متى يتصدع جدار التحالف الإسرائيلي- الأميركي في العدوان على إيران؟

أكاذيب ترامب وتناقضات تصريحاته المتلاحقة، لن يكون بمستطاعها تدجين الداخل الأميركي طوال الوقت، خاصة إذا استمر الصمود والتماسك الإيراني، وتعزز بمزيد من العناد مع إيقاع خسائر بشرية أميركية واقتصادية إضافية.

  • يشعر الأميركيون بغالبيتهم أنهم يخوضون حرباً لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
    يشعر الأميركيون بغالبيتهم أنهم يخوضون حرباً لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

"حلفاء في الحرب" عنوان كتاب للمؤرخ البريطاني تيم بوفيري، ظهر على طاولة رئيس الحكومة الإسرائيلية؛ بيبي نتنياهو في أول كلمة له بعد اندلاع الحرب على إيران، في إشارة حملت أبعاداً رمزية لطبيعة العلاقة الإسرائيلية- الأميركية، وطبيعة المواجهة مع إيران باعتبارها شأناً يخص حليفين دوليين، ليس فيها تابع أو رئيس، ولم يكد يمر أسبوع على الحرب حتى بدأت تصدر من أميركا إشارات تظهر فيها بداية تصدع في جدار هذا الحلف.

يمكن رؤية بداية تصدع الحلف الأميركي- الإسرائيلي في العدوان على إيران، على المستوى الرسمي من خلال عدم مشاركة الأميركي للإسرائيلي في حقيقة تحالفية العلاقة بينهما، وهو ما جاء على لسان ترامب أنه سيتشاور مع نتنياهو لكنه هو وحده من يقرر مصير الحرب، إضافة إلى الخلاف بينهما حول قصف مخازن النفط في طهران، والأهم حول المدى الزمني للحرب وهدفها الحقيقي، في وقت بدأ فيه مستشارو ترامب ينصحونه بوضع خطة للخروج من الحرب.

 وهذا التصدع في جدار التحالف الإسرائيلي- الأميركي قابل للرأب بين فريقيّ الحكم في "تل أبيب" وواشنطن، وهما في الحقيقة قد يختلفان فقط في إدارة الحرب ووجهتها كونهما في الجوهر فريقاً واحداً، غير أن هناك عوامل أخرى تهز الوسط الأميركي بعنف بما يتجاوز البيت الأبيض، وهي عوامل أميركية بينية مرشحة للتصاعد ويمكنها في ظل ظروف متشابكة أن تجعل حلف الحرب ينهار، فما هي هذه العوامل؟ وكيف لن يكون بمستطاع ترامب واللوبي اليهودي في أميركا أن يحتويها؟

"بينما يضحي الجنود الأميركيون يوميًا بحياتهم لحماية حرية  المواطنين وأمنهم، من الضروري أن نتمسك بمبدأ المساواة والمسؤولية المشتركة في الخدمة، أبناء وبنات الأميركيين العاديين يُستدعون للخدمة والتضحية عندما تواجه الأمة تهديدات في الخارج، خاصة في مناطق مثل إيران، لكن خدمة الوطن يجب ألا تقتصر على عامة الناس فقط، بل يجب أن يشارك فيها أيضًا أبناء العائلات النافذة، لذلك ندعو إلى أن يسير بارون ترامب في هذا الطريق النبيل ويقف إلى جانب الجنود الأميركيين الذين يدافعون عن مستقبل البلاد". هذا نص عريضة أميركية يوقع عليها الأميركيون، في تعبير ساخر عن مزاج الشارع الأميركي الرافض للحرب على إيران.

 ينبض الشارع الأميركي بغزارة في معارضة الحرب على إيران، وقد تكامل ذلك عبر مستويات متشابكة ما يعزز الضغط على الرئيس الأميركي ترامب، لوضع حد للعدوان على إيران، خاصة أن هذا الضغط المتصاعد بدأ يدفع ترامب للوقوع في تناقضات أكثر حدة، ويظهر ذلك في تصريحاته التي تفيد تارة بقرب انتهاء الحرب، وتارة أخرى أنها حرب طويلة.

يشعر الأميركيون بغالبيتهم أنهم يخوضون حرباً لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأن "إسرائيل" عبر رئيس حكومتها نتنياهو، هي من دفعت ترامب إلى خوض هذه الحرب، بعد أن سبق لها أن فشلت ضد إيران في حرب حزيران الماضي، والرغبة الإسرائيلية في دفع أميركا لمحاربة إيران عبارة عن خليط من خوف عميق يسكن النخبة السياسية في "إسرائيل" تجاه إيران، وطموحات نتنياهو في رؤية مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي لا يعارضه بشكل جدي سوى إيران ومحور المقاومة، إضافة إلى مصالح نتنياهو الشخصية في خوض حروب تشغل الداخل الإسرائيلي عن محاكمته، وتحميله مسؤولية الفشل في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

 تتصاعد المواقف الأميركية الشعبية ضد الحرب على إيران، وكذلك في أوساط النخبة السياسية الأميركية الرافضة للانسياق وراء الأطماع الإسرائيلية التي لا نهاية لها، والجديد في هذه المعارضة الأميركية أنها بدأت تعبر عن رأيها بصوت مسموع، وهو ما يتجلى فيما يلي:

أولاً: استطلاعات الرأي التي تظهر غالبية شعبية أميركية ضد الحرب على إيران، وقد جاء في أحدثها أن أكثر من 55% يعارضونها، في مقابل نحو 25% يؤيدونها، أما الباقون فغير مهتمين بالأمر. المعارضة هنا ليست مجرد موقف سلبي من الحرب، بل هي موقف يتطور تباعاً ليحمل معه تبعات جدية ضد السياسة الأميركية الراهنة.

ثانياً: حدّية المواقف الصادرة عن شخصيات شعبية مؤثرة، فالمؤثر الأميركي دان بيلزيريان، والذي يتابعه أكثر من 30 مليون أميركي لم يكتف برفض فكرة التطوع في الجيش الأميركي للقتال ضد إيران، بل جهر بصوت عال أنه سيتطوع فقط في الجيش الذي سيقاتل "إسرائيل" لينهيها من الوجود، بعد الفظائع التي ارتكبتها في غزة، ويظهر هذا الرفض الشعبي كذلك في موقف المؤثرة الأميركية لي ماكغوان التي اعتبرت أن هذه الحرب بلا خطة ولا هدف وليس لها مخرج واضح.

ثالثاً: موقف الحزب الديمقراطي الأميركي ضد الحرب على إيران، والذي جعله يتقدم بمقترح لحصر صلاحيات الرئيس في هذه الحرب، والذي تم رفضه في الكونغرس بأغلبية ضئيلة هي 219 ضد 212، وفي مجلس الشيوخ 53 عضواً ضد 47، ما يشير إلى مستوى حدية التجاذب، والحرب لم يكن مضى عليها عند التصويت سوى خمسة أيام، فكيف سيكون الحال عندما تتسع دائرة التحديات؟

رابعاً: ارتفاع أسعار النفط الجنوني، والذي يشغل بال المصانع الأميركية الكبرى، حيث تجاوز سعر برميل النفط عتبة الـ100$، وهو مرشح أن يصل 200$ بعد شهر من الحرب، وإن بدأ في مد وجزر عقب لجوء ترامب إلى رفع العقوبات عن النفط الروسي، وتصريحاته حول قرب انتهاء الحرب ومزاعمه عن مرور السفن عبر مضيق هرمز، ولن تلبث هذه الأكاذيب أن تسقط أمام الواقع في حال طال أمد الحرب، وهو المرجح، في وقت انفضحت فيه أكاذيب ترامب بزعمه مرور السفن عبر هرمز، إذ لم تمر سوى سفينة واحدة في  يوم تصريحه، وقد أطلق حرس الثورة مبادرة تفيد أنه سيسمح بمرور سفن أي دولة تقوم بطرد السفيرين الإسرائيلي والأميركي من أراضيها.

 وفي حال تواصل إغلاق مضيق هرمز، وهو المرجح، فإن ذلك سيعيق شحنات النفط السعودي والعراقي والخليجي أن تصل إلى المصانع الأميركية، ولن يكون بالإمكان تعويض ذلك عبر النفط الفنزويلي الوسخ، ولا من خلال المخزون الاستراتيجي للنفط الأميركي، لأسباب فنية تتعلق بالوقت والإدارة والقدرة، إضافة إلى وجود عقود نفطية سنوية بين الشركات الأميركية والدول التي تمرر نفطها عبر هرمز، وفي حال استمرت الحرب لعدة شهور فإن الاقتصاد الأميركي سيدخل في ركود وتضخم، لن يتمكن المشرعون من تجاوز تأثيراتهما لعقود.

خامساً: يضاف إلى المخاطر التي تهز الأوساط الأميركية الشعبية والاقتصادية أن أسعار الوقود في أميركا شهدت ارتفاعاً بشكل هائل، حتى أنه في بعض المناطق ارتفع سعر غالون البنزين من 1$ إلى 3.57$ بعد أسبوع من الحرب.

سادساً: رفض بعض حكام الولايات للحرب، وخاصة حاكم مدينة نيويورك زهران ممداني، وحاكم ولاية كاليفورنيا غاڤن نيوسوم، وهما يجهران بذلك ويجيشان الشارع وبعض رجال السياسة والاقتصاد ضد الحرب.

سابعاً: مواقف بعض السياسيين الكبار الرافضة للحرب بشدة ممن لهم تأثير في الأوساط السياسية الأميركية؛ مثل: السيناتور الديمقراطي كرس مورفي والسيناتور الجمهوري راند بأول، وأيضا السيناتور الجمهوري مايك لي وعضو مجلس النواب الديمقراطي رو حنا، إضافة إلى مسؤولين سابقين ما زالوا يحتفظون بوزن كبير في النخبة السياسية الأميركية مثل جون بولتون، وإعلاميين مرموقين مثل توم كارلسون وجون أوليفر ونوام تشومسكي وتوم هاردي وراشيل مادو وكريس هاييس. 

وتأتي مناشدات الدول الخليجية لوقف الحرب، لتضاف في غير صالح مساعي ترامب ونتنياهو، وقد انضم إليها عشرات الدول الشرق أوسطية والعالمية، حتى وهي تقدم الدعم اللوجستي لأميركا، وهي مناشدات تصاعدت في ظل الردود الإيرانية الواسعة، وقدرتها على تحويل الضربات الأميركية- الإسرائيلية إلى حرب شاملة ومفتوحة، ما حوّل الدول الخليجية وغيرها إلى ساحات رماية إيرانية طوال ساعات اليوم، مستهدفة الوجود الأميركي في القواعد والفنادق والسفارات وحتى البيوت السرية، وقد ظهر عجز أميركا عن حمايتها وهي تنشغل في حماية "إسرائيل".

ولأن حبل الكذب قصير، فإن أكاذيب ترامب وتناقضات تصريحاته المتلاحقة، لن يكون بمستطاعها تدجين الداخل الأميركي طوال الوقت، خاصة إذا استمر الصمود والتماسك الإيراني، وتعزز بمزيد من العناد مع إيقاع خسائر بشرية أميركية واقتصادية إضافية، ما يضع ترامب أمام خيارين كلاهما صعب؛ أن يترك "إسرائيل" وحدها في مواجهة إيران كما سبق أن ترك الحرب على حكومة صنعاء لتواصل قصفها لـ"إسرائيل"، وإن كان الفارق كبيراً بين القضيتين، خاصة إذا نجح ترامب في تحقيق بعض الإنجازات الميدانية مثل احتلال جزيرة خرج أو السيطرة على مضيق هرمز أو الوصول إلى منشأة نووية إيرانية مثلاً، على صعوبة تحقيق إي من ذلك حالياً، أو أنه سيجد نفسه مضطراً لمواصلة الحرب خلف نتنياهو بهدف إسقاط النظام الإسلامي في إيران، وهو هدف بدا بعيداً منذ البداية، وهو آخذ بالتباعد مع كل ساعة إضافية في العدوان، خاصة بعد سلاسة انتخاب المرشد الجديد السيد مجتبى خامنئي، ومبايعته الواسعة التامة شعبياً ورسمياً.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.