من فلسطين إلى إيران.."سيُهزم الجمع ويولّون الدّبر"!

سلام من غزة إلى طهران، إلى أصفهان وتبريز، إلى قم ومشهد، سلام إلى الأبطال في حرس الثورة والقوات المسلّحة، سلام إلى المنغرسين في أرضهم كما الزيتون، ينافحون عنها بأظفارهم وأجسادهم.

0:00
  • الموقف الإيراني من غزة لم يتوقّف خلال أشهر الحرب وما بعدها.
    الموقف الإيراني من غزة لم يتوقّف خلال أشهر الحرب وما بعدها.

ما بين فلسطين الجريحة والمنكوبة وإيران الصامدة والأبيّة الكثير من المتشابهات، أولاها أن كلتيهما رفضتا الظلم والعدوان، ووقفتا في وجهه القبيح بكل ما تملكان من قدرات وإمكانيات، وبكل ما تحملان من عقيدة صلبة، وأفكار لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

وثانيها أنهما دفعتا من أجل ذلك أعز ما تملكان من أرواح شبابهما ورجالهما، الذين كانوا على الدوام فرساناً في الميدان، وأبطالاً في النزال، ولم يرهبهم الاختلال الهائل في القوة لصالح أعدائهم، بل حوّلوا كل ما واجههم من تحدّيات وأخطار وتهديدات إلى فرص لهزيمة الأعداء، وتكبيدهم خسائر فادحة على الصعد كافة، وفي مختلف المجالات.

أما ثالثها فهي أن فلسطين وإيران ناصرتا قضايا المظلومين في مختلف أرجاء العالم، من دون النظر إلى لون أو عرق أو طائفة أو مذهب، ووقفتا دائماً إلى جوار الحق مهما تعدّدت عناوينه، واختلفت مسمّياته.

رابع المتشابهات أن عدوّهما واحد، فهو عدو مجرم متغطرس وواهم، يملك فائضاً من القوة يكاد لا يملكه أحد غيره حول العالم، وتدين له الكثير من الأنظمة والدول بالولاء والطاعة خوفاً من بطشه وإجرامه، الذي تجاوز كل الحدود، واخترق كل المواثيق والأعراف.

هذا العدو الذي يقود جبهته الشيطان الأكبر في أميركا، وربيبتها المارقة "إسرائيل "، وإلى جوارهما قوى الاستعمار العالمي، ونظم وحكومات عربية وإقليمية لطالما قهرت شعوبها، وجيّرت مقدراتها وخيراتها لصالح الأعداء، كل هؤلاء كانوا على الدوام يقفون في وجه قوى الخير في إيران وفلسطين، كما هي الحال في بيروت وصنعاء وبغداد، بل وفي وجه كل الحالمين بمستقبل أفضل لشعوبهم على امتداد العالم بأسره.

عندما شنّ العدو الصهيوني عدوانه الواسع على قطاع غزة قبل عامين ونصف العام تقريباً، والذي استخدم فيه العدو كل ما بحوزته من إمكانيات وقدرات عسكرية، محوّلاً أجساد الأطفال والنساء والشيوخ في القطاع الصغير والمحاصر إلى شواخص للرماية، ومدمّراً كل ما وصلت إليه صواريخه الحارقة من بيوت ومنشآت وبنى تحتية، بالإضافة إلى المستشفيات والمدارس والجامعات وآبار المياه، عندما حدث ذلك كله، في ظل صمت عرب وإسلامي مريب، وفي ظل عجز وتساوق دولي وعالمي، وقفت الجمهورية الإسلامية في إيران بكل ما تملك إلى جانب المظلومين في غزة، وجيّرت كل إمكانياتها على الصعد والمجالات كافة من أجل دعم ومساندة أهالي القطاع، وهي التي لم تنقطع في يوم من الأيام عن القيام بهذا العمل، إذ سبق لها أن وفّرت الدعم المالي والعسكري والسياسي والإعلامي للقضية الفلسطينية منذ نجاح ثورتها الإسلامية قبل سبعة وأربعين عاماً، إذ أسهم دعمها السخي رغم الحصار الذي فُرض عليها في صمود وثبات الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى نقل المقاومة في فلسطين نقلة نوعية إلى الأمام، مكّنتها في صباح السابع من تشرين الأول/أكتوبر من عام 2023 من إنزال هزيمة ساحقة بأحد أقوى الجيوش في المنطقة والعالم. 

الموقف الإيراني من غزة لم يتوقّف خلال أشهر الحرب وما بعدها، بل استمر إلى يومنا هذا رغم كل ما مُورس ضدّها من ضغوطات، وما تعرّضت له من ابتزازات، بل ورغم كل ما وُجّه لها من ضربات، كادت لولا عناية الله، وصلابة ومنعة النظام الإيراني وشعبه العزيز أن تُسقط الدولة، وتكسر ظهر النظام، وأن تحوّل هذه الجمهورية المقتدرة والعظيمة إلى دولة فاشلة، تتناهشها قوى الظلم والإجرام، ويسيطر على خيراتها ومقدّراتها شذّاذ الآفاق في "تل أبيب" وواشنطن وغيرهما.

اليوم، وفي ظل ما تتعرّض له الجمهورية الإسلامية الإيرانية من عدوان أميركي وإسرائيلي ظالم وغاشم، تماماً كما العدوان الذي تعرّضت له غزة خلال الأشهر الماضية، تبدو المؤامرة العالمية في أنصع تجلّياتها، وفي أوضح صورها، وقد سقطت عنها كل الأقنعة، وزالت عنها كل المساحيق، وهي مؤامرة تهدف في مضمونها إلى إسكات صوت الحق، وإلى فرض الوصاية الأميركية والإسرائيلية على كل المنطقة بلغة الحديد والنار، والصواريخ والقنابل، والطائرات الحديثة، والبوارج التي تجوب عباب المحيطات والبحار.

في العدوان الهمجي على إيران تبدو الرغبة الإسرائيلية والأميركية واضحة وجليّة، وتكاد لا تخطئها عين، وهي رغبة مُعلنة بصريح ما قاله سيّد البيت الأبيض المسكون بغرور العظمة، ومجرم الحرب الفار من وجه العدالة، واللذان كشفا من دون أي مواربة عن هدفهما المشترك بتدمير قدرات إيران، وإخضاعها، وتحويلها من دولة قوية وعزيزة ومقتدرة، إلى دولة فاشلة وخاضعة كما العديد من الدول في المنطقة وحول العالم.

هذه الرغبة المخالفة للمواثيق الدولية، تكرّرت سابقاً في قطاع غزة، والذي تحاول قوى الشر دفع سكّانه إلى مغادرته قسراً تحت وطأة العدوان الذي لم يتوقّف، وفي ظل تقييدات لا تُعدّ ولا تُحصى للمساعدات والمواد الإغاثية، والمستلزمات الطبيّة، وقبل كل ذلك وبعده منع أي عمليات إعمار قد تُعيد جزءاً من الأمل إلى سكّان القطاع بمستقبل مشرق وواعد.

على كل حال، قد تبدو الصورة بعد انطلاق العدوان على إيران متشائمة وسوداوية بعص الشيء، وقد يعتقد الكثيرون أن مواجهة أقوى دولة في العالم هي بمنزلة الذهاب نحو التهلكة والهاوية، وهذا من وجهة نظر مادية صحيح ومقبول، إلا أن التاريخ علّمنا أن الانتصار في المعارك لا يقتصر فقط على نوعية السلاح وحجمه، ولا على تطوّره وحداثته، ولا على حجم ما يملكه الأعداء من وسائل دعاية وحرب نفسية تكاد تجعل الحليم حيراناً، وإنما هناك عوامل أخرى تتحكّم في سير المعركة، وفي كثير من الأحيان في نتائجها وتداعياتها.

من هذه العوامل القيادة المؤمنة والحكيمة، والتي تملك بصيرة ورؤية ثاقبة تمكّنها من قيادة سفينة البلاد إلى شاطئ الأمان، وأكاد أُجزم أن لا دولة في العالم تملك قيادة بهذه المواصفات مثل إيران.

الشعب الإيراني العزيز هو الآخر عامل قوة لا يُستهان به لإسقاط مؤامرات الأعداء، وهو الذي تعرّض طوال عمر الثورة إلى ضغوطات هائلة من أجل دفعه إلى الانقلاب على ثورته ونظامه الإسلامي، إلا أنه كما كان على الدوام ظل مخلصاً لوعده وقسمه الذي يردّده صباح مساء، مُحافظاً على إرث ثورته المباركة، ورافضاً لكل أشكال الوصاية والاستغلال.

حلفاء إيران وشركاؤها في الكثير من الساحات المعلومة والمجهولة، والذين هم حلفاء غزة أيضاً يمكن أن يكونوا عامل حسم للمعركة المحتدمة التي تجري حالياً، وهم حلفاء وشركاء مخلصون وأمينون، ويملكون الجرأة لقول كلمة الحق في وجه الظالم، بل ومواجهته في ميادين القتال مهما كلفهم ذلك من تضحيات.

ختاماً، نقول من قلب غزة الجريحة والمكلومة، والمثقلة بالكثير من الأعباء التي تنوء من حملها الجبال، أن النصر لن يكون أبداً في صف الأعداء، مهما حشدوا من سلاح، ومهما ارتكبوا من جرائم، مهما قتلوا من فتيات صِغيرات كُنّ يجلسن على مقاعد دراستهن كما كانت الحال في غزة، لأنّ سنن التاريخ لا تكذب ولا تتغير، وهي تقول في مطلعها إن الظلمة سيُهزمون، وإن القتلة سيسقطون، وإن نشوة المجرمين لن تطول.

سلام من غزة إلى طهران، إلى أصفهان وتبريز، إلى قم ومشهد، سلام إلى الأبطال في حرس الثورة والقوات المسلّحة، سلام إلى المنغرسين في أرضهم كما الزيتون، ينافحون عنها بأظفارهم وأجسادهم، إلى الواقفين على حدود الوطن يحرسونه برموش عيونهم من غدر الأعداء، سلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته، وموعدنا بإذن الله مع النصر المبين "ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله".