كرد سوريا.. كيف غابت الشمس عن روجوفا؟

فجأة تحوّل مظلوم عبدي من جنرال يعرفه الجميع إلى مظلوم مصطفى عبدي بربطة العنق السوداء الذي سينساه الجميع قريباً، بعد أن عيّنه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع واستناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري المؤقت كمستشار في رئاسة الجمهورية.

0:00
  • الكرد.. عملية الدمج العسكري والأمني داخل المؤسسات السورية ما زالت مستمرة.
    الكرد.. عملية الدمج العسكري والأمني داخل المؤسسات السورية ما زالت مستمرة.

عندما التقى توم برّاك مع كلّ من مسعود البرزاني ومسرور البرزاني ومظلوم عبدي في أربيل في 17 كانون الثاني/يناير الماضي، كانت أجواء الاجتماع  مشحونة بالتوتر الذي كان واضحاً على ملامح المشاركين الكرد، حيث قيل إنّ برّاك هدّدهم وتوعّدهم بعد أن رفضوا أن يكونوا رأس حربة في المشروع الصهيو - أميركي ضدّ إيران والذي كانت واشنطن  و"تل أبيب" تعدّ له مسبقاً.

 فانتقم ترامب منهم عندما أضاء الضوء الأخضر للقوات الموالية لدمشق، والتي اجتاحت مواقع الكرد مما اضطرّها للانسحاب من معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها منذ أكثر من عشر سنوات.

 ولم يكتفِ الرئيس ترامب بذلك فهدّد وتوعّد الكرد عموماً لأنهم استولوا على الأسلحة والمعدات العسكرية والدولارات التي أرسلها لهم  ليقوموا بنقلها إلى كرد إيران على حدّ قوله.

وبعد أن أجبرت  واشنطن مظلوم عبدي للتوقيع على اتفاق 29 يناير، والذي يهدف لدمج كلّ المؤسسات الكردية شرق الفرات ضمن مؤسسات الدولة السورية التي وعدت بتشكيل ثلاثة ألوية كردية تضمّ مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردي باستثناء النساء منهن بحجة أنه ليس في الجيش السوري نساء.

ومع أنّ عملية الدمج الكردي العسكري منه والأمني داخل المؤسسات السورية ما زالت مستمرة فقد جاءت المفاجأة الكبرى عندما أعلن مظلوم عبدي عن حلّ قسد بكلّ أجهزتها العسكرية والأمنية والإدارية، ليكون ذلك نهاية الحلم الكردي في سوريا.

وفجأة تحوّل  مظلوم عبدي من جنرال يعرفه الجميع إلى مظلوم مصطفى عبدي بربطة العنق السوداء الذي سينساه الجميع قريباً، بعد أن عيّنه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع واستناداً إلى أحكام  الإعلان الدستوري المؤقت كمستشار في رئاسة الجمهورية، من دون أيّ إشارة إلى القضية الكردية، والتي قال عنها صديق أحمد الشرع، حسن الدغيم، "إنها غير موجودة أساساً في سوريا وإنّ عبدي ليس مستشاراً في أمور المكوّن الكردي في سوريا".

كما جاء قرار وزارة التعليم مخيّباً للآمال بعد أن اعترف باللغة الكردية كلغة وطنية وليست قومية أو اللغة الأم على أن يتمّ تدريسها في مدارس المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان وبمعدل ثلاث ساعات فقط في الأسبوع.

في الوقت الذي بدأ فيه النقاش عن الأسباب التي دفعت مظلوم عبدي للقبول بالشروط التي فرضها عليه الرئيس الشرع المدعوم من أنقرة وواشنطن وبشكل غير مباشر من أربيل أيضاً.

إذ فوجئ الجميع بالزيارة المفاجئة التي قام بها  رئيس إقليم كردستان العراق ناتشيروان البرزاني إلى دمشق في 3 آب/ أغسطس حيث التقى الرئيس الشرع وعبّر له عن تأييده لسياساته الخاصة بالملف الكردي في سوريا. ومع أنّ المعلومات تحدّثت عن علاقات تجارية ومصالح اقتصادية كبيرة بين عائلة البرزاني وأحد أشقاء الرئيس الشرع، إلا أنّ المصادر الكردية تحدّثت عن عدم ارتياح أربيل من المعلومات التي كانت تتوقّع للشرع أن يعيّن مظلوم عبدي نائباً لرئيس الجمهورية وإلهام أحمد نائباً لوزير الخارجية، وهو ما لم يتحقّق بالنسبة لعبدي وأحمد التي يبدو أنها ستكون خارج اللعبة السياسية تماماً.

وبعد أن أثبتت التطوّرات أنّ عبدي ورفاقه لم يتقنوا خفايا هذه اللعبة قبل وبعد أن تخلّت واشنطن عنهم،  وبعد أن وظّفتهم خدمة لمخططاتها ومشاريعها في سوريا خلال محاربة "داعش" عندما  كان أبو محمد الجولاني من قياداتها قبل 2015، ثمّ زعيماً للنصرة التي تعاونت مع أنقرة  في كانون الثاني/يناير 2018 عندما أطلقت عملية غصن الزيتون التي سيطر الجيش التركي خلالها  على عفرين، وفي 9 تشرين الأول/أكتوبر 2019 خلال عملية نبع السلام عندما سيطر الجيش التركي على الشريط الحدودي الممتد من تل أبيض إلى رأس العين، وكان كلّ ذلك بضوء أخضر روسي وأميركي مشترك.

ويبدو أنّ هذا الضوء كان موجوداّ  خلال الإطاحة بالرئيس الأسد وتسليم السلطة لأبي محمد الجولاني الذي كان في لوائح الإرهاب العالمية. في الوقت الذي كان فيه كرد سوريا يقاتلون هذا الإرهاب اعتباراً من 2015 عندما تمّ تشكيل قوات سوريا الديمقراطية بعنصرها الكردي الأساسي وتجاهل الأغلبية العربية شرق الفرات.

وهو ما استغلّته دمشق فدعمت العشائر العربية المنزعجة من سلوك الوحدات الكردية  ليكون ذلك بداية النهاية بالنسبة لقسد، وبالتالي وحدات حماية الشعب الكردية التي خسرت الدعم الأميركي والأوروبي خلال الأشهر القليلة المقبلة بعد أن رجّحت العواصم الغربية وخاصة واشنطن الرئيس إردوغان وهو حليف الشرع على كرد المنطقة.

وتخلّى الأميركيون عنهم مرة أخرى بعد أن تخلّوا في الماضي عن قاضي محمد مؤسس جمهورية مهاباد الكردية في إيران، ثمّ عن الملا مصطفى البرزاني ونجله مسعود البرزاني في العراق، وأخيراً عن عبد الله أوغلان الذي اختطفته  المخابرات الأميركية والموساد من كينيا وسلّمته لتركيا في 14 شباط/فبراير 1999.

ومع انتظار نتائج العدوان الصهيو - أميركي على ايران ولبنان مع استمرار الحديث عن سيناريوهات أميركية تحدّث عنها ترامب عندنا ناشد الشرع ليقاتل حزب الله في لبنان، وآخرون قالوا الشيعة في العراق أيضاً. يراهن الكثيرون على الثمن الذي قد يضطر الشرع لدفعه مقابل الدعم الأميركي له في موضوع الكرد، وربما لاحقاً الدروز بعد الاتفاق مع "تل أبيب" فيما يتعلّق بتفاصيل التعاون الأمني والعسكري المستقبلي بما في ذلك احتمالات انضمام دمشق للاتفاقيات الإبراهيمية.

ومع انتظار التطوّرات المحتملة في موقف دمشق العملي تجاه الكرد الذين أصيبوا بنكسة كبيرة بعد أن كانوا يحلمون بكيان مستقل مدعوم من واشنطن والعواصم الغربية، يستبعد الكثيرون للسلطات السورية أن تمنح  الكرد المزيد من المزايا العملية التي ستفقد معناها مستقبلاً بعد أن تسيطر الدولة السورية على كلّ المؤسسات والمناطق الكردية، وبالشكل  الذي يخدم الحسابات التركية الخاصة بسوريا والمنطقة عموماً.

على أن تبقى أنقرة صاحبة القول الأهمّ في القضية الكردية التي يبدو أنّ واشنطن أرادت أن يكون قرارها تركياً وسورياً وعراقياً بيد أنقرة التي منعت الشرع من الاعتراف لكردها بأيّ مكاسب عملية.

وهو ما ستفعله مع كرد تركيا إلا في الإطار الذي يخدم مخططات ومشاريع وحسابات الرئيس إردوغان، وأهمها ضمان الحصول على أصوات الناخبين الكرد مقابل الاعتراف لهم ببعض الحقوق الرمزية كما هو الحال في سوريا.

وهي أقلّ  بكثير من تلك التي حصل عليها الكرد في العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 حيث أصبح المرحوم جلال الطلباني أول رئيس كردي للعراق وعدد الكرد فيه أقل  بكثير من كرد تركيا.

وكانت تركيا وستبقى صاحبة القول النهائي في تقرير مصير الكرد بعد أن فشلوا في توحيد أنفسهم واختلفوا وأحياناً  تقاتلوا فيما بينهم فراحوا جميعاً ضحية المؤامرات الإقليمية والدولية، والتي يبدو أنّ الكرد لم يتعلّموا منها أيّ شيء لأنهم راهنوا دائماً على الطرف الذي خانهم بعد أن استهلك ضمائرهم وكرامتهم بل وحتى انتماءهم  القومي.