من هرمز إلى بحر الصين: التحالفات الآسيوية وإعادة تشكيل ميزان القوى
يشهد الفضاء الممتد من جنوب آسيا إلى شرقها وجنوب شرقها تحوّلات استراتيجية متسارعة تعيد رسم خرائط التحالفات الإقليمية بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
-
التحالفات الآسيوية وإعادة تشكيل ميزان القوى.
مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، لم تعد دول المنطقة تكتفي بسياسات التوازن التقليدية، بل اتجهت نحو بناء شبكات جديدة من الشراكات الأمنية والاقتصادية والعسكرية، تعكس إدراكاً متزايداً بأنّ آسيا ستكون الساحة الرئيسية للتنافس على قيادة النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.
إنّ هذه التحوّلات تأتي استجابة للواقع الذي فرضه التراجع الأميركي عن القيام بدور القوة العظمى عالمياً، ومحاولته اللجوء إلى الاتفاقيات الثنائية، وتشكيل التكتلات المحدودة لمواجهة الدول التي تسعى أميركا لعرقلة تطوّرها، كالصين وروسيا وإيران وحتى البرازيل. وأدّى الفشل الأميركي في مواجهة إيران التي تمكّنت من السيطرة الواقعية على مضيق هرمز إلى تغييرات كبيرة فرضت نفسها على الواقع الآسيوي في المحيطين الهندي والهادي.
في هذا السياق، برز سابقاً محور إقليمي يتقارب بدرجات متفاوتة مع الولايات المتحدة ويضمّ قوى مثل اليابان وأستراليا والهند والفلبين، مدفوعاً بمخاوف مشتركة تتعلّق بأمن الممرات البحرية، وتنامي القدرات الصينية، ومستقبل التوازن العسكري في المحيطين الهندي والهادئ. ووجّهت الصين اتهامات لمثل هذا التعاون بين هذه الدول مطلقة عليها ناتو آسيوي في مواجهتها.
وفي المقابل، أخذت الصين تعمل على تعزيز شبكة علاقاتها الاستراتيجية مع دول وقوى إقليمية مختلفة، سواء عبر شراكتها الوثيقة مع كوريا الشمالية، أو من خلال توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في دول مثل كمبوديا وباكستان ولاوس وغيرها من دول جنوب شرق آسيا، إضافة إلى علاقتها القوية مع إيران وروسيا.
لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هو مستقبل هذه التحالفات عقب الفشل الأميركي في مواجهة إيران؟ إذا تابعنا الواقع في جنوب وشرق وجنوب شرق آسيا سنجد أنّ دوله تنقسم لثلاثة محاور:
- الأول: المحور المتحالف مع أميركا، كاليابان وكوريا الجنوبية والفلبين والهند وأستراليا، وسنغافورة.
- الثاني: الدول المتحالفة مع الصين والدول المنخرطة في الفضاء الاستراتيجي الصيني، مثل كوريا الشمالية وباكستان ولاوس وكمبوديا وميانمار (رغم الحرب الأهلية). وبدرجة أقلّ بنغلاديش وسريلانكا رغم حرصهما على الاحتفاظ بعلاقات مع الغرب.
- الثالث: يضمّ دول التوازن التي تحتفظ بعلاقات اقتصادية قوية مع الصين لكنّ لديها شراكات أمنية وعسكرية مهمة مع الولايات المتحدة مثل إندونيسيا وفيتنام وبروناي وماليزيا وتايلاند.
لكنّ هذا الانقسام في المواقف بين الدول في جنوب وجنوب شرق وشرق آسيا لا يمكنه تجاوز بعض العوامل المرجّحة للمحور المرتبط بالصين:
- أولاً: أنّ الصين هي الشريك الاقتصادي الأول لكلّ هذه الدول مجتمعة، وبالرغم من المخاوف التي تنتاب اليابان بسبب المطالبات الصينية بجزيرة تايوان وجزر دياويو (سينكاكو) الخاضعة للإدارة اليابانية منذ القرن التاسع عشر بالرغم من أنها جزر صينية (جزر صخرية غير مأهولة)، وبالرغم من المخاوف الهندية من الصعود الصيني والتي تعاني من خلافات حدودية معها أدّت إلى حرب سابقة، فإنّ الصين هي أيضاً الشريك الاقتصادي الأكبر لليابان والهند وحتى أستراليا والفلبين.
- ثانياً: هذا الوضع المتناقض لدول المحور الأميركي ما بين الاعتماد الاقتصادي على الصين والشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة يعني أنّ هناك صعوبات كبيرة في اتخاذ مواقف حقيقية تجاه التطوّر والصعود الصيني المتسارع، بل ربما يكون من المستحيل لدى هذه الدول المبالغة في أيّ مواجهة مع الصين مهما كان الدعم الأميركي.
- ثالثاً: يصطدم الاعتماد الأمني لهذه الدول على الولايات المتحدة الأميركية، بإعادة الأخيرة تقييم أولوياتها العالمية ومنح أهمية أكبر لأمن نصف الكرة الغربي باعتباره مجالها الحيوي المباشر، وخاصة ما يتعلّق بأميركا الشمالية، وهو ما وصفه وزير الحرب الأميركي بمشروع أميركا الشمالية الكبرى والذي يبدأ من غرينلاند وينتهي عند خط الاستواء.
ومن الطبيعي أنّ هذه الدول تدرك تماماً التوجّهات الجديدة للإدارة الأميركية ما قد يدفعها إلى توخّي قدر أكبر من الحذر في تبنّي سياسات يُنظر إليها على أنها تصادمية مع الصين.
آسيا الوسطى: العامل المرجّح في ميزان القوى الآسيوي
تمثّل دول آسيا الوسطى العامل المرجّح لمثل هذا الصراع بين المحورين، فباستثناء كلّ من طاجيكستان وقرغيزستان اللتين تعتمدان على الصين اقتصادياً وإلى حدّ ما أمنياً، بل أنّ دولتين كأوزبكستان وتركمانستان تتوسّع علاقاتهما الاقتصادية مع الصين تدريجياً، وخاصة الأخيرة التي تصدّر معظم غازها الطبيعي للصين، فإنّ دول هذه المنطقة بصورة عامّة تسعى بقدر إمكانها لاتخاذ سياسات متوازنة ما بين الصين وروسيا والغرب، وإن كانت دولها ترتبط بعلاقات اقتصادية أكثر وثاقة مع الصين. ولهذا الإخفاق بالنسبة للمحور المتحالف مع أميركا تجاه هذه الدول أسبابه:
1- الجغرافيا: الصين وروسيا دولتان متجاورتان جغرافياً لآسيا الوسطى. أما اليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فهي قوى بعيدة. والتقارب الجغرافي في الجيوبوليتيك لا يزال عاملاً حاسماً.
2- الاقتصاد: الصين لا تعرض على دول آسيا الوسطى مجرّد استثمارات. بل تعرض تطويراً للبنية التحتية بشكل كامل: سكك حديدية، طرق، أنابيب غاز، قروض، مصانع وتجارة. أي أنها تقدّم منظومة تطوير اقتصادي متكاملة. وفي المقابل لا يمكن للقوى الأخرى أن تدعم اقتصاد هذه الدول بالدرجة نفسه.
3- الأمن: رغم تراجع روسيا، فإنّ دول آسيا الوسطى ما زالت تنظر إليها ومؤخّراً إلى الصين باعتبارهما لاعبين أمنيين مهمين. ولا توجد قوة أخرى مستعدّة لتحلّ محلّهما بالكامل، حتى تركيا التي لجأت إلى كلّ من الدين والقومية التركية (باستثناء طاجيكستان المتحدّثة بالفارسية)، لكنها لا يمكنها تجاوز مكانة روسيا والصين أمنياً، للأسباب الجغرافية والاقتصادية، إضافة إلى أسباب ثقافية لدى بعض هذه الدول مثل كازاخستان وقيرغيزستان وكلاهما ينتميان لقبائل القبجاق، وأوزبكستان التي تنتمي لقبائل القارلوق، وهذين الفرعين التركيين تحرّك تاريخهما بعيداً عن قبائل الأوغوز المشكلة لدول: تركيا، أذربيجان، تركمانستان. ما دفع هذه الدول لمحاولة التأسيس لهوية قومية مستقلة رغم اعترافها بالانتماء التركي العامّ.
4- سياسة دول آسيا الوسطى نفسها التي لا ترغب في التورّط بتحالفات تؤدّي إلى عزلتها عن أحد الأطراف، وبالتالي لا تريد استبدال الصين أو روسيا بالغرب أو تركيا أو الهند. بل تسعى لاستغلال التنافس بين جميع القوى للحصول على أكبر قدر من المكاسب.
وفي هذه الحالة فإنّ المحور الصيني سوف يكون هو الرابح للأسباب الجغرافية والاقتصادية والأمنية سالفة الذكر، إضافة إلى كونه القادر على أن يؤمّن وصول هذه الدول إلى البحار سواء عبر الخط الرابط بين روسيا وكوريا الشمالية إلى بحر الشرق الكوري (بحر اليابان)، أو عبر الطرق البرية التي تربط الصين بميناء كياو كفيو في ميانمار على خليج البنغال، وميناء جوادر في باكستان على بحر العرب، وكلاهما من أهمّ الموانئ التي تستثمر فيهما الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق. وفي المقابل لا يملك المحور المتحالف مع أميركا أي ميزة حقيقية في هذا الشأن سوى عبر ميناء تشابهار الإيراني الذي تستثمر فيه الهند، وهو في الواقع يصبّ في مصلحة إيران وروسيا أكثر من الهند.
إذا نظرنا إلى الخريطة فسنجد سلسلة مترابطة ممتدة على هذا النحو: إيران، أفغانستان وباكستان، آسيا الوسطى ثم غرب الصين، أي أنّ الصين لم تقم ببناء مجرّد شبكة تجارية، وإنما تمكّنت من بناء عمق استراتيجيّ بريّ يصل الخليج الفارسي مباشرة بداخل القارة الآسيوية. وهذا يمثّل أهمية كبرى في السياسة الصينية. فإذا كانت الولايات المتحدة تمتلك أفضلية بحرية، فإنّ الصين كانت دائماً تبحث عن تقليل اعتمادها على البحر عبر إنشاء ممرات برية آمنة. ولهذا السبب كانت مبادرة الحزام والطريق منذ البداية تركّز على آسيا الوسطى أكثر من تركيزها على البحار.
من الضروري الإشارة إلى أنّ الصين تمكّنت من استغلال الغرق الأميركي في الرمال الإيرانية المتحرّكة، وقامت بتكثيف وجودها العسكري في بحري الصين الشرقي والجنوبي بحيث أصبحت فعلياً، حتى دون أيّ إعلان رسمي، تسيطر على حركة المرور في مضائق كوريا وتايوان ومالقا، وهو ما يفسّر حجم الرعب الأميركي (وحلفائه) من ترك السيطرة على مضيق هرمز للإيرانيين، لأنّ هذا يعني خروج كلّ ممرات التجارة في المنطقة التي تمثّل ما يقرب من 60% من التجارة العالمية عن السيطرة الغربية.
إنّ هذه النتيجة التي توّجت بها المغامرات الأميركية في الخليج الفارسي، ويضاف إليها التقدّم العسكري الروسي على الأرض الأوكرانية والذي يقترب من عزل أوكرانيا عن مياه البحر الأسود، بالرغم من الضربات الأوكرانية الأخيرة والتي سعت لفرض مفاوضات على الرئيس الروسي بوتين. قلّلت كثيراً من أسهم المحور المتحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، وإذا كانت الأخيرة تسعى بالفعل للتمترس في النصف الغربي من الكرة الأرضية باعتباره مجالها الحيوي (يشمل المغرب كذلك)، وخاصة الأميركتين، ما يجبرها على تقليل وجودها في منطقة غرب المحيط الهادي وبحري الصين الشرقي والجنوبي، فإنّ الصين وروسيا وإيران بدورها لن تسمح بوجود أميركي في مجالاتها الحيوية وخاصة القارة الآسيوية وشرق أوروبا. ليبقى الصراع مشتعلاً حول القارة الأفريقية. وباختصار فإنّ التحالف الآسيوي المدعوم من الولايات المتحدة لا مستقبل حقيقياً له، في حال فشل في الاستقطاب الكامل لدول آسيا الوسطى، ولن يتجاوز دوره في مواجهة الصين وروسيا وإيران الحالة الدفاعية البحتة.
هل يمكن لأيّ رئيس قادم للولايات المتحدة أن يتراجع عن سياسة ترامب؟
قد يراهن البعض من المحلّلين على احتمال تغيّر السياسة الأميركية عقب رحيل إدارة ترامب. لكن بالرغم من الانتقادات الموجّهة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فالواقع أنّ سياساته ليست عبثية إطلاقاً، وإنما هي ردّ فعل على الواقع الأميركي المتراجع في مواجهة الصعود الصيني السريع كقوة عظمى، والإصرار الروسي على العودة كدولة مؤثّرة في السياسات الدولية، والسعي الإيراني المثابر للإفلات من الحصار الغربي والوجود في مصاف الدول الكبرى، ولن يملك أيّ رئيس قادم سواء أكان جمهورياً أو ديمقراطياً أن يتخذ سياسات مختلفة عن ترامب حتى لو اختلف معه في التصريحات والأسلوب. وبمعنى آخر فإنّ أيّ رئيس أميركي قادم سيكون عليه أن يتبنّى السياسات الآتية:
- العولمة المفتوحة تصبح أقلّ أولوية.
- إعادة توطين الصناعة في الأراضي الأميركية تصبح أولوية دائمة.
- الحمائية تصبح سياسة مستمرة.
- الأمن القاري الأميركي يصبح أهمّ من بناء النظام العالمي.
- أميركا اللاتينية تزداد أهميتها مقارنة ببعض الساحات البعيدة.
- تقليل الاعتماد على الصين، وخاصة فيما يتعلّق بتأمين المعادن النادرة.
- تعزيز الإنتاج العسكري.
هذه الحقيقة دفعت الكثير من المحلّلين الأميركيين إلى اعتبار إدارة ترامب ليست استثناءً، بل بداية مرحلة جديدة في الاستراتيجية الأميركية؛ أي مرحلة الانتقال من دولة تسعى لإدارة النظام العالمي كلّه إلى دولة تركّز على ضمان تفوّقها داخل نظام عالمي متعدّد الأقطاب.
ويبدو أنّ القادة في أوروبا الغربية قد فهموا هذا الوضع الجديد، في ظلّ تنامي الخطر الروسي، وصعوبة التنبّؤ بمواقف الحليف الأميركي، وبدأوا بالفعل في محاولة تشجيع الشباب في بلدانهم للتطوّع في الجيش، وهي محاولات لم تحقّق نجاحاً الأمر الذي دفع رئيس لجنة الدفاع في مجلس النواب (بوندستاغ) توماس روفيكامب، في تصريحه لوكالة فرانس برس، للمطالبة بإعادة العمل بقانون الخدمة العسكرية الإلزامية، في موعد أقصاه تموز/يوليو 2027، في حال لم تتمكّن الدولة من تحقيق هدفها ببناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا، من خلال رفع عدد العسكريين المحترفين من 185 ألفاً إلى 260 ألفاً على الأقل بحلول سنة 2035 عبر التطوّع.
ما توصّل إليه القادة الغربيون هو ذاته ما بدأ حلفاء أميركا الآسيويين في استيعابه مؤخّراً وخاصة اليابان، والتي تسعى إلى العودة لبناء نفوذ اقتصادي وجيش عسكري ضخم للتوازن مع التطوّر الصيني، وهو كذلك ما يمكن أن يقال عن الهند، وبالرغم من أنّ الأميركيين يراهنون على أنّ تحالفهم مع الدولتين إضافة إلى تركيا وبولندا، يمكن أن يساهم في تعطيل تطوّر الصين وروسيا وإيران، فالواقع أنّ تراخي المظلة الأميركية سيمكّن هذه الدول، وحتى الاتحاد الأوروبي، من أن تؤسس لمشروعاتها الخاصة التي تحقّق عبرها فائضاً جيوسياسياً يؤدّي لتطوذرها كقوى كبرى، مستقلة بدرجة أو بأخرى عن الولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فإنّ كلّ دولة ستعيد حساباتها على أساس علاقاتها مع جيرانها، لا على أساس تحالفها مع واشنطن، ما يعني أنّ هذه التحالفات قد يعاد تشكّلها بصيغ مختلفة تماماً عن المصالح الأميركية وربما متعارضة معها.