قمة شي وكيم... هل ما تزال الصين شريكاً لا غنى عنه لكوريا الشمالية؟

العلاقة بين الصين وكوريا الشمالية تمر بمرحلة إعادة تقييم صامتة، ولا يمكن قراءة مستقبل هذه العلاقة بمعزل عن الصراع الدولي الأوسع.

  • حظي الرئيس الصيني باستقبال رسمي وشعبي حافل في العاصمة بيونغ يانغ.
    حظي الرئيس الصيني باستقبال رسمي وشعبي حافل في العاصمة بيونغ يانغ.

في تحرك دبلوماسي يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي، توجّه الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية في زيارة هي الأولى منذ سبع سنوات، والأولى له خارج البلاد هذا العام.

وتأتي هذه الزيارة في لحظة تشهد فيها البيئة الدولية تحولات متسارعة، فيما تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ في شرق آسيا، الأمر الذي يمنح الزيارة أهمية خاصة تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين بكين وبيونغ يانغ.

حظي الرئيس الصيني باستقبال رسمي وشعبي حافل في العاصمة بيونغ يانغ، حيث عقد قمة مع الزعيم كيم جونغ أون تم خلالها التأكيد على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتطوير التعاون في مختلف المجالات.

كما شدد شي على التزام الصين بحماية المصالح المشتركة مع كوريا الشمالية واستمرار دعمها لها في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وعدم تراجعها عن دعم الزعيم كيم، في إشارة واضحة إلى تمسك الصين بالنظام في كوريا الشمالية في ظل سعي واشنطن إلى إسقاط أنظمة البلدان الأخرى، أو تولية أشخاص يتبعون لها كما حصل في فنزويلا، وكما سعت لتحقيقه في إيران.

وعلى المستوى الرسمي، جاءت الزيارة لإحياء الذكرى الخامسة والستين لمعاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة الموقعة بين البلدين عام 1961. وتكتسب هذه المعاهدة أهمية خاصة لأنها تتضمن التزامات متبادلة بتقديم الدعم العسكري في حال تعرض أي من الطرفين لعدوان خارجي، وهو ما يجعلها إحدى الركائز الأساسية للعلاقات الصينية الكورية الشمالية حتى اليوم. وهي اتفاقية تشبه إلى حد كبير المعاهدة التي وقعتها بيونغ يانغ مع موسكو عام 2024.

إلا أن البعد الرمزي للزيارة لا يخفي أهدافاً استراتيجية أعمق. فالصين تدرك أن موقعها التقليدي باعتبارها الحليف الأول والأكثر تأثيراً في كوريا الشمالية لم يعد أمراً مسلماً به كما كان في العقود السابقة. فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، شهدت العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ تطوراً غير مسبوق، سواء على المستوى السياسي أم العسكري، وهو ما أوجد معادلة جديدة في حسابات النفوذ داخل شبه الجزيرة الكورية.

فبعد سنوات طويلة اعتمدت خلالها كوريا الشمالية بشكل شبه كامل على الصين اقتصادياً وسياسياً، بدأت روسيا تستعيد موقعاً مؤثراً في بيونغ يانغ. وقد تُوّج هذا التقارب باتفاقيات دفاعية وتعاون عسكري واسع النطاق، فضلاً عن تبادل الدعم السياسي في مواجهة الضغوط الغربية. وبالنسبة إلى بكين، فإن تنامي الحضور الروسي في كوريا الشمالية يمثل تحدياً لنفوذها التقليدي، ويفرض عليها إعادة تنشيط علاقاتها مع حليفها التاريخي.

كما تأتي الزيارة في أعقاب القمتين اللتين جمعتا شي جين بينغ بكل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد شكل الملف الكوري الشمالي أحد الملفات الرئيسية في تلك اللقاءات، خصوصاً في ظل تنامي المخاوف الدولية من استمرار تطوير بيونغ يانغ لقدراتها النووية والصاروخية.

ومن المرجح أن واشنطن طلبت من بكين استخدام نفوذها للحد من طموحات كوريا الشمالية النووية، انطلاقاً من القناعة الأميركية بأن استمرار تطوير البرنامج النووي الكوري الشمالي قد يدفع دولاً حليفة للولايات المتحدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، إلى تعزيز قدراتها العسكرية بصورة غير مسبوقة، وربما إعادة النظر في سياساتها النووية مستقبلاً. والولايات المتحدة لن تكون الحليف الراعي الذي يكبح جماحهما. فقد شجعت إدارة ترامب سيول وطوكيو على تعزيز قدراتهما الدفاعية وتقليل اعتمادهما الأمني على واشنطن، مؤكدة على أولوية سياسة تتمثل في تقاسم الأعباء مع الحلفاء والشركاء.

لكن الصين تدرك في الوقت نفسه أن قدرتها على التأثير المباشر في قرارات كيم جونغ أون أصبحت أكثر محدودية مقارنة بالماضي. فبيونغ يانغ لم تعد تعتمد على بكين وحدها، كما أن امتلاكها شبكة أوسع من العلاقات والدعم الخارجي منحها هامشاً أكبر للمناورة السياسية والاستراتيجية.

وفي هذا السياق، قد تسعى الصين إلى لعب دور الوسيط في أي حوار مستقبلي بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، خصوصاً إذا عادت فكرة عقد قمة جديدة بين كيم جونغ أون ودونالد ترامب إلى الواجهة. فبكين لا ترغب في تكرار تجربة القمم السابقة التي جرت بعيداً عن دورها المباشر، وتسعى إلى ضمان أن تكون جزءاً من أي ترتيبات أمنية أو سياسية تخص مستقبل شبه الجزيرة الكورية.

وخلال قمة شي وبوتين جرى التباحث في الملف النووي لكوريا الشمالية، وأكدا دعمها لبيونغ يانغ وحمايتها من العقوبات والضغوط العسكرية الغربية، ورفضهما سياسة العزل الدبلوماسية مع تأكيد أولوية الحل السياسي لضمان استقرار شبه الجزيرة الكورية من دون التطرق بصورة مباشرة إلى نزع السلاح النووي.

وقبيل وصول شي إلى بيونغ يانغ، أرسلت القيادة الكورية الشمالية سلسلة من الرسائل السياسية والعسكرية الواضحة. فقد أعلنت عن منشأة جديدة يُعتقد أنها مخصصة لتخصيب اليورانيوم، كما كشف كيم جونغ أون عن تطورات في قدرات بلاده النووية والعسكرية، مؤكداً أن إنتاج المواد النووية العسكرية تضاعف خلال السنوات الأخيرة.

ولم تتوقف الرسائل عند هذا الحد، إذ أعلنت بيونغ يانغ خططاً لتطوير قدراتها البحرية وبناء مدمرة مدمرة بحرية تزن 10 آلاف طن وتطوير أسلحة سرية تحت الماء. وتحمل هذه الخطوات دلالات تتجاوز البعد العسكري، إذ تعكس رغبة كوريا الشمالية في التأكيد أنها أصبحت لاعباً يمتلك أوراق قوة مستقلة، وليس مجرد تابع لأي قوة إقليمية أو دولية.

كما جاءت تصريحات كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي وإحدى أبرز الشخصيات النافذة في النظام، لتؤكد أن البرنامج النووي لبلادها غير قابل للتفاوض أو التراجع. وقد عُدّت هذه التصريحات رسالة واضحة إلى الصين والولايات المتحدة معاً بأن بيونغ يانغ لن تقبل أي ضغوط تستهدف نزع سلاحها النووي.

وقد أصبحت عملية نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية صعبة مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ وجدت كوريا أن الأسلحة النووية توفر حماية حقيقية لها، لذلك أصبح السلاح النووي جزءاً من هوية الدولة بعد أن أعطى دستور البلاد في تعديلاته الأخيرة الحق لرئيس البلاد باستخدام السلاح النووي.

ورغم ذلك، لا تزال الصين تنظر بقلق إلى التوسع المستمر في البرنامج النووي الكوري الشمالي. فبكين تخشى أن يؤدي ترسيخ واقع كوريا الشمالية كدولة نووية إلى إطلاق سباق تسلح جديد في شرق آسيا، يدفع اليابان وكوريا الجنوبية إلى تطوير قدرات ردع أكثر تقدماً، بما قد ينعكس سلباً على الأمن الإقليمي والمصالح الصينية.

لدى الصين قلق من البرنامج النووي لكوريا الشمالية، وتخشى من الدعم الروسي لها، إذ إن موسكو تقبلت بواقعية براغماتية فكرة وجود كوريا شمالية نووية. وترى بكين أن العواقب المحتملة لحيازة بيونغ يانغ أسلحة نووية، قد تدفع اليابان وكوريا الجنوبية إلى تطوير برامج نووية خاصة بها، لذلك قد تكون الصين حريصة على استئناف محادثات نزع السلاح النووية مع بيونغ يانغ حتى لو بدا أن تحقيق هدف شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية أمر بعيد المنال.

وعلى الرغم من أن بكين كانت من أبرز الداعمين لنزع السلاح النووي الكوري الشمالي، إلا أنها خففت من حدة هذا الموقف في السنوات الأخيرة. وخلال قمة ترامب وشي الشهر الماضي، تطرق الزعيمان إلى السلاح النووي لكوريا الشمالية، إلا أنه بحسب البيان الصادر عن البيت الأبيض، اتفق الزعيمان على الهدف المشترك المتمثل في نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية، أما بيان الصين فلم يشر إلى ذلك، وعند سؤال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، اكتفى بالقول إن موقف الصين من القضية النووية لكوريا الشمالية يتسم بالاستمرارية والثبات.

وحتى في البيان الصيني الذي صدر بعد اجتماع شي وكيم، لم تُذكر دعوة الصين إلى نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية. ومن المحتمل أن الصين تجنبت خلال السنوات الأخيرة الإشارة إلى نزع السلاح النووي كي لا تثير غضب بيونغ يانغ، ما يدفعها إلى التقرب أكثر من روسيا.

قد يقبل الزعيم كيم جونغ أون بلقاء الرئيس الأميركي في حال اعتراف الولايات المتحدة الأميركية بكوريا الشمالية دولة نووية، ويمكن عقد القمة حتى ولو لم يعترف ترامب بكوريا الشمالية دولة نووية، إذا لم يشترط ترامب نزع السلاح النووي كشرط مسبق للمحادثات، أو إذا امتنع عن إثارة هذه القضية أثناء القمة.

ومن المحتمل أن بيونغ يانغ تتابع عن كثب مسار المفاوضات بين أميركا وإيران، وتحلل كيفية توازن إدارة ترامب بين تخفيف العقوبات وتفكيك البرنامج النووي في مفاوضاتها مع طهران، وقد تشكل نتائج المفاوضات النووية الإيرانية مؤشراً مهماً على مسار العلاقات الأميركية الكورية الشمالية مستقبلاً.

سعى الرئيس الصيني من خلال زيارته لكوريا الشمالية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ كي تبقى كوريا الشمالية معتمدة على الصين اقتصادياً. فقد اتفق الطرفان على تعزيز العلاقات في قطاعات مختلفة مثل الدفاع والأمن والزراعة والتجارة والتكنولوجيا. ومن المحتمل أن بكين تريد أن تلعب دور الوسيط لعقد قمة بين ترامب وكيم. وقد أسهمت زيارة الرئيس الصيني أيضاً في إظهار الوحدة في مواجهة الضغوط الاقليمية والأميركية المتزايدة على الصين وكوريا الشمالية. وربما سعى الرئيس الصيني إلى تعزيز صورة الصين كقوة دبلوماسية عالمية قادرة على إدارة الأزمات الدولية الكبرى.

ثمة مقولة للزعيم الصيني ماو تسي تونغ أن الصين وكوريا الشمالية قريبتان مثل الشفاه والأسنان، وهو إشارة إلى الأهمية الكبرى التي تمثلها كل من الدولتين للأخرى. وعلى الرغم من الدعم العسكري الروسي لكوريا الشمالية، إلا أن الصين ما تزال شريان الحياة الاقتصادي لها.

إن العلاقة بين الصين وكوريا الشمالية تمر بمرحلة إعادة تقييم صامتة، ولا يمكن قراءة مستقبل هذه العلاقة بمعزل عن الصراع الدولي الأوسع. فالصين تدرك أن استقرار كوريا الشمالية ضرورة لا غنى عنها لأمنها القومي، لكنها تدرك أيضاً أن احتواء طموحات بيونغ يانغ أصبح أصعب من أي وقت مضى في ظل التحالف مع موسكو. لقد نجحت كوريا الشمالية في تحويل دورها من تابع إلى شريك مشاكس يتقن فن التوازن بين بكين وموسكو.