كوريا الجنوبية تتجه إلى آسيا الوسطى: ماذا يعني ذلك للشرق الأوسط؟

تقليص الاعتماد الكوري على النفط المستورد من الشرق الأوسط قد يترافق مع توسيع الاستثمارات والشراكات في المنطقة، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والصناعات المتقدمة.

0:00
  • تضع التحولات العالمية كوريا الجنوبية أمام حقيقة تتضح بصورة متزايدة.
    تضع التحولات العالمية كوريا الجنوبية أمام حقيقة تتضح بصورة متزايدة.

لم يعد أمن الاقتصاد الكوري الجنوبي يُقاس بقدرة المصانع على الإنتاج والتصدير وحدها، بل بقدرة الدولة على تأمين الموارد التي تُبقي هذه المصانع تعمل عندما تتعطل طرق التجارة وتشتد الأزمات.

ومن هذا المنظور، يكتسب التقارب بين سيؤول وآسيا الوسطى أهمية تتجاوز توسيع العلاقات الدبلوماسية؛ فهو يعكس محاولة لإعادة توزيع المخاطر المرتبطة بالطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد. وفي قلب هذا التحوّل، يقف الشرق الأوسط، الذي ظل ركيزة أساسية للاقتصاد الكوري، لكنه أصبح أيضاً مصدراً لقلق استراتيجي بسبب الحروب واضطرابات الملاحة. فهل تسعى سيؤول إلى تقليص مكانة الشرق الأوسط في استراتيجيتها، أم إلى تخفيف اعتمادها عليه مع تطوير طبيعة العلاقة معه؟

مراجعة الاعتماد

لعقود، استندت علاقة كوريا الجنوبية بالشرق الأوسط إلى تكامل اقتصادي واضح: تحتاج سيؤول إلى النفط والغاز، بينما تحتاج دول المنطقة إلى المنتجات الصناعية والخبرات الهندسية والتكنولوجية. لكن هذه المعادلة -على أهميتها- جعلت جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي الكوري مرتبطاً باستقرار منطقة لا تملك سيؤول تأثيراً حاسماً في تطوراتها الأمنية.

وقد كشفت اضطرابات الطاقة المرتبطة بالحرب على إيران كلفة هذا الاعتماد؛ ففي 23 أيلول/سبتمبر، أعلنت الحكومة الكورية خطة لخفض حصة الشرق الأوسط من واردات النفط الخام إلى 50% بحلول عام 2035، بعدما بلغت نحو 70% عام 2025، إلى جانب زيادة المخزون النفطي بنحو عشرين مليون برميل بحلول عام 2030. والمقصود هو خفض الحصة إلى 50%، وليس خفض الاعتماد بنسبة 50%.

وقبل الإعلان الكوري عن خطة خفض الاعتماد على الشرق الأوسط، اجتمع الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، مع قادة دول آسيا الوسطى في قمة ركزت بصورة خاصة على المعادن الحيوية والطاقة وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والاستثمار.

وأكد الرئيس الكوري خلال القمة الترابط المتزايد بين الاقتصاد والأمن، مستحضراً دور «طريق الحرير الكوري» في وصل الشرق بالغرب. وتكشف هذه المقاربة عن رغبة سيؤول في تحويل العلاقات الثنائية المتفرقة إلى شراكة أكثر انتظاماً وقدرة على خدمة احتياجاتها الاقتصادية طويلة الأجل.

تنويع المخاطر

ولا يعني تقارب سيؤول مع آسيا الوسطى أنها تتجه إلى الانسحاب من الشرق الأوسط أو استبداله بالكامل بمنطقة أخرى؛ فالمنطقة ستبقى مورداً أساسياً للطاقة وشريكاً اقتصادياً مهماً لسيؤول، وإنما تعمل كوريا الجنوبية على تغيير طريقة إدارة المخاطر، إذ لم تعد تريد أن يكون جزء كبير من أمن طاقتها مرتبطاً بمنطقة واحدة يمكن أن تتعرض لحرب أو اضطراب في الملاحة. وبذلك، ليست آسيا الوسطى بديلاً مباشراً عن الخليج، بل جزءاً من شبكة أوسع تريد كوريا من خلالها توزيع المخاطر. فكلما تعددت مصادر الطاقة والمواد الخام والشركاء الصناعيون، تراجعت قدرة أي أزمة إقليمية واحدة على التأثير بصورة حادة في الاقتصاد الكوري.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التوجه الكوري نحو آسيا الوسطى باعتباره انتقالاً من سياسة الاعتماد إلى سياسة تنويع الاعتماد؛ فالمسألة لم تعد البحث عن منطقة بديلة للشرق الأوسط، وإنما بناء شبكة من الشركاء والمصادر تجعل الاقتصاد الكوري أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات الجيوسياسية.

فأي تعطل في تدفقات الطاقة قد يرفع تكاليف الإنتاج، ويضعف القدرة التنافسية للصناعة الكورية، ويؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي. وقد تمتد تداعياته إلى الداخل عبر ارتفاع الأسعار وتزايد الضغوط المعيشية والاستياء الشعبي، بما قد يفاقم التوترات السياسية في بلد شهد أزمات سياسية سابقة. ومن هذا المنظور، يصبح تنويع مصادر الطاقة جزءاً من حماية الاستقرار الاقتصادي والداخلي، إلى جانب تأمين احتياجات الصناعة.

أمن المعادن

وتحمل المعادن الحيوية أهمية خاصة في هذا التحوّل؛ فبينما ارتبط اعتماد كوريا تاريخياً بالنفط والغاز، أصبحت المعادن المستخدمة في الصناعات المتقدمة والبطاريات والإلكترونيات والتكنولوجيا جزءاً متزايداً من حسابات الأمن الاقتصادي. وتمتلك دول آسيا الوسطى موارد كبيرة يمكن أن تدخل في هذه السلاسل، ما يجعل التعاون معها استثماراً في أمن الصناعة الكورية على المدى الطويل.

وهنا، لا تبحث كوريا عن شراء المواد الخام فقط؛ فقد طرح الرئيس «لي» خلال القمة فكرة الانتقال من مجرد استيراد الموارد إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة، تجمع بين الموارد الطبيعية والخبرات التكنولوجية والتصنيعية الكورية. وتشمل هذه العملية الاستكشاف والتعدين والتكرير والمعالجة، وصولاً إلى تصنيع المنتجات النهائية. وهذا تحوّل مهم في طبيعة العلاقة؛ فكوريا تريد ألا تكون آسيا الوسطى مجرد مصدر آخر للمواد الخام، بل جزءاً من شبكة إنتاج يمكن أن تساعدها على تأمين احتياجات صناعاتها المتقدمة.

وبالنسبة إلى دول آسيا الوسطى، يتيح التقارب مع سيؤول توسيع خياراتها الاقتصادية؛ فهي تحتاج إلى شركاء يساعدونها على تحديث الصناعة والبنية التحتية، وإلى علاقات تسمح باستثمار مواردها من دون حصر مستقبلها الاقتصادي في عدد محدود من القوى الخارجية. وفي هذه المساحة، تستطيع كوريا تقديم خبرات عملية تعزز جاذبيتها.

تحديات العبور

ومع ذلك، لا يمكن التعامل مع آسيا الوسطى بوصفها مصدراً خالياً من المخاطر؛ فدول المنطقة حبيسة (لا تطل على بحار مفتوحة)، ونقل مواردها إلى الأسواق الكورية يحتاج إلى بنية تحتية وممرات تعبر دولاً أخرى. وهكذا، قد تنخفض بعض المخاطر المرتبطة بالملاحة في الخليج، بينما تظهر تحديات تتعلق بالنقل البري والأنابيب والموانئ وبلدان العبور.

كما أن توسع سيؤول يجري في منطقة تتقاطع فيها مصالح الصين وروسيا وقوى أخرى. ومن المرجح أن تكون فرصها أكبر عبر شراكات تنموية متخصصة، بدلاً من محاولة تحويل حضورها الاقتصادي إلى منافسة سياسية مباشرة يصعب تحمّل أعبائها.

شراكة متجددة

أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يؤدي هذا التحوّل إلى إعادة صوغ العلاقة بدلاً من تراجع أهميتها بصورة شاملة. فتقليص الاعتماد الكوري على النفط المستورد من الشرق الأوسط قد يترافق مع توسيع الاستثمارات والشراكات في المنطقة، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والصناعات المتقدمة. ويعزز هذا الاحتمال سعي عدد من دول المنطقة -خصوصاً الخليجية- إلى تنويع اقتصاداتها وتوظيف التكنولوجيا لرفع الإنتاجية.

تضع التحولات العالمية كوريا الجنوبية أمام حقيقة تتضح بصورة متزايدة: البعد الجغرافي عن الصراعات لم يعد يحمي من تداعياتها، والتفوق الصناعي لا يضمن وحده الاستقرار. فالحروب التي تندلع بعيداً قد تعيد تشكيل الأولويات الوطنية وتختبر قدرة الحكومات على حماية مجتمعاتها. ولهذا، تكتسب التحركات الكورية معناها الأعمق بوصفها استعداداً لمرحلة تصبح فيها إدارة الاضطراب شرطاً لاستمرار النمو. والسؤال الحاسم هو مدى قدرة سيؤول على استباق الأزمة المقبلة، قبل أن تفرض عليها قراراتها.