من مضيق هرمز إلى طاولة التفاوض: كيف تحوّلت أزمة الديزل إلى ورقة بيد موسكو؟
إلى أيّ حد تحوّلت صدمة العرض المزدوجة في سوق الديزل إلى ورقة تفاوض بيد موسكو؟ وهل تستطيع تسوية طاقوية محدودة في أوكرانيا أن تعالج نقصاً تعود جذوره الأساسية إلى أزمة هرمز؟
-
كيف تحوّلت أزمة الديزل إلى ورقة بيد موسكو؟
تتأخر ناقلة ديزل عن موعدها، فيصل الأثر إلى حقول القمح وموانئ الحاويات ومحطات الوقود في جغرافيات متباعدة. وقد بلغ هذا الأثر مستوًى استثنائياً في الولايات المتحدة؛ حيث سجّل متوسط سعر الجالون من الديزل 6179 دولاراً في 12 أكتوبر/تشرين الأول، أي بزيادة 2514 دولاراً عن مستواه قبل عام، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
في قلب هذا المشهد، تتقاطع ثلاثة عوامل: خليج تراجعت صادراته من المنتجات المكررة بسبب أزمة هرمز، ومصافٍ روسية أنهكتها ضربات المسيّرات الأوكرانية، وواشنطن التي تبحث عن مخرج عاجل لمستهلكيها قبل الانتخابات النصفية المقرّرة الشهر المقبل. وينبثق عن هذا التقاطع سؤال محوري: إلى أيّ حدّ تحوّلت صدمة العرض المزدوجة في سوق الديزل إلى ورقة تفاوض بيد موسكو؟ وهل تستطيع تسوية طاقوية محدودة في أوكرانيا أن تعالج نقصاً تعود جذوره الأساسية إلى أزمة هرمز؟
مبدئياً، يمكن الافتراض أن الديزل الروسي يخفف الأزمة جزئياً، بيد أنّ العجز الخليجي الناتج عن إغلاق مضيق هرمز -إما كلياً أو جزئياً- هو أكبر مما تستطيع روسيا تعويضه، وحتى في حال التعافي الكامل للإمدادات الروسية من الديزل، فإنها في أحسن الأحوال لن تغطي سوى ثلث الفجوة الإجمالية الناجمة عن أزمة هرمز.
ثقل الصدمة
يصلح تشبيه الديزل بشريان خفيّ في جسد الاقتصاد العالمي، عبره تمرّ الحبوب إلى الموانئ، والبضائع إلى الأسواق، والمعدّات إلى مواقع الإنتاج. وحين يضيق هذا الشريان ترتفع كلفة كلّ سلعة تعتمد عليه في النقل أو في الإنتاج، فتمتد الأزمة من قطاع الطاقة إلى أسعار المنتجات ونسب التضخم.
كانت روسيا ثاني أكبر مصدّر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة، قبل أن تبدأ تقييد مبيعاتها الخارجية الصيف الماضي بالتزامن مع تراجع صافي صادرات الخليج من هذا الوقود إلى 390 ألف برميل يومياً في المتوسط خلال أغسطس/آب، أي ما يزيد قليلاً على ربع مستواه قبل إعلان العدوان على إيران في فبراير/شباط 2026، بحسب الوكالة الدولية للطاقة. وانخفض صافي الصادرات المجمّعة للخليج وروسيا في الشهر نفسه بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً عن مستوى فبراير/شباط. ولعل هذه الأرقام تفسر لنا السرعة التي انتقل بها الاضطراب من الموانئ إلى محطات الوقود التي يتزوّد منها الأفراد.
تقييد الحركة في مضيق هرمز.. جذر الأزمة
يعود الجزء الأكبر من النقص التراكمي في صادرات الديزل إلى تعطل الإمدادات الخليجية بسبب اضطراب الحركة في مضيق هرمز وإغلاقاته المتكرّرة. فقد قدّر معهد كييف للاقتصاد (KSE) الفاقد المرتبط بالخليج بنحو 152 مليون برميل بين مارس/آذار وأغسطس/آب 2026، وهو يعادل نحو 224% من الفاقد الروسي البالغ 68 مليون برميل، أي أكثر من ضعفه. ويوازي ذلك نحو 25 مليون برميل شهرياً في الحالة الخليجية ونحو 11 مليون برميل شهرياً في الحالة الروسية. ويبلغ الفاقد الإجمالي 220 مليون برميل تشكل حصة روسيا منه نحو 31%، وبالتالي، فإنّ التعافي الكامل للإمدادات الروسية -في أفضل الحالات- لن يعالج سوى ثلث الفجوة.
علاوة على هذا، تكشف الأرقام حجم الاختناق في سوق الديزل؛ إذ بلغ متوسط صافي صادرات الخليج من هذا الوقود 390 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب، أي ما يعادل ربع مستواه قبل الحرب أو يزيد عليه قليلاً. كذلك انخفض مجموع صادرات الخليج وروسيا بمقدار 1.6 مليون برميل يومياً عن مستوى فبراير/شباط، بحسب الوكالة الدولية للطاقة، في حين قدّر الفاقد الخليجي بنحو 152 مليون برميل بين مارس/آذار وأغسطس/آب، أي أكثر من ضعفي الفاقد الروسي البالغ 68 مليون برميل.
أمام هذا، يحوم التشاؤم حول مستقبل السوق؛ ففي تقريرها لشهر أكتوبر/تشرين الأول، توقعت الوكالة الدولية للطاقة استمرار شحّ الديزل حتى عام 2027، راهنة ذلك بتعافي إمدادات المنتجات المكررة من الشرق الأوسط، أو -بتعبير آخر- بحل أزمة العبور عبر مضيق هرمز الذي يبقى معطلاً ما دامت مذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن في 17 يونيو/حزيران 2026 لم تطبّق.
الحظر الروسي
تروّج واشنطن لفكرة اعتبار موسكو خزاناً بديلاً يمكنه تعويض النقص الخليجي، بيد أنّ القرارات الروسية ذات الصلة بسوق الديزل توضح لنا الصورة بدقة أكبر.
يجب العودة في هذا الصدد إلى أواخر سبتمبر/أيلول 2025 عندما أقرّت الحكومة الروسية حظراً مؤقتاً على صادرات الديزل شمل في بدايته التجار المستقلين غير المنتجين والمصافي التي تقلّ طاقتها السنوية عن مليون طن، لتوسّعه مطلع يوليو/تموز 2026 ليطال كلّ منتجي الوقود بلا استثناء، محدّدة نهايته أوّل الأمر في 31 من الشهر نفسه، قبل أن تمدّده على مراحل حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول. وبعد اتفاق بوتين وترامب، رفعت موسكو الحظر عن تصدير الديزل جزئياً في 10 أكتوبر/تشرين الأول سامحة بتصدير 500 ألف طن في هذه المرحلة.
ولقد سبق صدور قرار يوليو انهيار صادرات الديزل الروسية في يونيو/حزيران إلى أقل من مليون طن بحسب تقديرات نقلتها "رويترز"، بعد أن بلغت نحو 2.5 مليون طن شهرياً في الفترة نفسها من عام 2025. وتشير بيانات "رويترز" و(LSEG) (مجموعة بورصة لندن) إلى أنّ صادرات الديزل المنقولة بحراً تراجعت في الشهر ذاته بنسبة 39% عن مايو/أيار إلى نحو 1.8 مليون طن، وبنسبة 46% عن مستوى 3.35 مليون طن في يونيو 2025.
يعزى جانب من هذا التراجع إلى ضربات المسيّرات الأوكرانية التي استهدفت المصافي الروسية. وفي حين ادّعت وزارة الدفاع الأوكرانية تعطل 51% من الطاقة التكريرية الروسية، قدّرت الوكالة الدولية للطاقة ومصادر القطاع الروسية الضرر بفعل هذه الضربات بنحو 33% إلى 40% حتى يونيو/حزيران، بالتزامن مع انخفاض إنتاج الديزل الروسي بنحو 30%. وانعكس هذا الاستنزاف على أداء القطاع في روسيا؛ إذ تراجع معدل إنتاج المصافي إلى 3.7 مليون برميل يومياً في يوليو/تموز، مقابل طاقة اسمية تقدّر بـ6.5 مليون برميل، أي ما يعادل 57% من القدرة الإجمالية، مسجلاً أدنى مستوياته منذ أكثر من 20 عاماً. ويعزى هذا الانخفاض إلى توقّف ثلاث من أكبر ست مصافٍ روسية لإنتاج الديزل، أو خفض إنتاجها بشدّة، في منتصف سبتمبر/أيلول، وهي مصافي كيريشي وفولغوغراد ونوري، علماً بأنّ المصافي الست مجتمعة تنتج نحو نصف إنتاج الديزل الروسي.
عملياً، يفرض هذا الوضع على موسكو ترميم مصافيها وإعادة بناء احتياطياتها المحلية قبل الشتاء، وبالتالي يضيق هامش قدرتها على تعويض النقص الناجم عن الفاقد الخليجي بسبب الإغلاقات المتكررة لهرمز، ويغدو متعذراً على المنتج الروسي سدّ عجز الموردين الكبار الآخرين.
اتفاق بوتين-ترامب: أي تأثير مرتقب في سوق الديزل؟
أعلن ترامب في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول التوصّل إلى اتفاق مع بوتين لتوريد الديزل الروسي إلى الأسواق الأميركية والعالمية، يبدأ بأكثر من 300 ألف طن فوراً، ويرتفع إلى 500 ألف طن في نوفمبر/تشرين الثاني، ثم مليون طن في ديسمبر/كانون الأول، مع استهداف بلوغ 3 إلى 3.5 ملايين طن شهرياً بنهاية 2026، وفق تطور أداء المصافي الروسية. وشرعت موسكو في التنفيذ عبر الرفع الجزئي لحظر التصدير اعتباراً من 10 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع إصدار وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يجيز المعاملات المتعلقة بالديزل الروسي حتى 7 أبريل/نيسان 2027.
بلغة الأرقام، تعادل الدفعات الثلاث 2.24 و3.73 و7.45 ملايين برميل على التوالي، وفق معامل التحويل البالغ 7.45 برميل للطن المتري من الديزل الذي تعتمده S&P Platts. وبما أنّ فجوة صافي الصادرات المجمعة للخليج وروسيا بلغت 1.6 مليون برميل يومياً، أي نحو 48 مليون برميل شهرياً، فإن الدفعات الثلاث (2.24 و3.73 و7.45 ملايين برميل) لا تغطي -بحساب تقريبي- سوى 5% و8% و15% من هذه الفجوة، وهي كميات إجمالية تشمل أصلاً ما تصدّره روسيا حالياً. ويعادل الهدف الذي أعلنه ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي المكلّف بملف الطاقة، البالغ 3 إلى 3.5 ملايين طن متري شهرياً نحو 22 إلى 26 مليون برميل في الشهر، أي 745 إلى 870 ألف برميل يومياً، وهو مستوى يقارب متوسط صادرات عام 2025 البالغ نحو 817 ألف برميل يومياً.
إذاً، ووفق الحسابات السابقة، تقع الدفعتان الأولى والثانية ضمن نطاق التدفقات القائمة. فقد قدّرت بيانات كبلر (Kpler) صادرات روسيا بنحو 584 ألف طن في سبتمبر و722 ألف طن في أكتوبر/تشرين الأول حتى الآن. وتراجعت شحنات الديزل في الأيام العشرة الأولى من أكتوبر/تشرين الأول بنسبة 11% عن متوسط سبتمبر/أيلول، بحسب حسابات "بلومبرغ" المستندة إلى بيانات Vortexa، في حين بلغ إجمالي صادرات المنتجات النفطية المنقولة بحراً 979 ألف برميل يومياً. وتقدّر إنرجي إنتلجنس (Energy Intelligence) الفائض المتاح للتصدير بعد تلبية السوق المحلية بنحو 200 ألف برميل يومياً، أي قرابة 0.8 مليون طن شهرياً، بشرط سلامة المصافي.
بناءً على كل هذا، تتحقق الفائدة الأميركية عبر آلية غير مباشرة إذا ما اعتمدنا على قراءات محللي كبلر التي ترى أن الديزل الروسي سيخفف المنافسة على البراميل الأميركية في أسواق مثل البرازيل وتركيا. مع العلم أن عائدات الدفعة الأولى البالغة 300 ألف طن تبلغ نحو 400 مليون دولار بحساب سعر الجملة الأميركي.
الديزل كورقة تفاوض
قدّم هنري فاريل وأبراهام نيومان مفهوم "الترابط المتبادل المسلّح" في مقال لهما نشر في مجلة "الأمن الدولي" عام 2019، محدّدين أثرين له: أثر المراقبة وأثر نقطة الاختناق. وبموجب الأثر الثاني، تستطيع الدولة التي تحتل عقدة محورية في شبكة الترابط أن تحجب عن المعتمدين عليها الوصول إلى العقدة أو إلى الإمدادات التي تمرّ عبرها، فتحوّل موقعها إلى أداة تأثير وضغط.
ينطبق هذا المفهوم على الديزل الروسي ضمن شرطين: أولهما، أنّ القرار بيد موسكو، فهي التي تفرض الحظر وتخففه، وكل قرار منهما يغيّر المعروض من الديزل في الأسواق. وثانيهما، أنّ حجم ما يمكن تصديره يتوقف على سلامة المصافي، وإنّ هذه السلامة مشروطة بمجرى الحرب الروسية-الأوكرانية.
وعليه، تتركز القيمة التفاوضية في إذن التصدير نفسه لا في حجم الدفعات؛ لأن الدفعتين الأولى والثانية لا تعادلان إلا 5% إلى 15% من الفجوة الشهرية، وهي كمية محدودة الأثر في السوق. كما سيفتح إذن تصدير الديزل الروسي باباً أوسع هو تخفيف العقوبات، وقد بدأ ذلك فعلاً بترخيص وزارة الخزانة الأميركية للتعاملات المتعلقة به.
تدعم الوقائع هذه القراءة؛ فقد دعا ترامب زيلينسكي في 13 سبتمبر إلى وقف ضرب المصافي الروسية معتبراً أن تلك الهجمات هي سبب من أسباب النقص العالمي في الديزل، فانتقل الملف بذلك من حيز السوق إلى دائرة التفاوض. وعلى نحو موازٍ، أعلن بوتين في 1 أكتوبر/تشرين الأول أن روسيا ستمتنع عن تزويد الأسواق العالمية بالديزل ما دامت العقوبات عليها قائمة، فجاء ترخيص الخزانة الأميركية المؤقت حتى 7 نيسان/أبريل 2027. وفي المحصلة، بات يُنظَر إلى حزمة الخطوات الأميركية تجاه موسكو كأداة ضغط على كييف تدفعها إلى تقديم تنازلات في مفاوضات السلام.
آفاق الشتاء
في خضم كلّ هذه الحركيات، تتداخل ثلاثة متغيّرات في تحديد آفاق الشتاء: مصير الانفتاح الروسي الجزئي، ومسار التصعيد ضد إيران، وعمر المخزونات الاستراتيجية.
يقوم المسار الأول على انفتاح روسي هشّ؛ إذ تتراوح الدفعات المعلنة بين 300 ألف ومليون طن، وهي أرقام تقع في نطاق ما تصدّره روسيا فعلاً، وتتوقف على سلامة المصافي، غير أنّ سقوط هدنة الطاقة بعد أربعة أيام من إعلانها باستئناف كييف ضرب المصافي الروسية يبقي هذا الاحتمال ضعيفاً، وينذر بإبقاء الصادرات أقل من هدف 3 إلى 3.5 ملايين طن شهرياً، مع تأجيج الخلاف بين واشنطن وكييف.
أما المسار الثاني فيرتبط أساساً بالتصعيد ضد إيران وأزمة مضيق هرمز؛ فأي تصعيد جديد بعد الانتخابات النصفية الأميركية سيعيد الأزمة إلى نقطة الصفر وسيدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع، خصوصاً أن المخزونات العالمية منخفضة أصلاً.
أخيراً، يتعلق المسار الثالث بالمخزونات. لقد استبعد ترامب في 2 أكتوبر/تشرين الأول فرض حظر على صادرات الديزل الأميركية بعد أيام من دراسة هذا الخيار، وأعلنت مجموعة السبع الإفراج عمّا يصل إلى 100 مليون برميل من النفط والديزل، تخصّص الأيام العشرون الأولى منها للديزل بصورة مكثفة، على مدى أربعة أشهر. ويعادل ذلك بحساب بسيط نحو 0.8 مليون برميل يومياً، أي قرابة نصف الفجوة المجمعة البالغة 1.6 مليون برميل يومياً،غير أنّ مفعول هذا الإفراج سينتهي مطلع فبراير/شباط، فيعود الضغط على السوق مجدّداً إذا بقي إغلاق هرمز -إما كلياً أو جزئياً- قائماً.
بالنتيجة، يمكن القول إن المسارات الثلاثة تتقاطع في استنتاج واحد: ما دامت أزمة هرمز لم تحلّ بمسار تفاوضي بين طهران وواشنطن يبدأ بتطبيق مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران المنصرم، فإن الدفعات الروسية من الديزل المزمع ضخها في الأسواق لن تخفف من حدة الأزمة إلا جزئياً؛ لأنّ العلاج الجذري للأزمة مرهون بتعافي الإمدادات الخليجية واستعادة الأسواق لعافيتها، أما عدا هذا، فسيبقى مجرد علاجات سطحية لأعراض الأزمة تدفع إليها مكابرة ترامب واستمراره في الهروب من مواجهة كلفة الحلول الحقيقية.