معادلة "سلام هشّ أفضل من الفوضى" في مالي.. هل ينبغي الاستلهام من "اتفاق الجزائر"؟

اتفاق الجزائر إطار مؤسسي ساهم في احتواء العنف شمال مالي لسنوات، وانهياره ادى الى تصاعد المواجهات واتساع نشاط الجماعات المسلحة والارهابية، بما يؤكد اهمية استمرار الحوار ووجود اطر سياسية بديلة لمنع تفاقم الصراع.

  • معادلة
    معادلة "سلام هشّ أفضل من الفوضى" في مالي.. هل ينبغي الاستلهام من "اتفاق الجزائر"؟

يمثل مسار "اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة"، الموقع عام 2015، مادة تحليلية بالغة الخصوصية لاختبار إحدى فرضيات قدرة الأطر التفاوضية المؤسسية على احتواء دورات العنف في بيئات الصراع المركبة.

فليس هناك أحسن من أقاليم مالي الشمالية، بتداخلاتها القبلية والإرهابية، لاختبار هذه الفرضية، إذ يكشف التتبع الزمني لأحداثها الميدانية عن ارتباط وثيق بين حضور هذا الإطار المؤسسي واستمراره من جهة، وبين مستويات الاستقرار النسبي في مدن كيدال وغاو وتومبكتو من جهة أخرى.

ومع تفكّك بنية الاتفاق اعتباراً من عام 2023 وانهياره الرسمي مطلع عام 2024، تحوّل هذا المسار إلى شاهد تجريبي على الفرضية ذاتها، فبانتفائه حصل تصاعد غير مسبوق في وتيرة الهجمات وأعداد الضحايا عبر الأقاليم الشمالية والوسطى للبلاد، مع امتداد دائرة العنف لتطال مراكز السلطة التقليدية جنوب مالي.

ويعد استدعاء هذا المسار، واستلهام الدروس منه، مجدياً في هذه الظرفية التي تتميز بعودة العلاقات بين الجزائر وباماكو، خاصّة وأن الملف الأمني في أقاليم مالي الشمالية، عند نقاط التماس الحدودية بينها وبين الجزائر، يعتبر أحد أبرز الملفات التي سيعاد طرحها على طاولة التعاون والتنسيق بين البلدين.

سياق التوقيع وصيغ الآليات المؤسسية

وقّع "اتفاق الجزائر" في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2015 كثمرة لسيرورة تفاوضية طويلة أعقبت ثلاث سنوات من صراع دامٍ اندلع إثر انتفاضة 2012، والتي أفضت إلى سيطرة حركات تارقية وعربية على شمال البلاد قبل أن تختطف تنظيمات إرهابية المبادرة.

تضمّنت وثيقة الاتفاق، المكـوّنة من ديباجة و7 عناوين و20 فصلاً و68 بنداً ملحقة بثلاث وثائق تكميلية، توزيعاً دقيقاً للالتزامات بين الحكومة المالية وائتلافي "تنسيقية الحركات الأزوادية" و"منصّة الجزائر"، وذلك برعاية جزائرية استندت إلى تراكم وساطات سابقة يعود أقدمها إلى "اتفاق تمنراست" عام 1991.

ونصّت الوثيقة على توسيع اللامركزية الإدارية مع دمج مقاتلي الحركات المتمردة في القوات النظامية، وتخصيص برامج تنموية لموازنة الفجوة بين شمال البلاد وجنوبها، وهو ما أثار في حينه مخاوف لدى بعض الأوساط السياسية المالية من أن يمهد هذا النهج لإنشاء "أقاليم-دول" تفكك الدولة المركزية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الفترة المحيطة بالتوقيع لم تخلُ من حوادث متفرّقة استهدفت قوات "بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعدّدة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي" (MINUSMA) في كيدال، أشهرها هجوم مارس 2015 الذي أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 14، وهجوم نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه الذي خلّف 3 قتلى و20 جريحاً.

إنّ الغرض من استدعاء هذه الوقائع، حتى وإن كانت محدودة النطاق، هو رسم مشهد الهشاشة الأمنية التي ولد الاتفاق في خضمها، وكيف ظلّ التهديد الإرهابي قائماً خارج مظلّة الاتفاق، مع استمرار هجمات بعض التنظيمات الإرهابية، كـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) التي تأسّست لاحقاً عام 2017.

الأثر الإيجابي لاتفاق الجزائر: ثمانية أعوام من الاحتواء النسبي للتهديد

تعدّ الفترة الممتدة بين عامي 2015 و2023 مرحلة نجح خلالها "اتفاق الجزائر" في إبقاء الصراع المباشر بين الحركات الموقّعة والدولة المالية ضمن حدود يمكن إدارتها عبر آليات مؤسسية متعدّدة.

فقد اعتمد الإطار على لجان متابعة مشتركة ودوريات مختلطة شملت عناصر من الجيش المالي والحركات المشكلة لائتلافي "تنسيقية الحركات الأزوادية" و"منصّة الجزائر"، إلى جانب آليات رقابية دولية بموجب قرارات مجلس الأمن. وقد حافظت مدينة كيدال، الرمز التاريخي للتمرد الأزوادي، على وضعية خاصّة خارج السيطرة المركزية الكاملة طوال هذه السنوات، بعد أن ظلت المعاقل الرئيسية للحركات الأزوادية فيها بعيدة عن قبضة القوات الحكومية. ومع ذلك، لم يؤدِّ وضعها ذاك إلى مواجهات واسعة النطاق تهدد بنية الدولة المالية نفسها، وهو ما يُحسب كنجاح لـ"اتفاق الجزائر".

ويُحسب لهذا الحشد المؤسّسي المنبثق عن الاتفاق، وإن لم يحقّق اختراقاً حاسماً في ملف المصالحة أو إدماج المقاتلين، نجاحه في تجميد معظم بنود المواجهة العسكرية المباشرة بين باماكو والحركات الأزوادية، مانعاً تحوّل الخلافات السياسية والإدارية إلى مواجهة مسلّحة مفتوحة طيلة ثماني سنوات متتالية، بالرغم من الانتقادات الواسعة التي كانت توجهها الحركات الأزوادية لحكومة باماكو، متهمة إياها بالتلكؤ في تنفيذ مضامين الاتفاق وبطء وتيرة إنجاز التزاماته الجوهرية.

2023: إرهاصات التصدع وتحولات في بنية النزاع

أعاد اندلاع الهجوم العسكري لقوات "فاما"، منذ صيف عام 2023، إحياء التمرّد المسلح للحركات التارقية والعربية، لكن هذه المرّة تحت راية "الإطار الاستراتيجي الدائم"، وهو تحالف أعلن عنه عام 2021 ضمّ، إلى جانب "تنسيقية الحركات الأزوادية"، فصائل من "منصّة الجزائر" التي كانت موالية للحكومة سابقاً، بهدف توحيد الجهود لتنفيذ اتفاق الجزائر.

غير أنّ هذا الإطار سرعان ما تحوّل إلى آلة حرب ضد حكومة باماكو على خلفية انهيار الثقة في المجلس العسكري الانتقالي الحاكم، بعد تعرض مواقع لحركات موقعة على "اتفاق الجزائر" لهجمات نسبت للجيش المالي في أغسطس/آب 2023، فكان ذلك حجّة لممثلي "الإطار الاستراتيجي الدائم" لمغادرة العاصمة باماكو، معلنين حالة الحرب مع المجلس العسكري في سبتمبر/أيلول من العام ذاته.

بعد هذه الواقعة بشهر واحد، أي في سبتمبر/أيلول 2023، شهدت مالي واحدة من أعنف الحوادث، حين شنّت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" هجوماً مزدوجاً على معسكر بامبا، وعلى قارب مدنيّ قرب قرية بانيكاني، أسفر عن مقتل 154 شخصاً، بينهم 15 جندياً من الجيش المالي، وفق تقديرات محلية، فيما رجّحت منظمات حقوقية أرقاماً تناهز 120 قتيلاً استناداً إلى شهادات ميدانية.

وكاستمرار لديناميكية التدحرج هذه، سقطت مدينة كيدال، المعقل التاريخي للأزواد، في نوفمبر 2023 بيد القوات الحكومية المالية، فكان ذلك بمثابة إعلان نهاية عقد كامل من خروج هذه المدينة عن السيطرة المركزية، ونذير تحوّل جذري في ميزان القوى على الأرض بين حكومة باماكو والفصائل الأزوادية. كما أحصت منصة "بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة" (ACLED) المتخصّصة في رصد النزاعات أكثر من 6000 قتيل في مالي خلال عام 2023 وحده، وهي أعلى حصيلة سنوية سُجلت منذ نشوب الأزمة عام 2012، صاحبها ارتفاع هائل قُدّر بـ38% في الوفيات الناجمة عن العنف السياسي عبر دول الساحل الأوسط.

الإعلان الرسمي عن "تقويض اتفاق الجزائر" وتفكك الإطار المرجعي

أذاع التلفزيون الحكومي المالي، في 25 يناير/كانون الثاني عام 2024، بياناً أعلن فيه المجلس العسكري الحاكم إنهاء العمل باتفاق الجزائر للسلم والمصالحة، محمّلاً الحركات الموقّعة والوسيط الجزائري مسؤولية ما وصفه بـ"أعمال عدائية".

عُدّ ذلك الإعلان تتويجاً رسمياً لسيرورة تصدع بدأت عملياً قبل أشهر على الأرض، منهياً آخر مرجعية قانونية ومؤسسية كانت تنظّم العلاقة بين باماكو وفواعل الشمال. ومنذ ذلك التاريخ، توالت معارك متجدّدة بين الجيش المالي وحلفائه من جهة، وقوات التحالف الأزوادي من جهة أخرى، حشد خلالها كل طرف جهوده ونفوذه من أجل السيطرة على أقاليم الشمال.

على نحو مواكب، أقدمت الفصائل المشكلة لـ"منصّة الجزائر"، المعروف عنها موالاتها للحكومة، على الانسحاب من "الإطار الاستراتيجي الدائم" وتأكيد دعمها "اللامشروط" للسلطات، فكان إعلانها ذاك إيذاناً بتعميق الشرخ بين الحركات المسلحة وفتح الباب أمام نمط من التحالفات اختلف عن ذلك الذي أسسّ لاتفاق السلم والمصالحة واستمر باستمراره.

عودة التهديدات ومنحنى التصاعد الموثق

تكشف منصة (ACLED)، للفترة الممتدة بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز 2026، عن أن 3435 شخصاً قضوا جراء هجمات مسلحة في مالي، مقارنة بـ2546 خلال الفترة ذاتها من عام 2024، أي بزيادة قُدّرت نسبتها بـ35% خلال عامين فقط من انهيار الاتفاق.

ولا شكّ أن هذا المنحنى التصاعدي الذي واكب نقض اتفاق الجزائر يجسد بوضوح الكلفة البشرية والأمنية المباشرة والفورية المترتبة على خرق الإطار المؤسسي الذي كان يستوعب الخلافات السياسية بين فواعل الشمال وحكومة باماكو، فبتمزيق الاتفاق لم تعد هناك خطوط حمراء تفصل بين أطراف النزاع، فكانت النتيجة عودة الاقتتال "الأهلي" في مالي على نحو أفرز فراغات أمنية استغلتها التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها (JNIM)، لاستعادة مكانتها وتوسيع نطاقات انتشارها ونفوذها وعملياتها.

ويعتبر شهر يونيو/حزيران 2025 الشهر الأكثر دموية في مالي منذ إلغاء "اتفاق الجزائر"، بعد أن شهد عمليات مكثفة لقوات "فاما" وحلفائها، مقابل حصار متواصل فرضته (JNIM) على عشرات البلدات وسط البلاد وشمالها، امتد لاحقاً إلى إقليمي كايس ونيورو غرباً.

بيد أن التحوّل الأكثر خطورة حصل أواخر أبريل 2026، حين شنت (JNIM)، بالتعاون مع "حركة تحرير أزواد"، هجمات منسقة استهدفت مواقع حساسة بالقرب من العاصمة باماكو، بما في ذلك منشأة كاتي العسكرية ومنزل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الذي أُعلن مقتله عقب تلك الهجمات. كانت الأخيرة إعلاناً عن انتقال ساحة الحرب من "الأطراف" إلى "مركز" السلطة السياسية، بعدما ظلت طيلة سنوات تطبيق "اتفاق الجزائر" محصورة في المناطق الحدودية النائية.

ناهيك بهذا، أتت هجمات أبريل/نيسان بمؤشرات إضافية على الانهيار الكليّ لحدود الصراع التي رسمها الاتفاق، فإن كانت (JNIM) قد ظلت خارج مظلّة الاتفاق منذ أن تأسّست عام 2017، فإنها، بمجرد أن استشعرت الفراغ المترتب على انهياره وانبعاث العداوات بين الأزواد وباماكو مجدداً، اقتنصت الفرصة وبنت تحالفاً ميدانياً مع الفاعلين الانفصاليين في الشمال، فكانت النتيجة التقاء أجندتين مختلفتين؛ إرهابية وانفصالية، تحملان هدفاً مشتركاً يتمثل في إنهاك الجيش المالي والإجهاز عليه.

بلغ هذا التحالف ذروته في 4 يوليو/تموز 2026، حين نفذ الطرفان هجمات منسقة استهدفت مدناً متعدّدة شمال مالي ووسطها في آن واحد، مسّت مواقع عسكرية في مدن رئيسية مثل غاو وسيفاري. وفي أثناء هذا، كانت (JNIM) قد فرضت حصاراً على العاصمة باماكو منذ سبتمبر/أيلول 2025، أثّر بشدة على نقل السلع الأساسية والوقود وأجّج المخاوف من أزمة إنسانية في مالي.

ما بعد انهيار اتفاق الجزائر: أي درس يُستلهم؟

يمنح التسلسل الزمني، الممتد من توقيع 2015 إلى غاية تصعيد 2026 مروراً بانهيار "اتفاق الجزائر"، سنداً تجريبياً قوياً لفرضية العلاقة السببية بين وجود إطار تفاوضي مؤسسي بين فواعل الشمال وحكومة باماكو من جهة، وانضباط دورة العنف في شمال مالي، وإن كان هذا الانضباط نسبياً ومحدوداً، من جهة ثانية.

لقد مثّل "اتفاق الجزائر"، طوال ثماني سنوات، منصةً سياسية احتوت المواجهة المباشرة بين الدولة والحركات الموقّعة، مانعاً تحوّل الخلافات إلى نزاعات أو حرب شاملة. بيد أنّ هذا الجدار لم يكن متيناً بما يكفي لاستيعاب تمدّد التهديدات الإرهابية، أو لتثبيت أسس المصالحة الوطنية؛ بل كان أشبه بمنطقة عازلة استُغلت لإدارة الصراع دون أن تحله، طالما أنّ تطبيق بنوده لم يصل إلى ما أُريد له لحظة التوقيع عليه. ومع ذلك، فإنّ غياب هذا الإطار، منذ مطلع 2024، أفرز وضعاً أسوأ من الهشاشة التي ميزت فترة تطبيقه، فبانهياره كُسرت خطوط الفصل بين قنوات النزاع المتعددة، وعادت الأجندتان الانفصالية والإرهابية لتتحالفا مجدداً وتبلغا عتبة استهداف العاصمة نفسها، مع تسجيل أعلى الأرقام في عدد الضحايا منذ بداية الأزمة.

إنّ الدرس الجوهري الذي تقدمه هذه القراءة هو أن تفكيك "اتفاق الجزائر" كإطار مؤسسي استوعب الخلافات المالية-المالية طيلة ثماني سنوات، مهما كانت حدود فعاليته، قبل توفر بديل يعادله متانةً ورسوخاً، يمكن أن يفتح الباب أمام فوضى أوسع وأعنف وأكثر تعقيداً. ربما لم يصنع الاتفاق حلماً، لكنّ غيابه صنع حتماً كابوساً.

وعليه، فإنّ أيّ مقاربة مستقبلية لإدارة أزمة الساحل ينبغي أن تستلهم من تجربة "اتفاق الجزائر" والمقاربة التي انطوى عليها، بوصفها دليلاً على كلفة الفراغ المؤسسي، وبرهاناً على أهمية الحفاظ على خطوط التواصل بين الفرقاء مهما تباعدت المسافات بينهم ومهما كانت تلك الخطوط هشّة، طالما أن البدائل غير جاهزة، لأن الإطار الجامع، في بيئة متعددة الأطراف والفاعلين، حتى وإن كان ناقصاً، يبقى أداة ضرورية تجنب انزلاق النزاع إلى حافة الهاوية.