهيونية – نفطية تتحسس رأسها من أي عاصمة كبرى مثل القاهرة، طهران، وأنقرة، لما تمثله هذه العواصم من أهمية في قلب الهارت لاند الجنوبي وذلك مقابل توسيع المروحة أمام المثلث النفطي – الصهيوني – الأميركي.
بالمقابل، فإن تغليب المصالح الاستراتيجية، ضروري جداً لبناء تفاهم المتضررين الكبار (إيران ومصر وتركيا) بمستويات مختلفة بسبب تهميش مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وكذلك الموانئ التركية، ما يرجح تفاهمات محتملة وربما التوصل إلى توافقات وتفاهمات بين العواصم الثلاث.