معادلة الشعب والمقاومة بين الثابت والمتغير

المقاومة الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني والصراع مع الاحتلال البريطاني ثم الصهيونية، مشروعاً وحركةً ودولةً، كانت وما زالت ضرورية للحفاظ على الوجود الوطني والهوية الوطنية للشعب الفلسطيني.

0:00
  • قلب معادلة الشعب والمقاومة بجعل المتغير ثابتاً والوسيلة هدفاً والفرع أصلاً.
    قلب معادلة الشعب والمقاومة بجعل المتغير ثابتاً والوسيلة هدفاً والفرع أصلاً.

تبلور الوجود الوطني للشعب الفلسطيني ببُعديه العربي والإسلامي وهويته الوطنية المعاصرة من خلال الصراع مع الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني، وهو الصراع الذي شكّل تهديداً جذرياً لوجود وهوية الشعب الفلسطيني، التهديد الذي عمّق وعي الشعب الفلسطيني بذاته الوطنية، فأدرك أهمية الحفاظ على وجوده وهويته بالمقاومة، فآمن الشعب الفلسطيني بالمقاومة كمبدأ ينطلق من حقه الطبيعي والإنساني والقانوني في الدفاع عن النفس وتقرير المصير، ومن واجبه الوطني والديني والأخلاقي في رد العدوان وطرد الاحتلال، وجسّد الشعب الفلسطيني مبدأ المقاومة كممارسة من خلال ثوراته الشعبية وكفاحه المسلح ونضاله السياسي وبواسطة أُطره الوطنية وحركاته المقاومة.

المقاومة الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني والصراع مع الاحتلال البريطاني ثم الصهيونية، مشروعاً وحركةً ودولةً، كانت وما زالت ضرورية للحفاظ على الوجود الوطني والهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي المقابل كانت وما زالت ضرورية لبلورة ملامح الوجود الوطني وسمات الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني. وإضافة إلى هذا الدور المزدوج للمقاومة الفلسطينية فقد شكلت العقد الناظم للوحدة الوطنية، والعمود الفقري للأُطر الوطنية، والروح المحركة للثورات الشعبية، والمبرر الجوهري لنشأة حركات المقاومة، والسمة الأبرز التي تمنح الشرعية للقادة الوطنيين.

الشعب كوجود وهوية، والمقاومة كمبدأ وممارسة، هما الشيء الثابت في معادلة الشعب والمقاومة، وما عدا ذلك متغيرات أبدعها الشعب الفلسطيني عبر مراحل الصراع المختلفة مثل الثورات الشعبية ومنها: ثورة البراق (1929م)، والثورة الفلسطينية الكبرى (1936م)، وانتفاضة الحجارة (1987م)، وانتفاضة الأقصى (2000م). ومثل الأُطر الوطنية ومنها: المؤتمر العربي الفلسطيني (1919م)، واللجنة العربية العليا (1936م)، والهيئة العربية العليا (1946م)، ومنظمة التحرير الفلسطينية (1965م).

ومن المتغيرات التي أبدعها الشعب الفلسطيني وسائل وأدوات المقاومة التي تراوحت بين المقاومة الشعبية والمقاومة المسلحة، ومنها: العصيان المدني، والإضرابات العامة، والمظاهرات الجماهيرية، وإلقاء الحجارة والزجاجات الحارقة، وإطلاق الرصاص والقذائف، وتفجير القنابل والعبوات، وإطلاق الصواريخ. وأفرز الشعب الفلسطيني الكثير من القادة الوطنيين وقادة المقاومة، منهم: عارف الدجاني، وعز الدين القسام، وأمين الحسيني، وعبد القادر الحسيني، وأحمد حلمي، وأحمد الشقيري، وياسر عرفات، وجورج حب، ونايف حواتمة، وأحمد جبريل، وفتحي الشقاقي، وأحمد ياسين.

ويقف على رأس متغيرات معادلة الشعب والمقاومة حركات المقاومة الفلسطينية لدورها الجوهري في مسيرة النضال الوطني وقيادة الحركة الوطنية وإدارة دفة المقاومة، وقد أبدع الشعب الفلسطيني خلال مراحل الصراع المختلفة العديد من حركات المقاومة، منها قبل النكبة: منظمة الكف الأخضر، وجماعة القسام، ومنظمة الجهاد المقدس. ومنها بعد النكبة: حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ومنها بعد خروج المنظمة من بيروت: حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ولجان المقاومة الشعبية.

حركات المقاومة الفلسطينية - رغم أهميتها الوطنية والسياسية الكُبرى- وبهذا الفهم الثابت والمتغير في معادلة الشعب والمقاومة، فإنها تقع في الكفة المُتغيرة من المعادلة، بمعنى أنها وسائل متغيرة ومتجددة أبدعها الشعب الفلسطيني لممارسة مبدأ المقاومة كوسيلة لتحقيق أهدافه الوطنية المُلخصة في التحرير والعودة والاستقلال، وكونها وسائل متغيرة ومتجددة فهي تخضع لقانون التدافع والاستبدال التاريخيين كلياً أو جزئياً داخل حراك الثورة الفلسطينية في كل المراحل التاريخية للصراع الوجودي والكفاح الوطني.

وعي هذه الخريطة الإدراكية لمعادلة الشعب والمقاومة يخلق فهماً صحيحاً للعلاقة بين الشعب ومقاومته من جهة وحركات المقاومة من جهةٍ أُخرى، بمنطق أنَّ الشعب هو المقاومة أو الشعب له مقاومة، فالأصل الثابت هو الشعب كوجود وهوية والمقاومة كمبدأ وممارسة، والفرع المتغير هي حركات المقاومة، وأيَّ قلب للمعادلة بجعل حركات المقاومة في الفئة الثابتة من المعادلة، فهذا يقودنا إلى منطق أنَّ حركات المقاومة هي الشعب أو حركات المقاومة لها شعب، فتتحول الحركات أو الحركة إلى أهداف أو هدف وليس وسائل أو وسيلة.

وهذا الفهم المعكوس لمعادلة الشعب والمقاومة يقودنا إلى منطق (القبيلة الأفضل) فترى الحركة في نفسها الشعب، أو منطق (الحزب الأوحد) الذي يرى في نفسه الوطن، أو بمنطق (الفرقة الناجية) التي ترى في نفسها الإسلام، أو بمنطق (جماعة المسلمين) التي ترى في نفسها الأمة.... وعند ذلك الحد من انتفاخ الذات الحركية وتضخم النرجسية الحزبية تصبح أهداف ومصلحة الحركة هي أهداف ومصلحة الشعب أو الوطن أو الإسلام أو الأمة أو جميعهم، وتصبح تحقيق أهداف ومصالح الحركة أو مجرد وجودها في كل مراحل الصراع السابقة والتالية هو مقياس النصر والهزيمة ومعيار المصلحة والمفسدة.

قلب معادلة الشعب والمقاومة بجعل المتغير ثابتاً والوسيلة هدفاً والفرع أصلاً... يؤدي إلى تجاهل قانوني التدافع والاستبدال كسُنن حاكمة لمسار التاريخ وتواصله وتطوره، ما يؤدي إلى تشوّه معرفي وخلل إدراكي يُرسّخ مفهوم (نهاية الثورة) كاستنساخ من نظرية (نهاية التاريخ)، بمعتقداتها المُنظّرة لثبات التاريخ، وجمود التطور، وتوقف التدافع، ونهاية الاستبدال، عند لحظةٍ تاريخية مريحة لمن يتربع على قمة المشهد الحضاري في نظرية (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، أو على قمة المشهد الثوري في مفهوم (نهاية الثورة والثائر الأخير)، وكلاهما في الحقيقة يتربعان على قمة جبل الوهم وعلى وشك السقوط إلى سفح الجبل حيث سيصطدمان بصخرة الحقيقة، الحقيقة التي إمّا أن تعيدهما إلى مسار التاريخ والثورة أو تُلقي بهما إلى رصيف التاريخ والثورة، ويبقى الشعب ومقاومته.