موانئ لبنان في قلب معركة الممرات الكبرى
يؤدي الدور الفرنسي في إدخال ميناءي بيروت وطرابلس إلى شبكة موانئ الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) وظيفة تتجاوز مساعدة لبنان على تحديث بنيته البحرية.
-
الدور الفرنسي: من التعاون بين بيروت ومرسيليا إلى شبكة الموانئ
في العام 300 ق.م تقريباً، تذكر المصادر التاريخية أن الملك سلوقس الأول أسس مدينة ومرفأ «سلوقية بييريا»، وذلك بُعيد انتصاره في معركة إبسوس الشهيرة عام 301 ق.م. وكان الهدف من إنشائه في ذلك التاريخ تحديداً هو جعل المرفأ عاصمة وبوابة بحرية رئيسية لإمبراطوريته الناشئة، قبل أن ينقل العاصمة الإدارية لاحقاً إلى مدينة أنطاكيا بالداخل. لكن نتيجة الصراعات والضعف الداخلي، لم يتمكن السلوقيون من استغلاله كلياً، وظلت المنطقة مضطربة، حتى جاء الرومان، وقاموا بالاستيلاء على هذا المرفأ المجهز، وطوّروا قناة الميناء (المعروفة بـ قناة فيسباسيان)، وجعلوه القاعدة البحرية والتجارية الأولى للأسطول الروماني للسيطرة على تجارة الشرق الأوسط وربط الساحل الشامي بـ «أنطاكيا» وروما.
إن المثال التاريخي السابق يتشابه بدرجة كبيرة مع انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى «نادي موانئ IMEC»، وتأتي هذه الخطوة في ظل واقع مأزوم يعاني منه المرفآن؛ فمرفأ بيروت ما زال يلملم جراحه ويعاني من تبعات تفجير آب/أغسطس 2020 وتراجع قدراته التشغيلية والهيكلية، بينما يفتقر مرفأ طرابلس للبنية التحتية واللوجستية العملاقة التي تؤهله لاستقبال خطوط الترانزيت العالمية الشاملة.
يؤدي الدور الفرنسي في إدخال ميناءي بيروت وطرابلس إلى شبكة موانئ الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) وظيفة تتجاوز مساعدة لبنان على تحديث بنيته البحرية. فباريس تسعى إلى تثبيت موقعها في شبكات التجارة بشرق المتوسط، وربط الموانئ اللبنانية بمنظومتها البحرية واللوجستية، في وقت تتزايد فيه أهمية إعادة تشكيل طرق النقل بين أوروبا والمشرق والخليج. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه المشروعات، حتى إذا حققت أهدافها الفرنسية، قد تمنح تركيا مكاسب استراتيجية أوسع من تلك التي تحصل عليها فرنسا نفسها.
الدور الفرنسي: من التعاون بين بيروت ومرسيليا إلى شبكة الموانئ
في 21 من تموز/ يوليو 2026، جُدد اتفاق التعاون بين ميناءي مرسيليا–فوس وبيروت لمدة ثلاث سنوات، بحضور وزير النقل الفرنسي فيليب تابارّو ووزير الأشغال العامة والنقل اللبناني فايز رسامني. ويستهدف الاتفاق تطوير التعاون التشغيلي والتقني والتجاري، ودعم الابتكار والتحول في مجال الطاقة، وفتح مجالات جديدة للتبادل بين شرق المتوسط وغربه. وكان التعاون قد بدأ باتفاق عام 2022، في سياق دعم إعادة بناء ميناء بيروت بعد انفجار آب/ أغسطس 2020.
الواقع أن مجموعة CMA CGM الفرنسية، التي تتمتع بحضور قوي في قطاع النقل البحري اللبناني، تطمح للقيام بدور مهم في توسيع حركة البضائع بين الموانئ اللبنانية والأوروبية. وتوفر خدماتها البحرية بالفعل اتصالًا منتظمًا بين طرابلس وموانئ متوسطية، من بينها مرسيليا وموانئ إيطالية ومالطا ومرسين وإسكندرونة، فضلًا عن بيروت وموانئ مصرية. وبذلك تتقاطع الشبكة الفرنسية مع الموانئ التركية في حركة تجارية قائمة، حتى قبل اكتمال مشروعات الربط البري الإقليمية.
وفي الـ6 من تشرين الأول/أكتوبر 2026، انضم ميناءا بيروت وطرابلس إلى نادي موانئ IMEC في نيودلهي. وقد تطورت هذه المبادرة، التي أطلقها ميناء مرسيليا–فوس وشركة Adani Ports، إلى منصة تعاون تجمع جهات مينائية واقتصادية ومؤسسية مهتمة بالممر. ويتيح الانضمام للبنان الدخول في شبكة تتبادل الخبرات والمعلومات وتبحث مشروعات لتحسين الاتصال وسلاسل الإمداد.
تستهدف فرنسا، من خلال هذه الخطوات، تثبيت حضورها في البنية اللوجستية لشرق المتوسط، وربط الموانئ اللبنانية بالشبكات الأوروبية، والاستفادة من نمو التجارة وإعادة الإعمار في لبنان وسوريا. لكن المسألة لا تنحصر في الجهة التي تدير المحطة البحرية أو تموّل تحديثها؛ إذ تتحدد القيمة الاستراتيجية للميناء أيضًا بالأسواق التي يخدمها، والطرق التي تربطه بعمقه البري، والجهات التي تستطيع التأثير في تدفقات البضائع منه وإليه. وهنا تظهر تركيا بوصفها الطرف الذي يمكن أن يستفيد من تطور الموانئ اللبنانية حتى عندما لا تكون هي صاحبة المبادرة أو المستفيد المباشر من عقودها.
شبح تركيا في لبنان: من الروابط الاجتماعية إلى المجال اللوجستي
تملك تركيا قاعدة نفوذ اجتماعي وسياسي متراكمة في شمال لبنان، ولا سيما في طرابلس وعكار، كما تمتد علاقاتها إلى قطاعات من الوسط السني في بيروت. يعتمد هذا الحضور، الذي تم بهدوء كبير ومن دون ضجيج، على تداخل المساعدات والمؤسسات الثقافية والتعليمية والعلاقات التاريخية والتجارية. وقد تناولت دراسة لمعهد كارنيغي هذا التوسع في النفوذ التركي على المستوى الشعبي، مشيرة إلى دور مؤسسات تركية في تنفيذ مشروعات خدمية وإنسانية في طرابلس وعكار وصيدا، وإلى ارتباط تنامي الجاذبية التركية لدى قطاعات سنية بتراجع الحضور السعودي في لبنان خلال مراحل سابقة. (كارنيغي، «وريث العثمانيين»).
تستفيد أنقرة كذلك من الروابط التاريخية مع جماعات لبنانية ذات أصول تركية أو تركمانية، ومن وجود قرى ومناطق احتفظت بعلاقات ثقافية ولغوية مع تركيا. وقد أشار تقرير نشرته The Beiruter في أيلول/ سبتمبر 2026 إلى تجدد الحضور التركي في شمال لبنان، وكيف تداخلت الخدمات والمساعدات والاتصالات بالمؤسسات التركية مع روابط تاريخية أقدم. وتُضاف إلى ذلك سياسة منح الجنسية التركية لبعض اللبنانيين الذين يثبتون أصولهم التركية أو العثمانية. (The Beiruter، «نهضة تركية في شمال لبنان»).
تبرز أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بميناء طرابلس، الذي يقع في منطقة يمكن أن تتحول إلى بوابة بحرية لعمق سوري، ثم إلى نقطة اتصال بشبكات نقل أوسع. فتركيا لا تحتاج إلى امتلاك الميناء أو السيطرة عليه عسكريًا كي تستفيد من تطويره؛ يكفي أن تكون قادرة على التأثير في جانب مهم من طرقه وأسواقه البرية، وأن تمتلك شركاتها ومؤسساتها فرصًا للمشاركة في تشغيله وتطويره. وقد دعمت وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) تطوير مرافق في ميناء طرابلس، فيما يعزز خط مرسين–طرابلس البحري حركة التجارة بين البلدين. وهكذا ينتقل النفوذ التركي في شمال لبنان من المجال الاجتماعي والخدمي إلى مجال البنية التحتية واللوجستيات، حيث يمكن تحويل النفوذ المتراكم إلى مصالح اقتصادية أكثر رسوخًا.
من طرابلس إلى سوريا والعراق والسعودية: شبكة تتجاوز الحدود اللبنانية
لا يمكن فهم الاهتمام التركي بطرابلس بمعزل عن التحولات في سوريا ومشروعات الربط مع العراق والخليج. فتركيا تعمل على تعزيز موقعها في إعادة تشكيل النقل الإقليمي، مستفيدة من حدودها مع سوريا، ومن علاقاتها بالحكومة السورية الجديدة، ومن موقعها كبوابة برية إلى أوروبا.
في أيار/ مايو 2026، أطلقت الحكومة اللبنانية إجراءات لإعادة تأهيل خط السكك الحديد بين طرابلس ومنطقة العبودية عند الحدود السورية. ويكتسب هذا الربط أهميته من إمكان وصل طرابلس بالداخل السوري، وصولًا إلى حمص ومناطق أخرى، إذا توفرت التمويلات والاتفاقات اللازمة. وفي الاتجاه الأوسع، أعلنت تركيا والسعودية في حزيران/ يونيو 2026 تعاونًا لوجستيًا وخططًا لربط البلدين بالسكك الحديد عبر سوريا والأردن (طريق الحجاز-إستنبول). ووفق ما نقلته رويترز عن وزير النقل التركي، فإن المشروع يستهدف وصل تركيا بالسعودية خلال السنوات المقبلة، وهو يعكس اتجاهًا استراتيجيًا واضحًا نحو وصل الأسواق الخليجية بالشبكة التركية ومنها إلى أوروبا. وفي هذا السياق، فإن ميناء طرابلس يمثل حلقة إضافية ضمن هذا الطريق، وبالتالي يمتلك دوراً متعدد المستويات: اتصال بحري بمرسين، وامتداد بري إلى سوريا، والالتحاق بشبكة تربط تركيا بالأردن والسعودية. كما أن تطوير ميناء بيروت وربطه بمرسيليا يتيحان اتصالًا أوروبيًا موازياً.
تحييد حيفا والدور الصهيوني
كان من المُفترض، في التصور الأصلي لممر IMEC، أن تنتقل البضائع من الهند إلى الخليج، ثم عبر السعودية والأردن برًا إلى ميناء حيفا، ومنها بحرًا إلى أوروبا. لكن هذا المسار، الذي كان يعتمد على وصلات سككية وبنية تحتية واتفاقات عبور، لم يكتمل نتيجة الحرب الدائرة منذ الـ 7 من أكتوبر 2023، وبالتالي فإن تشغيله يتأثر بالحرب الإقليمية والمخاطر الأمنية. كما أشار تقرير نشرته LBCI في الـ 7 من تشرين الأول/أكتوبر 2026 إلى أن المسار نحو حيفا لا يزال يواجه تحديات بنيوية، منها الحاجة إلى وصلات سكك حديد وتكاليف التنفيذ. (LBCI، 7 أكتوبر 2026).
تزيد الحرب بين إيران والولايات المتحدة، والمواجهة المتصلة بالسعودية وأنصار الله، من صعوبة التعامل مع البحر الأحمر باعتباره طريقًا مضمونًا للتجارة. وصعوبة ضمان الاستقرار الأمني للمسار البري. وبالتالي فحتى إذا بقيت الموانئ الأوروبية جاهزة لاستقبال البضائع، فإن ذلك لا يكفي إذا تعذّر نقلها بانتظام عبر المسارين البري والبحري الذين يغذيان موانئ الكيان الصهيوني. وعليه، فإن الموانئ اليونانية والقبرصية التي كان يُفترض أن تستفيد من التدفقات البحرية المرتبطة بالممر لا يمكن اعتبارها مستفيدة تلقائيًا ما دام المسار المؤدي إلى حيفا غير مكتمل ومعطلاً بسبب الحرب.
هذه المعطيات لا تعني بأي حال أن الموانئ اليونانية والقبرصية ستُستبعد نهائيًا من التجارة الأوروبية أو المتوسطية؛ بل إن المسألة تتعلق بتراجع الضمانات التي افترضها التصور الأصلي للممر، وبظهور بدائل قد تعيد توزيع حركة البضائع. ومن هنا تكتسب الموانئ اللبنانية أهمية إضافية: فهي قد تستقبل تدفقات تجارية من شبكات أخرى، وتوفر اتصالًا بالأسواق التركية، من دون انتظار اكتمال المسار عبر حيفا.
كيف يمكن لتركيا أن تستفيد من المشروعات الفرنسية؟
تتمثل النقطة المركزية في أن تطوير الموانئ اللبنانية لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي تتوقعها فرنسا. فباريس تسعى إلى توسيع اتصال بيروت وطرابلس بأوروبا، لكن تركيا قد تكون أقدر على استثمار هذا التطوير إذا تمكنت من ربط الموانئ بعمقها البري عبر سوريا، ثم بشبكات النقل المتجهة إلى العراق والأردن والسعودية. ما سيؤدي إلى تهميش وضع ميناء حيفا بوصفه نقطة العبور الأساسية بين الخليج وأوروبا في مشروع الممر، عبر توفير مسارات بديلة. وإذا نجحت تركيا في ترسيخ دورها في هذه الشبكة، فإن الموانئ اليونانية والقبرصية ستجد نفسها مضطرة إلى مراعاة الوزن التركي المتزايد في النقل الإقليمي، حتى إن استمرت في استقبال البضائع ولم تُستبعد من التجارة.
من ناحية أخرى فإن هذا السيناريو سيفرض على باريس التعامل مع أنقرة بوصفها شريكًا لا يمكن تجاوزه، بما في ذلك في ملفات إقليمية أخرى، مثل الملفين الأرميني واليوناني، ومن المعروف أن فرنسا هي الداعم الأكبر لهذين الملفين في مواجهة تركيا، في مقابل الدعم البريطاني للأتراك.
في المحصّلة، وبالرغم من أن مشروع الربط والتعاون بين موانئ لبنان وموانئ غرب المتوسط وممر IMEC هو مشروع فرنسي، تبدو فيه بوضوح الرغبة الفرنسية والأوروبية في الاحتفاظ بدور ما في الشرق العربي، لكنه يصب من جهة أخرى في مصلحة المشروع التركي العثماني في ممارسة دور ونفوذ أكبر في المنطقة، وهو ما ظهر بوضوح في عبارة الرئيس التركي إردوغان "إن حدود أمن تركيا لا تبدأ من حدودها الجغرافية ولن تنتهي عند ولاية هاتاي (إسكندرونة)، بل تمتد إلى غزة وبيروت والقدس ودمشق بغداد والشام..." ما يعكس رؤية تركيا وطموحاتها لتكريس دورها كلاعب إقليمي محوري يؤثر في التحركات القائمة بالشرق العربي وشرق المتوسط.
وبالتالي فإن سعي الأتراك لربط الدول العربية كالعراق وسوريا ولبنان، بما تحويه من موانئ وخطوط طاقة بأسواقها، والتحكم في تدفقات البضائع، والتأثير في طرق النقل البري والبحري، يدخل في إطار تطبيق ما قاله إردوغان، خاصة أن مشروع الممر الهندي IMEC كان من بين أهدافه تحويل الكيان الصهيوني لعقدة لوجستية في نقل التجارة بين الشرق والغرب، واعتباره مركزاً رأسمالياً في المنطقة، ما يعني دمجه ضمن إطار المشروع الإبراهيمي الذي روّجه ترامب، أو بمعنى آخر دمج اقتصاديات المنطقة في إطار سيطرته، وبالتالي تجاهل تركيا ومصر، ولمواجهة هذا الهدف فقد أكد إردوغان في أيلول/ سبتمبر 2023 أنه : "لا ممر من دون تركيا". ونجاح محاولات أنقرة في ربط المنطقة اقتصادياً بها، يعني ضرب المشروعات الإبراهيمية وتحييد الكيان الصهيوني ومن خلفه كل من اليونان وقبرص[1].
يبقى هنا موقف كل من مصر وإيران من التطلعات التركية، وبالرغم من الاتفاق العام على هدف ضرب مشروعات هيمنة الكيان الصهيوني على المنطقة، لكن من المؤكد أن كليهما يشعر بالقلق من التطلعات التركية (العثمانية) سواء في المنطقة العربية أم في شرق أفريقيا، وبالنسبة لمصر فإن الوجود التركي في ليبيا والصومال وسوريا والحجاز (بحسب الطريق السككي المتفق عليه بين السعودية وتركيا) يهدد مكانتها وموقعها في ممرات التجارة، ويجعلها مرهونة للنفوذ التركي. أما إيران فلديها العديد من التحفظات على طريق التنمية التركي-العراقي، والمشروعات التركية في سوريا وشمال لبنان، وهو ما استعرضه المحللون الأتراك علناً، من أن إيران تقف حجر عثرة أمام إتمام هذا الطريق. ما يعني أن المراحل المقبلة قد تشهد صداماً صامتاً بين الدولتين وبين الأتراك، ضمن سعيهما لضمان عدم استبدال هيمنة صهيونية بهيمنة تركية ذات نزعة عثمانية.