ليبيا: الدستور ومعركة الشرعية بين الفرقاء

ما يحدث في ليبيا ليس مجرد خلاف إداري أو فني أو تقني طارئ على مفوضية الانتخابات ومهامها وصلاحياتها، بل هو امتداد لأزمة سياسية مستفحلة وعميقة، ولمعركة على النفوذ بين الفرقاء.

0:00
  • الأزمة في ليبيا ليست قريبة من الحل.
    الأزمة في ليبيا ليست قريبة من الحل.

كلما اجتازت ليبيا عقبة تعقدت عقبة أخرى، وما إن اقلع المشهد الليبي من مربع الانتخابات حتى عاد الجدل مرة أخرى، وهذه المرة عاد ملف الاستفتاء بشأن مشروع الدستور الليبي إلى واجهة الجدل السياسي بعد تبادل الاتهامات بين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وعدد من المكونات السياسية الليبية، في وقت يتواصل فيه الانسداد الدستوري الذي عطّل المسار الانتخابي منذ سنوات، وأبقى ليبيا رهينة مراحل انتقالية مفتوحة على المجهول وسط غياب توافق سياسي واضح متفق عليه بين الفرقاء.

وكلما تحرك الفرقاء نحو الاستقرار السياسي في ليبيا، يعود الجدل حول الدستور إلى واجهة المشهد؛ وبدلاً من أن يكون الدستور بوابة للاتفاق والتوافق والوحدة بين الفرقاء، بات أحد أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للانقسام، فبعد سنوات من إعداده وتعطيله، تصاعدت مجدداً الأصوات المطالبة بالاستفتاء فيه، في مقابل قوى سياسية ترى أن التوافق على القواعد الانتخابية أولى، وهو ما يعكس حجم الأزمة الدستورية التي تعرقل الوصول إلى مؤسسات منتخبة وشرعية.

تدحرج المشهد الليبي خلال الأيام الماضية نحو تصعيد جديد بين المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة، والمفوضية العليا للانتخابات، وذلك على خلفية تبادل الاتهامات بشأن تعطيل تنفيذ الاستفتاء بشأن مشروع الدستور، في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاس هذا الخلاف على المسار الانتخابي برمته.

بدأ التصعيد عقب بيان متلفز لتكالة، في الـ4 من كانون الثاني/ يناير 2025؛ حمّل فيه رئاسة مجلس النواب بقيادة عقيلة صالح، مسؤولية اتخاذ ما وصفه بإجراءات أحادية في ملف إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، مُعتبراً ذلك خرقاً للاتفاق السياسي الليبي، وتفاهمات بوزنيقة بالمغرب في الـ23 كانون الثاني/ يناير 2021، وتقويضاً لمبدأ التوافق في شغل المناصب السيادية، وعلى رأسها رئاسة وعضوية المفوضية العليا للانتخابات.

عطفاً على التراشق السياسي الحاصل، دخلت المفوضية العليا للانتخابات، وقدمت دفوعها في بيان تفصيلي مطوّل، مستعرِضةً كل الإجراءات التي قامت بها في سبيل الذهاب للاستفتاء في الدستور، بما في ذلك قانون الاستفتاء الصادر عام 2018، وقالت إنها أصدرت اللوائح التنظيمية وأدخلت عليها التعديلات التشريعية المطلوبة، ولكن تعثر الاستفتاء آنذاك حدث وفق رواية المفوضية العليا للانتخابات، بسبب مطالبة مجلس الدولة بوقف التنفيذ، ورفض حكومة الوفاق السابقة برئاسة فائز السراج توفير التمويل اللازم.

وأوضحت المفوضية أن التعديلات الدستورية اللاحقة، ولا سيما التعديل الثاني عشر لسنة 2022، ربطت استئناف الاستفتاء بتوافق سياسي وتعديل مشروع الدستور، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، مؤكدة أنها لم تتسلم حتى اللحظة أي نسخة معدلة من مشروع الدستور للشروع في الاستفتاء.

وقد كانت المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا أحد أكثر الأجسام المهنية احترامًا، بفضل إدارتها المحايدة لعدة استحقاقات سابقة. إلا أن تأجيل الانتخابات الرئاسية في كانون الأول/ ديسمبر 2021، وتصاعد الصراع حول القوانين الانتخابية، وضعا المؤسسة في قلب التجاذبات، وبدأت الأطراف المختلفة تتنازع السيطرة أو التأثير على قراراتها.

وفي مشهد سياسي معقد ومفتوح على كل السيناريوهات، ملمحه الأبرز التصعيد؛ تحوّلت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا من مؤسسة فنية محايدة إلى مركز صراع سياسي حاد، بعدما طفت على السطح خلافات حول إدارتها وولايتها القانونية ومهامها في المرحلة المقبلة. وبالتالي فإن هذه الخلافات الحاصلة لا تعكس فقط عمق الانقسام بين الأطراف الليبية، بل تهدد أيضاً ما تبقى من أمل للشارع الليبي واجتراح وحدة وطنية حقيقية تُجدد الشرعيات وتغادر ليبيا بموجبها الانقسامات الحاصلة والتراشق المتدحرج.

ويأتي هذا التصعيد بين الفرقاء في وقت يعكس فيه ملف الاستفتاء بشأن مشروع الدستور عمق الأزمة الدستورية والسياسية في ليبيا، حيث تتقاطع الخلافات بين المؤسسات المنتخبة والهيئات التنفيذية، وسط غياب آلية توافقية مُلزمة تضع حداً لتبادل الاتهامات. ومع استمرار التراشق السياسي، يظل المسار الدستوري معلّقاً في انتظار توافق سياسي شامل يفتح الطريق أمام استفتاء شعبي وانتخابات طال انتظارها.

هذا التراشق العلني الحاصل وتبادل الاتهامات والبيانات يعكس عمق الخلاف بين المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة من جهة، ومفوضية الانتخابات المدعومة من مجلس النواب من جهة أخرى، في ظل انسداد سياسي متواصل حول القاعدة الدستورية والمسار الانتخابي، وسط دعوات محلية ودولية متكررة لتغليب منطق التوافق، وتحقيق اختراق فعلي يُنهي المراحل الانتقالية، ويُمهد لانتخابات تحظى بالقبول والشرعية.

يُذكر أن مشروع الدستور الليبي قد أُنجز عام 2017 من قبل الهيئة التأسيسية المنتخبة؛ غير أن الخلافات السياسية والقانونية حالت دون طرحه للاستفتاء الشعبي، رغم دعوات محلية ودولية متكررة للإسراع في استكمال المسار الدستوري، باعتباره أساسا لأي انتخابات عامة. لكنه لم يُفعّل حتى اليوم، رغم إنجازه رسميًا. وقد اصطدم برفض قوى فاعلة، تشكك في بنوده أو تعتبره غير توافقي، ما جعله مادةً للصراع بدل أن يكون مرجعاً ومدخلاً للحل.

من يقرأ المشهد الليبي ويتابع حيثياته بموضوعية وعينٍ فاحصة، يدرك سريعاً أن الخلاف بين مجلسي النواب والدولة لم يعد عارضاً سياسياً فحسب، وإنما بات نسقاً مُتجذِّراً في سياق الأزمة الليبية، فكلما أقرّ البرلمان خطوة بادر المجلس الأعلى للدولة لإبطائها أو تفريغها من مضمونها، وكلما اتخذ الأخير قراراً سارع الأول إلى رفضه أو الطعن في شرعيته.

وما بين تراشق وتصعيد وتبادل للاتهامات، تُستدعى معركة الشرعية بين معسكرات الفرقاء، ففي حين يرى الفريق المؤيد للاستفتاء أن الدستور هو أساس بناء الدولة، ولا يمكن إجراء انتخابات أو تشكيل سلطة دائمة من دونه، يرى الفريق المُعارض أن مشروع الدستور الحالي يحمل ثغرات خطيرة ويخدم أطرافاً دون غيرها، ويدعون إلى تعديله.

 وبدلاً من التوافق على حل وسط يُرضي الأطراف كافة، يُزّج بالمفوضية العليا للانتخابات ويحتكم الفرقاء للانقسامات وتبادل الاتهامات، ليبقى المشهد الليبي مُعلّقاً على قارعة الانسداد السياسي ما بين التعقيدات والمماطلات الداخلية والأممية.

والسبب الحقيقي هو أن أي وصول إلى الحلول يعني خروج المكونات السياسية الليبية الحالية من المشهد وانتهاء دورها وانتفاء مصالحها. حتى البعثة الأممية لا يُمكن تبرئتها مما يحدث، لافتقار خارطتها إلى الواقعية وأدوات الإلزام والأطر الزمنية، ما جعل تعثرها متوقعاً وربما مطلوباً وبالتالي مستمراً.

ما يحدث في ليبيا ليس مجرد خلاف إداري أو فني أو تقني طارئ على مفوضية الانتخابات ومهامها وصلاحياتها، بل هو امتداد لأزمة سياسية مستفحلة وعميقة، ولمعركة على النفوذ بين الفرقاء؛ وهو ما يعني بأن الأزمة ليست قريبة من الحل، وأن المشهد سيبقى غارقاً في الانقسامات والاتهامات والتراشق؛ وإذا لم يُحسم الجدل حول الدستور، وإذا لم تغادر المكونات السياسية الليبية مربع التراشق والاتهامات والخلافات والانقسامات، فإنه لا يمكن بأي حال التحرك مستقبلاً نحو أي استحقاقات انتخابية تجدد الشرعية، لأنه سيكون مطعوناً في نزاهتها.

 والمطلوب الآن ليس إخراج المفوضية العليا للانتخابات من الجدل والانقسامات وإبقائها على الحياد والمهنية والموضوعية التي اتسمت بها، بل المطلوب هو توفير بيئة سياسية وأمنية وقانونية، تعيد الثقة إلى الشارع الليبي بقدرة الفرقاء، بمختلف برامجهم السياسية والاجتماعية، على اجتراح توافق على الدستور وعلى الذهاب لتنفيذ الاستحقاقات المطلوبة، لإخراج المشهد الليبي من الانقسامات والانسداد السياسي، لعلَّ ذلك يُعيد الثقة ما بين الشارع وبين الفرقاء. لأن استمرار الوقوف في مربع الجدل والخلافات، يُبقي ليبيا رهينة مرحلة انتقالية متوقفة وبلا أفق وبلا توافق، ومحكومة بمعركة الشرعية المزعومة بين الفرقاء.