كيف تواجه مصر والسعودية تمدد النفوذ الإماراتي؟
لا تعكس الخطوات المصرية والسعودية الأخيرة قطيعة مع الإمارات، بقدر ما تعكس سعياً واعياً لإعادة ضبط التوازن داخل المنظومة الخليجية والعربية.
-
مصر والسعودية بدأتا، كلٌ من موقعه، في رسم خطوط دفاع جيوسياسية ناعمة.
في السنوات الأخيرة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب محوري في إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة العربية، ولا سيما عبر التوسع الكثيف في قطاعات الموانئ، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ورؤوس أموال ضخمة، وشبكات نفوذ سياسية وأمنية ممتدة من القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط.
هذا الأمر بدأ بإثارة حفيظة بعض الدول العربية، وعلى رأسها مصر والمملكة العربية السعودية، نتيجة توظيف أبو ظبي لهذا التوسع في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية في أغراض جيوسياسية باتت تشكل أيضاً منصة لتوسع نفوذ "إسرائيل" الجيوسياسي. هذا ما يفسر قيام كل من القاهرة والرياض باعتماد خطوات لاحتواء التمدد الإماراتي في مجال الموانئ وخدماتها اللوجستية.
في هذا الإطار، يمكن أن نفهم رفض مصر بيع أسهمها في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات، كما يمكن أن نفهم قيام الرياض بإطلاق استثمارات ضخمة في موانئها في منطقة الخليج بغية منافسة موانئ الإمارات العربية المتحدة، وهو ما لا يصب فقط في إطار التنافس الاقتصادي بين القاهرة والرياض من جهة وأبو ظبي من جهة أخرى، بل يمتد ليكون صراعاً على السيطرة على الممرات التجارية وتوسيع دائرة النفوذ والتحكم في المناطق التي تعتبر عقداً لوجستية في منطقة الشرق الأوسط.
مصر في مواجهة الإمارات
في هذا الإطار، يمكن أن نفهم خلفيات قرار الشركة القابضة المصرية للنقل البحري والبري رفض العرض الإماراتي لشراء الحصة المصرية في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات بغية رفع حصة شركة "بلاك كاسبيان لوجستكس" التابعة لمجموعة موانئ أبو ظبي إلى 90% من رأسمال شركة الإسكندرية، علماً أن هذه الخلفيات لا يمكن فهمها من زاوية اقتصادية أو استثمارية فقط.
شركة الاسكندرية تمثل أكبر مشغل لمحطات الحاويات في مصر، وتدير مرفأين استراتيجيين في الإسكندرية والدخيلة، أي في قلب الساحل المصري على البحر المتوسط، وعلى واحد من أهم الشرايين التجارية المرتبطة بقناة السويس.
من منظور جيوسياسي، تدرك القاهرة أن قطاع الموانئ ليس مجرد قطاع ربحي، بل يعد أداة سيادية ترتبط بالأمن القومي المصري، وبالتحكم في تدفقات التجارة والطاقة والغذاء.
من هنا، فإن تمكين شركة إماراتية من السيطرة شبه الكاملة على أحد أعمدة البنية التحتية البحرية المصرية، يعني عملياً نقل جزء من القرار السيادي الاقتصادي المصري إلى جهة خارجية، في الوقت الذي تتحالف الإمارات مع "إسرائيل" التي يعلن رئيس وزرائها صراحة نيته تغيير الخريطة الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، بما فيها تقسيم الأقطار العربية وتهجير الشعب الفلسطينية من أرضه باتجاه سيناء وفصل هذه الأخيرة عن مصر.
كذلك، فإن رفض المصريين بيع أسهمهم في شركة الإسكندرية يأتي في سياق إعادة تقييمهم لحجم توسع الاستثمارات الخليجية، وخصوصاً الإماراتية، في قطاعات حساسة في الاقتصاد المصري وخطرها على الأمن القومي المصري. ومن ضمن هذه القطاعات الموانئ والأراضي الزراعية والأصول العقارية.
وعلى الرغم من الحاجة الملحة في مصر لجذب الاستثمارات الأجنبية والعملات الصعبة، فإن أصحاب القرار في هذا البلد بدأوا يتحفظون على الاستثمارات الأجنبية في بعض القطاعات الحيوية، ومن ضمنها شركة الإسكندرية لتداول الحاويات التي تحقق للاقتصاد المصري أرباحاً عالية، وتشكل مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، علماً أنها تمتلك حجم سيولة ضخمة.
ولا يمكن فصل هذا الموقف المصري الرافض لبيع أصول شركة الإسكندرية عن خشية القاهرة من الدور الجيوسياسي لأبو ظبي التي تتحرك ليس فقط على أساس أنها دولة مستثمرة، بل باتت تمتلك أجندة جيوسياسية تسعى لتوسيع دائرة نفوذها الإقليمي عبر السيطرة على الموانئ والمناطق المهمة استراتيجياً، لجهة كونها عقد مواصلات رئيسية، ومن جملة الموانئ التي باتت تسيطر عليها أبو ظبي عدن وبربرة وبور سودان، إضافة إلى موانئ عدة على السواحل الأفريقية الشرقية، إضافة إلى حضورها القوي في بعض الموانئ المصرية، عدا عن دورها الجيوسياسي المزعزع لاستقرار ليبيا والسودان والقرن الأفريقي، والتي تعتبر جميعها امتداداً للأمن القومي المصري.
السعودية في مواجهة الإمارات
في ما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، فقد ظهر التناقض جلياً بينها وبين الإمارات العربية المتحدة بعدما شنت الرياض ضربات ضد جماعة الحراك الجنوبي في جنوب اليمن المدعوم من أبو ظبي.
وقد باتت المملكة تنظر بعين الريبة إلى الدور الجيوسياسي الذي تؤديه الإمارات في منطقة الخليج والبحر الأحمر بالتكامل مع "إسرائيل"، وبما يؤثر سلباً في طرق الملاحة التي تستفيد منها الرياض لتصدير نفطها، ويعزز حالة اللااستقرار في بلدان محيطة بالمملكة في الوقت الذي تجاهر "إسرائيل" بخطتها لتقسيم اليمن والصومال والسودان والمشرق العربي، وحتى دعم حركات انفصالية في بلدان عربية أخرى. لذا، فإن المملكة ترى توسع دائرة أعمال أبو ظبي في الاستثمار في الموانئ كحلقة مكملة لدورها الجيوسياسي الذي بات يتناقض مع الأمن القومي السعودي.
من هنا، يمكن أن نفهم قيام المملكة بإطلاق برنامج استثماري ضخم في الموانئ السعودية الواقعة على شواطئ الخليج بقيمة تساوي نحو مليار دولار، وذلك عبر "الشركة السعودية العالمية للموانئ" المملوكة بنسبة 51% لصندوق الاستثمارات العامة السعودي. وتسعى المملكة من خلال ذلك لمنافسة الموانئ الإماراتية، وعلى رأسها ميناءي أبو ظبي وجبل علي.
وتندرج هذه الخطوة مباشرة في إطار "رؤية 2030" التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي، وتقليص الاعتماد على النفط، وبناء سلاسل إمداد وطنية مستقلة، لكن عدا عن البعد الاستثماري، فإن هذه الخطوة تحمل بعداً جيوسياسياً لجهة سعي المملكة العربية السعودية لتقليص الدور الذي تؤديه الإمارات في إعادة تصدير البضائع إلى السوق السعودية، وخصوصاً الرياض، التي لا تزال تعتمد حتى الآن وبشكل كبير على موانئ الإمارات كنقطة عبور رئيسية.
ويؤدي العامل الجغرافي عاملاً مقرراً في تركيز السعودية على الاستثمار في موانئها الشرقية، فميناء الدمام يبعد نحو 400 كيلومتر فقط عن الرياض، فيما يبعد ميناء جدة ألف كيلومتر عن الرياض. إضافة إلى ذلك، فإن من شأن تخلي السعودية عن الموانئ الإماراتية لمصلحة الاعتماد على موانئها الذاتية أن يخفف من الرسوم وأكلاف النقل البري نتيجة وجود شبكة سكك حديد متكاملة تربط الدمام بالرياض.
والجدير ذكره أن السعودية تخلت عن السعي لتقليد النموذج الإماراتي لمصلحة اعتماد نموذج سعودي يستند إلى إقامة بوابة سوقية تخدم اقتصادها الداخلي الضخم الذي يضم نحو 36 مليون مستهلك، وهو ما يعكس وعياً سعودياً بأن السيطرة على السوق هو الذي يعطي الأفضلية للموانئ، وليس تجارة الترانزيت التي تعتمدها الإمارات في إدارة موانئها أو الموانئ التي تسيطر عليها.
البعد الجيوسياسي
على الرغم من أن كلاً من مصر والسعودية لا تقومان بتنسيق مواقفهما لمواجهة تمدد النفوذ الإماراتي، فإن موقفي كل من القاهرة والرياض يبدوان متكاملين، وخصوصاً أنهما باتتا تدركان أن التوسع الإماراتي في الموانئ والخدمات اللوجستية بات يتجاوز حدود المنافسة الاقتصادية الطبيعية، ليصبح أداة نفوذ جيوسياسي قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. فالموانئ ليست فقط نقاط شحن وتفريغ، بل تشكل مفاصل تتحكم بحركة التجارة، وتمنح من يسيطر عليها قدرة على التأثير في قرارات الدول المرتبطة بها.
في حالة مصر، يرتبط هذا الإدراك بتاريخ طويل من الحساسية تجاه السيطرة الأجنبية على الممرات البحرية، بدءاً من تجربة قناة السويس في القرن التاسع عشر.
أما في الحالة السعودية، فيرتبط بطموح جديد لأداء دور مركزي مستقل في الاقتصاد العالمي، دون المرور عبر وسطاء إقليميين، مهما كانت علاقاتهم السياسية وثيقة. كما أن التطورات الأمنية، مثل أزمة البحر الأحمر والهجمات التي أثرت في الملاحة الدولية، أظهرت أهمية تنويع مسارات التجارة، ومنحت كلّاً من مصر والسعودية فرصة لإثبات قدرتهما على توفير بدائل عملية وآمنة، بعيداً عن الاحتكار الإماراتي لمسارات معينة.
ولا تعكس الخطوات المصرية والسعودية الأخيرة قطيعة مع الإمارات، بقدر ما تعكس سعياً واعياً لإعادة ضبط التوازن داخل المنظومة الخليجية والعربية.
التنافس هنا ليس صفرياً، لكنه بالتأكيد استراتيجي، ويعكس انتقال المنطقة من مرحلة "تقاسم الأدوار" غير المعلنة، إلى مرحلة أكثر وضوحاً في تحديد المصالح الوطنية وحدود النفوذ المتبادل.
في هذا السياق، يمكن القول إن مصر والسعودية بدأتا، كلٌ من موقعه، في رسم خطوط دفاع جيوسياسية ناعمة في مواجهة تمدد إماراتي اعتمد طويلاً على الفراغات الإقليمية. ومع تعاظم أهمية الموانئ وسلاسل الإمداد في الاقتصاد والسياسة العالمية، فإن هذا التنافس مرشح لأن يتعمق أكثر في العقد المقبل.