كيف انتهت الحرب؟

المقاومة في لبنان اقتنصت الفرصة واللحظة مع تجدّد العدوان على إيران، لأنها أرادت ترميم ما أمكن من التوازن الإقليمي، ومن ثمّ التوازن الوطني بالتبعية. وهي تراهن على الاستفادة من مخرجات الحرب ومحدّدات التفاهم بين أميركا وإيران.

0:00
  • انتهت الحرب. وهي لم تنته كما أرادت كل من أميركا و
    انتهت الحرب. وهي لم تنتهِ كما أرادت كلّ من أميركا و"إسرائيل".

تستهلّ المنطقة مرحلة جديدة بعد التفاهم الأميركي - الإيراني على وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في منطقة الشرق الأوسط. لن تعود الأمور كما كانت. سوف تتغيّر الكثير من المعادلات والتوازنات والتموضعات والاصطفافات والترتيبات الإقليمية. لقد انتهت الحرب. وهي لم تنتهِ كما أرادت كلّ من أميركا و"إسرائيل". وقد صمدت وبقيت إيران، وكذلك المقاومة في لبنان. لذلك، كان لا بدّ من الوصول أو التوصّل إلى تسوية أو تسويات سياسية، بصرف النظر عن مضمونها ومحتواها وسقوفها ومدياتها.

لم يعد يُجدي استمرار حالة الحرب مع انسداد أفق الحسم العسكري. وقد يصلح القول بأنّ التعايش السلمي في المنطقة والإقليم، بمعنى الهدنة التي قد تصل أو لا تصل إلى حدّ فضّ الاشتباك، بات سيّد الموقف ولا مفرّ منه، إلى حين تغيّر أو تبدّل الظروف والأوضاع والأحوال والموازين الدولية والإقليمية في يوم من الأيام.

وتبدو هذه المرحلة أو الفترة الزمنية طويلة نسبيّاً أو غير قصيرة. فقد ولّى إعصار الحروب والمعارك الذي استمر زهاء ثلاث سنوات، لتستقرّ الأمور على شيء جديد في المنطقة والبلد، ولو إلى حين، بانتظار تظهير ملامح ومعالم ومحدّدات ومفردات ما بعد هذه المواجهة الكبرى. الأمر الذي يشغل بال الكثير من عامّة الناس والرأي العامّ. فكيف انتهت هذه الحرب؟ وكيف ستكون المنطقة بعدها؟

لقد تمكّنت إيران من صدّ العدوان الأميركي - الإسرائيلي، واستطاعت إفشال أهداف هذا المخطّط المشترك. هي، بذلك، تكون قد تمكّنت من أن تفرض نفسها على القوى الإقليمية، في مقابل أميركا، ضمن إطار ميزان المعادلة الإقليمية والتوازن الإقليمي.

وهي، بالرغم من كلّ الخسائر البشرية والمادية، لم تنهزم في هذه المعركة. كما أنها أنجزت العديد من المكاسب أو المكتسبات، من مثل: فرض إنهاء الحرب في المنطقة بشروطها، أو لنقل وفقاً لرؤيتها؛ إحكام السيطرة على مضيق هرمز وإحداث التغيير بوضعيته القانونية؛ تقويض الوجود أو الحضور العسكري الأميركي في الإقليم، ولا سيما منطقة الخليج؛ تحييد قدراتها الصاروخية وتحالفاتها الإقليمية عن النقاش والتفاوض، وبالتالي الاحتفاظ بهذه الأوراق؛ الدفع باتجاه تحرير أصولها المالية والنقدية المجمّدة ورفع العقوبات وإنهاء الحصار... لكلّ ذلك، فإنّ جردة الحساب هذه، بالنسبة لإيران، تفيد بأنها تخرج من هذه الحرب أكثر قوة، بالمعنى السياسي وبالأفق الاستراتيجي، وأكثر قدرة على التأثير في مسار تبلور وتطوّر النظام الإقليمي.

في المقابل، تخرج أميركا من هذه الحرب في وضعيّة مختلفة من ناحية، عما كانت عليه قبلها. لقد خسرت الولايات المتحدة الأميركية هذه الحرب. هي لم تنهزم فيها بطبيعة الحال.  ولكنها فشلت فيها فشلاً ذريعاً، وذلك بالعودة إلى الأهداف التي كانت وضعتها لهذه الحرب وأعلنت عنها، من مثل: إسقاط النظام في طهران؛ القضاء على تجربة الثورة والجمهورية في إيران؛ تدمير القدرات النووية والصاروخية لإيران؛ تغيير النظام في إيران، أو تغيير سلوكه على الأقل لإخضاعه وضمان خضوعه؛ تفكيك تحالفات إيران الإقليمية؛ استئناف واستكمال عملية السيطرة والإطباق على منطقة الشرق الأوسط...

لكلّ ذلك، فإنّ جردة الحساب، بالنسبة لأميركا، تفيد بأنها لم تعد ولن تبقى كما كانت في المنطقة، من حيث الهيمنة الأحادية والاستئثار بالنفوذ، وذلك بالنظر إلى الاندفاعة الأميركية قبل هذه الحرب. وعليه، فإنّ واشنطن لم تتمكّن، وهي لن تستطيع، من تحقيق التغيير الجذري في المنطقة، وفقاً لرؤيتها هي، بالرغم من مقدار قوتها وسطوتها. ما يعني أنها، لناحية الهيمنة والتحكّم، ليست حتمية قدرية.

أما "إسرائيل"، فهي أصبحت مأزومة، ولا سيما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. هو في مأزق لا يجد السبيل للخروج منه. فبعد التفاهم الأميركي - الإيراني، يبدو واضحاً أنّ التوجّه العامّ لدى الأميركيين والإيرانيين هو التهدئة وعدم التصعيد وخفض التوتر، وصولاً إلى إنهاء الحرب في المنطقة. وقد يكون من مصلحة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل الانتخابات النصفية الأميركية، لأجله هو، وبقصد تأمين مصالح أميركا، وكذلك حماية وجود "إسرائيل" نفسها، التخلّي عن بنيامين نتنياهو، وربما التضحية به، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، في إشارة إلى احتمالية تفكيك تركيبة السلطة السياسية القائمة في "تل أبيب"، لأجل "إسرائيل" وأميركا، وبقصد الخروج من هذا المأزق وحالة المراوحة والجمود في ظلّ هذا الوضع الراهن (الستاتوكو).

لقد أخذ الوقت يضيق كثيراً. وقد استنفد الأخير الكثير من الوقت والكثير من الأوراق. مع ذلك، هو لم يصل إلى حيث كان يريد، بالرغم من استباحة آلة القتل الإسرائيلية. هكذا تجد "إسرائيل" نفسها مضطرة للتعايش مع فكرة بقاء إيران والمقاومة في لبنان.

الأمر الذي يشكّل تهديداً استراتيجيّاً للكيان الإسرائيلي، من وجهة النظر الإسرائيلية، وبحسب السردية الإسرائيلية... لكلّ ذلك، فإنّ جردة الحساب، بالنسبة لـ "إسرائيل"، تفيد بأنّ وضعيّتها الإقليمية، أو وضعيّتها الاستراتيجية في الإقليم، لم تعد كما كانت قبل الحرب.

هي خسرت رهانها على أميركا عبر هذه الحرب، أو لنقل أنّ أميركا خرجت من الحرب، ولن يكون بمقدور "إسرائيل" استئناف واستكمال الحرب وحدها بمواجهة إيران، وكلّ من معها في الإقليم، من المقاومة في لبنان، وكذلك في داخل فلسطين المحتلة، إلى العراقيين واليمنيين. فتتجه "إسرائيل" نحو شيء من الانكفاء، كي لا نقول العزلة، ويتخبّط مشروعها في تغيير منطقة الشرق الأوسط ونظامها الإقليمي.

وأما المقاومة في لبنان، فهي استعادت شيئاً من التوازن. هي تكبّدت الكثير من الخسائر والأضرار، وكذلك منطقة جنوب لبنان؛ ولكنّ الكلفة تبقى أقلّ بكثير من الحسابات والتقديرات والتوقّعات، فيما لو ربحت "إسرائيل" الحرب، وتمكّنت من القضاء على المقاومة وسحق الحزب، وربما إحداث التغيير الديموغرافي والجغرافي في لبنان، بحسب الأدبيات السياسية الإسرائيلية والأدبيات الإعلامية العبرية.

هي اقتنصت الفرصة واللحظة مع اندلاع الحرب وتجدّد العدوان على إيران، لأنها أرادت ترميم ما أمكن من التوازن الإقليمي، ومن ثمّ التوازن الوطني بالتبعيّة. وهي تراهن على الاستفادة من مخرجات الحرب ومحدّدات التفاهم بين أميركا وإيران...

لكلّ ذلك، فإنّ جردة الحساب، بالنسبة للمقاومة في لبنان، تفيد بأنها قد لا تكون مخطئة بالرهان على التحالف مع إيران بمواجهة "إسرائيل"، ولا حتى الاستفادة من مسار باكستان مع أميركا.

هكذا، يُفترض أن يؤدّي هذا الرهان وهذا المسار إلى وقف حرب "إسرائيل" على لبنان، بما فيه تثبيت وقف إطلاق النار، ومن ثمّ الانسحاب وإنهاء الإحتلال. وقد لا يكون ذلك بعيد المنال، وقد يقصر ولا يطول مداه الزمني. حينذاك، على المقاومة أن تتجه وتنتقل إلى ما بعد الحرب وحيّز العملية السياسية بمفرداتها وتحدّياتها المصيرية، بعد فشل الحرب نفسها والعملية العسكرية بتهديداتها ومخاطرها الوجودية.

انقلاب في المفاهيم

لقد طال الأمد الزمني لهذه الحرب. وهي لم تنتهِ بالضربة القاضية. لم يتمكّن أيّ من الأطراف المتصارعة فيها - لا "إسرائيل"، ولا أميركا، ولا حتى إيران، ومعها المقاومة في لبنان - من حسم الموقف العسكري بالقوة العسكرية. الأمر الذي يمكنه أن يفسّر سقوط الرهان السياسي على جدوى وفعّالية الخيار العسكري، أو لنقل تراجعه بالحدّ الأدنى، حتى وإن كانت هذه القوة مفرطة.

بهذا المعنى، فإنّ حدود هذا النمط وهذا المقدار من القوة العسكرية، لناحية عدم القدرة على إحداث التغيير السياسي، المطلوب أو المتوقّع، من شأنه أن يؤسس لانقلاب في الكثير من المفاهيم والأقانيم في العلاقات الدولية. وقد يبقى التهديد باستخدام أو استعمال القوة المادية أجدى وأنفع من اللجوء أو الركون إلى الاستخدام أو الاستعمال الفعلي والعملي، وبالتالي استهلاكها واستنفادها.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.