مأزق الحوار الوطني في السودان: إعادة إنتاج الفرص الضائعة
يحتاج السودان إلى حوار وطني حقيقي، لكن الحوار ليس هدفاً في حد ذاته. فقيمة أي حوار تتحدد بقدرته على معالجة جذور الأزمات وبناء توافق وطني قابل للاستمرار، لا بمجرد جمع نخب صغيرة حول طاولة واحدة.
-
يعاني السودان من مشكلات القيادة - سواء في دوائر أجهزة الدولة أو القوى السياسية.
جاء الإعلان في 30 آب/ أغسطس المنصرم عن تشكيل لجنة تمهيدية للحوار الوطني في خضم تصاعد الحرب والانسداد السياسي في البلاد. غير أن هذا الإعلان، الذي تزامن مع حراك سياسي بشأن الحوار الوطني في الخرطوم بعد تحريرها وطرد متمردي الدعم السريع منها بحلول أيار/ مايو 2025، يحمل دلالة مهمة في سياق "حرب الشرعية" التي تشهدها الساحة السودانية.
فهي تعكس سعي أطراف إلى نزع الشرعية عن الداخل وحكومة الأمر الواقع المعترف بها دولياً من جهة، وإرساء شرعية بديلة من خلال فرض مجموعات سياسية محددة من جهة أخرى .لذا، فإن المسألة لا تتعلق بمجرد إطلاق مسار للحوار، وإنما صراع حول تمثيل السودان وصياغة مستقبله السياسي.
سياق مأزوم بشدة
إن مجرد طرح فكرة مستعصية وخلفية، مثل الحوار الوطني، من خلال لجنة تمهيدية أو تسييرية، يعكس عمق الأزمة في البلاد وتراكم الفشل على مدى عقود ما بعد الاستقلال. فقد انتهى ذلك ببلوغ السودان أنظمة سياسية هشة ومضطربة، وقيادات سياسية جشعة، ونخب فكرية هزيلة، وتحالفات سياسية انتهازية، فضلاً عن تفسخ اجتماعي وضائقة معيشة مع استشراء أوجه الفساد.
على صعيد التحركات الخارجية، جاء الشروع في خطوات عملية لحوار داخلي لمواجهة المسار الموازي الذي تقوده المجموعة "الخماسية" (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية، إيغاد). وفي السياق نفسه، سبق ذلك فشل "الرباعية" (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) التي تفككت في ضوء الصراع السعودي-الإماراتي، وتداعيات حرب الخليج بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل". إذ سبق وحدد البيان الصادر عن "الرباعية" في 19 أيلول/ سبتمبر 2025 سقفاً إماراتياً واضحاً لا يتحكم فقط في عملية الحوار الوطني، وإنما حتى في نظام الحكم الذي يتشكل بعد إنهاء الحرب والمجموعات التي يجب أن تحكم، مع الإقصاء التام لقوى الداخل وفي مقدمتها القوات المسلحة!
باختصار، سيُفشل أي حوار، خاصة الحوار المطروح داخلياً، إذا لم يركز بشكل جدي على توافق أوسع على قضايا بناء (أو إعادة بناء) الدولة على أسس مؤسساتية وسياساتية جديدة تقوم على معالجة أخطاء الماضي ومنع تكرارها. كما لن ينجح إذا اقتصر فقط على المحاصصة لتقاسم السلطة والثروة بين النخب السياسية بوضع اليد، بدلاً من شرعية انتخابية تعكس إرادة شعبية ذات مصداقية يمكن التحقق منها.
مجرد لجنة تمهيدية
يعكس الإعلان عن لجنة تمهيدية ووصفها بأنها "مبادرة التهيئة للحوار السوداني-السوداني" استمراراً لسلوك سياسي يفتقر للثقة والجدية، ويتنصل من تولي المسؤوليات الوطنية بشجاعة باللجوء إلى لجان تمهيدية أو تدابير انتقالية بدلاً من طرح حلول مباشرة للقضايا الوطنية. ويقود هذا النهج إلى تناسل لجان وهيئات متشعبة لا تفضي إلى نتائج مثمرة.
منذ الوهلة الأولى، لاقت اللجنة رفضاً ومقاومة واضحة، حتى وهي معنية بإجراءات تمهيدية، بحسب البيان الصادر عنها فإن "دورها ينحصر في التهيئة والتيسير والتشاور، ويهدف إلى تهيئة المناخ والاستماع إلى الأطراف حول شروط أي حوار شامل يُعقد داخل السودان، وبإرادة سودانية خالصة".
واستناداً إلى البيان نفسه، فإن دورها الخارجي مهم لإضفاء الشرعية والجدية، حيث جاء فيه: "تدعو المبادرة المجتمع الدولي إلى دعم جهود التهيئة والتشاور وبناء الثقة، واحترام الملكية السودانية لأي مسار حوار جاد، دون التدخل في مجرياته أو مخرجاته، احتراماً لإرادة السودانيين في صياغة مستقبلهم بأيديهم".
علاوة على ذلك، ورغم أن اللجنة ستضطلع بخطوات لـ"تهيئة مسار وطني مستقل للحوار السوداني-السوداني"، وتوفير ضمانات قانونية للمشاركين فيه، لكنها مع ذلك وجدت رفضاً من المجموعات التي تراهن على المسارات الخارجية التي ترعاها الرباعية والخماسية.
ويعد هذا النهج تجسيداً لـ"سياسات النخب" التي يسود فيها نفور عام عن سلوك طريق الديمقراطية الحقة، وتفضيل تسويات ومحاصصات نخبوية انتقالية، وتماهٍ واستقواء بالخارج، وتجنب الحلول الوطنية.
خلل في الأولويات
في ظل ضعف سيطرة الحكومة المركزية على مساحات شاسعة من الأراضي، وتآكل سيادة البلاد وانتهاكها، واستمرار التمرد الوحشي المدعوم خارجياً، فإن أي طرح حول ترتيبات سياسية لإجراء حوار وطني يمثل نوعاً من الخلل في ترتيب الأولويات الحاسمة في البلاد: أفيكون التركيز على هزيمة ودحر التمرد أم على ترتيبات سياسية ستظل منقوصة ومحل نقد ورفض حتى في معسكر الصف الوطني الداخلي؟
في حين تصرف مثل هذه التدابير السياسية عن التحدي الذي يتوجب التركيز عليه، وهو ردع العدوان الخارجي وأدواته المحلية، واستكمال رقعة استعادة الأمن والاستقرار واستعادة حكم القانون والنظام تحت سلطة أجهزة الدولة والحكومة المعترف بها دولياً، فإن الشروع في هذه الخطوة قد يزيد من حدة الانقسام السياسي والاستقطاب إذا تعذر تحقيق إجماع وتوافق وطني حقيقي، أو فشل في إنجاز عملية حوار وطني واسعة المشاركة والتمثيل والنتائج.
لا يعني ذلك أن الحوارات السياسية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بل إن المطلوب هو إجراؤها ضمن مسار متكامل يعالج الأمن، والسياسة، وإعادة بناء الدولة في آن واحد.
الداخل في مواجهة الخارج
لا يقتصر الصراع والانقسام بين مشروع الخارج والداخل، بل حتى داخل هذين المستويين توجد أيضاً صراعات وانقسامات تمنع تشكل بيئة سليمة لإجراء حوار وطني. فبينما رفضت المجموعات السياسية المُراهِنة على الدعم الخارجي فكرة الحوار في الداخل.
ونظراً لعدم واقعيتها وعدم جديتها، تعمد المبادرات الخارجية إلى تهميش أصحاب المصلحة الحقيقيين في الداخل، وتُسخَّر كأداة ضغط لتحقيق مصالح الأطراف الخارجية، وتصميم عملية سياسية نخبوية يسهل السيطرة عليها واختطافها، كما حدث في مرحلة ما بعد 2019 وحتى اندلاع الحرب في أبريل 2023.
علاوة على ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة أن القيادة الحالية تراهن بوضوح شديد على نيل رضا الخارج، وتنسج قراراتها وسقفها السياسي للسلطة في البلاد على هذا المنوال. بناء على ذلك، تندرج هذه الخطوة في إطار تحركات إقليمية داعمة لترتيبات سياسية جديدة تقوم على بناء حاضنة سياسية جديدة تضم مجموعات تدعم قيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للنظام الجديد.
وعطفاً على ما سبق أيضاً، فإن مسارعة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي للترحيب ودعم مسار الحوار السوداني-السوداني تعكس قناعة بأن مساري "الرباعية" و"الخماسية" ليسا مثمرين في نهاية المطاف عن أي حوار وطني حقيقي، ولن تتعدى نتيجتهما حدود المناكفات السياسية. وقد قُرِّظ الاتحاد الأفريقي الخطوة، ووفقاً لرئيس المفوضية فإن "هذه المبادرة تعزز خارطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار آلية اللجنة الخماسية ضمن استراتيجية متماسكة يقودها أصحاب المصلحة السودانيون".
إن حالة الرفض لبيان الاتحاد الأفريقي، والتي صدرت من بعض المجموعات المراهنة على الخارج، ربما تعكس خشيتها من أن الخماسية والمواقف الدولية الأخرى قد تعترف وتشرعن هذا المسار في مرحلة ما، وربما تعمل على إدماجه ضمن مراحل تخطيطها لعملية حوار سوداني-سوداني بملكية وطنية.
إن الحديث عن لا شرعية لأي حوار في الداخل ينطبق عليه نفس المنطق الذي يطبق على حوار الخارج. فمن دون الاحتكام إلى انتخابات تنافسية، فإن ادعاء شرعية تمثيلية احتكارية لفئة أو مجموعات سياسية محددة دون غيرها، أمر لا أساس منطقي له إطلاقاً. وحتى مع الاستناد إلى شرعية الداخل، يظل خطر الاختطاف والاختراق قائماً بشأن الحوار الوطني الداخلي، ما لم تترجم آليات الحوار الوطني إلى مؤسسات تمثيلية حقيقية تتمتع بالاستقلالية والقدرة على مناقشة المشكلات.
نحو حوار وطني بديل
بدلاً من طرح لجنة تمهيدية ستواجه عراقيل قبل بلوغ مرحلة حوار وطني شامل، وهي خطوة ستكون بمثابة قفزة في الظلام، ولتجنب تكرار التجارب السابقة وتحقيق الغايات المتوخاة، كان من الأوفق اللجوء إلى تكوين "مجموعة وطنية" على أساس الجدارة والمعرفية فقط بعيداً عن أي محاصصة حزبية، تضم مفكرين وأكاديميين على اطلاع على مشكلات البلاد وتجارب الأمم والدول تضطلع بتصميم إطار عام لعملية الحوار: من تحديد ماهية القضايا الوطنية وصولاً إلى هيكل ونتائج الحوار وآليات تنفيذه والإشراف على كافة مراحله.
على أن تضطلع هذه المجموعة المركزة بوضع خريطة للقضايا والأجندات والحلول المتوخاة من أي حوار جاد وحقيقي، بجانب آلية للاختيار والمشاركة والتمثيل تحقق العدالة والشمول والشعبية. ذلك أن ترك مهمة تصميم عملية الحوار لأحزاب وشخصيات حربية وتكتلات متنافرة تفتقر لحد أدنى من التوافق فيما بينها - كما أطياف المشهد الحالي - سيكون مجرد إضافة للوقت وهدر للموارد، وسيكون فرصة ضائعة أخرى، وربما يزيد من الاستقطاب والانقسام ويؤدي عملياً إلى مزيد من الانسداد السياسي ووصول جميع المبادرات على الساحة إلى طريق مسدود.
كذلك، وفي ضوء سيطرة الثرثرة والشفاهية لدى النخب السياسية التي تفتقر للأفكار الخلاقة للانتقال إلى مرحل جديدة، وإضافة إلى غياب التوثيق الجاد، فإن "المجموعة الوطنية" كنهج بديل- على النحو المشار إليه أعلاه - يتعين عليها إعداد تقرير كتابي أولي حول الحوار ليكون وثيقة للأجيال القادمة، حتى تكون قطاعات أوسع على اطلاع بالحوار وتوسيع النقاش حول قضاياه، بدلاً من أن تبقى عملية حزبية نخبوية. كما يتيح ذلك لمجموعات وقوى وفئات خارج المنظومات والقوى السياسية التقليدية المشاركة والإحاطة بهذا الحوار، ومن ثم تطوير أجندتها وطرح قضاياها بعيداً عن الجهويات والمناطقية.
خاتمة
يعاني السودان من مشكلات القيادة - سواء في دوائر أجهزة الدولة أو القوى السياسية - لا سيما مع موت السياسة واستحكام النزعات الجهوية والقبلية، وهو ما يكرس الفشل ويعوق أي نهوض فعلي للبلاد. ومع افتقار النخب لأدبيات وأخلاقيات الحوار والنقاش والقدرة على ابتكار حلول جادة، فإن طريقة الحوار الوطني على المطروح حالياً ستقود إلى مزيد من التشظي والتفسخ والفشل، نظراً لغياب القيادة التحويلية والابتكارية.
لذا يحتاج السودان إلى حوار وطني حقيقي، لكن الحوار ليس هدفاً في حد ذاته. فقيمة أي حوار تتحدد بقدرته على معالجة جذور الأزمات وبناء توافق وطني قابل للاستمرار، لا بمجرد جمع نخب صغيرة حول طاولة واحدة.
إجمالاً، ربما ينتهي الحوار الوطني المزمع داخل السودان، كما الحوار الآخر خارج السودان، إلى نتائج متماثلة: الفشل، إذا كان هذا الحوار مصمماً لنتائج محددة ومرسومة مسبقاً، أو يراد منه مخاطبة الخارج أو التماهي معه.
وعليه، بدلاً من أن يتحول الحوار الوطني إلى فرصة للأمام، قد يتحول تحت ظروف محددة إلى أزمة جديدة تضاف إلى أزمات البلاد الحالية. كما قد يكون أيضاً فرصة ضائعة أخرى ليثبت صحة المقولة: "لم يفوتوا فرصة لتفويت فرصة على أنفسهم".