قراءة في مقترح الميزانية الدفاعية اليابانية الجديدة
تقوم اليابان بنشر وحدة قتالية جوية خارج أراضيها لتصل إلى جنوب آسيا، ما يشكل تحولاً نوعياً مهماً في الأنشطة العسكرية الخارجية للجيش الياباني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
-
ميزانية دفاعية قياسية جديدة لليابان.
أعلنت مؤخراً قيادة سلاح الجو الياباني ، عن خطط لإرسال ثلاث طائرات مقاتلة من طراز "F-2A"، إلى جانب أكثر من 100 فرد من الأطقم الجوية والأرضية، إلى قاعدة "جودبور" الجوية في الهند للمشاركة في المناورات الجوية الثنائية "فير جارديان 26"، المقرر إجراؤها في الفترة بين الـ 9 إلى الـ 21 من سبتمبر. تُعد هذه المرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية التي تنشر فيها اليابان طائراتها القتالية الرئيسية في نطاق خارجي بعيد؛ وهو الأمر الذي يجب النظر إليه لا فقط من المنظور الضيق لهذه الخطوة، بل أيضاً من منظور أوسع، إذ تكشف هذه المناورات الخارجية بعيدة المدى، عن مساعي اليابان لتجاوز الإطار الذي أُرسِيَ بعد الحرب، وتفريغ مبدأ سياسة "الدفاع البحت" من مضمونه.
كذلك يجب النظر إلى الخطوة اليابانية غير المسبوقة، في سياق متصل مع سلسلة من التحولات التي طرأت على المقاربة الدفاعية اليابانية خلال العقد الحالي، وتحديداً منذ نشر طوكيو في كانون الأول/ديسمبر 2022، مراجعة استراتيجية الأمن القومي اليابانية، التي أجازت رسمياً امتلاك قدرة "الضربة المضادة"، في خطوة مثلت تعديلاً جذرياً في المقاربة الدفاعية اليابانية، وانتقالاً من استراتيجية "الدفاع الضيق"، ورفعاً للسقف التقليدي للإنفاق الدفاعي الياباني، المحدد منذ عقود بنسبة 1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ليستهدف الوصول إلى نسبة 2 في المئة بحلول عام 2027، ما قد يمنح اليابان ثالث أكبر ميزانية دفاعية على مستوى العالم.
انتشار جوي ياباني غير مسبوق
عملياً، يتطلب نشر مقاتلات "F-2A" لمسافات بعيدة، تنسيق اليابان لاستخدام المجال الجوي لدول متعددة، وإجراء عمليات تزويد بالوقود جواً لمسافات طويلة، وترتيب الدعم الجوي والأرضي لهذه الطائرات خلال وجودها في الهند، بجانب إنشاء آليات للتنسيق القيادي العملياتي العابر للحدود. من حيث الشكل تتوافق منظومة النشر هذه تماماً مع التوجهات اليابانية الملحوظة منذ فترة، فيما يتعلق بالعمليات بعيدة المدى، حيث أصبحت العقيدة الدفاعية اليابانية، متجاوزة فعلياً نطاق الدفاع عن الأراضي اليابانية.
من حيث الشكل، سيمثّل نجاح اليابان في نشر طائراتها القتالية في الخارج تحوّلاً نوعياً كبيراً. فقد اقتصرت التفاعلات الدفاعية السابقة بين اليابان والهند إلى حد كبير، على توجه المقاتلات الهندية إلى اليابان للمشاركة في مناورات مشتركة، أما في الوضع الحالي، فتقوم اليابان بنشر وحدة قتالية جوية خارج أراضيها لتصل إلى جنوب آسيا، ما يشكل تحوّلاً نوعياً مهماً في الأنشطة العسكرية الخارجية للجيش الياباني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
علاوة على ذلك، فإن التوسع الدفاعي الياباني - المدفوع بنزعة ترغب في مراجعة الثوابت التاريخية التي سارت عليها المقاربة الدفاعية اليابانية خلال العقود الماضية - يترافق مع عدة مؤشرات أساسية، من بينها الارتفاع المتسارع في ميزانيات الدفاع اليابانية، وتعاظم الاستثمارات اليابانية في مجال تطوير ونشر أسلحة هجومية، بما في ذلك قدرات توجيه الضربات الدقيقة بعيد المدى، مع تعديلات تمّت مؤخراً على قيود الصادرات الدفاعية، في سياق عام تسعى من خلاله اليابان لإحداث تحول شامل نحو تبنّي وضعية عسكرية ذات طابع هجومي.
ميزانية دفاعية قياسية جديدة لليابان
جاءت الترجمة الأحدث والأكثر تعبيراً عن حجم ومستوى التحولات الدفاعية اليابانية، في الـ 31 من أغسطس/آب الماضي، حين قدمت وزارة الدفاع اليابانية مقترح ميزانية دفاعية للعام المالي 2027، بقيمة قياسية تقارب 8.9 تريليونات، أي ما يناهز 55.5 مليار دولار أميركي، وكان لافتاً أن هذا المقترح تضمّن نحو 160 بنداً خاصاً بالتسليح، صُنّفت على أنها "طلبات بنود"، لم يُخصّص لها أي مبلغ تمويلي محدد حتى الآن، ويعود السبب في هذا الأمر إلى أن حكومة رئيس الوزراء الياباني، تاكايتشي ساناي، تعتزم مراجعة وثائق الأمن الرئيسية الثلاث في اليابان، وهي استراتيجية الأمن القومي، واستراتيجية الدفاع الوطني، وبرنامج تعزيز القدرات الدفاعية - بحلول نهاية العام الجاري، وعليه فإن بنود شراء بعض المعدات الرئيسية قد تتغير في إطار هذه المراجعة.
وبغضّ النظر عن حقيقة أن هذه الميزانية القياسية، ما زالت عملياً ميزانية مقترحة ولم تصبح نهائية بعد، خاصة أن هذا المقترح سيُحال إلى وزارة المالية اليابانية، قبل اتخاذ القرار النهائي حوله أواخر كانون الأول/ديسمبر المقبل، إلا أنه من المتوقع أن تشهد الميزانية الدفاعية اليابانية للعام المالي 2027، زيادة سنوية للمرة الخامسة عشرة على التوالي، ورقماً قياسياً جديداً للمرة الثالثة عشرة على التوالي، في ظل توقعات محتملة للغاية أن يتجاوز إجمالي الميزانية الدفاعية الجديدة، حاجز 10 تريليونات ين، للمرة الأولى على الإطلاق.
أهمية هذه الميزانية الجديدة، ترتبط أيضاً بكونها آخر ميزانية سيجري رصدها ضمن الإطار الحالي لبرنامج تعزيز الدفاع الياباني، الممتد لخمس سنوات، والذي حدّد إجمالي الإنفاق الدفاعي بنحو 43 تريليون ين خلال الفترة بين العامين الماليين 2023 و2027، وعليه فإن الميزانية الدفاعية الجديدة لليابان، لا تُعد فقط استكمالاً للميزانيات الدفاعية المرصودة في هذا البرنامج، بل أيضاً تعتبر بمنزلة جسر نحو المرحلة التالية من التحول الدفاعي الياباني.
هذا الأمر يمكن توضيحه بشكل أكبر من خلال مطالعة المحاور الرئيسية للميزانية الدفاعية المقترحة، التي تركزت في ثلاثة محاور رئيسية وتسعة مجالات ذات أولوية. المحور الأول ينص على "التكيف مع أساليب الحرب الجديدة"، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، وقدرات المواجهة عن بُعد، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والفضاء، والفضاء السيبراني. في حين يركز المحور الثاني على قدرات الاستجابة المستدامة، بما في ذلك الدفاع في المحيط الهادئ والممرات البحرية، بينما يتمحور المحور الثالث حول أسس الدفاع، بما في ذلك القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية والكوادر البشرية.
يُعدّ الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة عنصرين أساسيين في هذا التحول الدفاعي، حيث تخطط وزارة الدفاع اليابانية، لامتلاك نظام داعم لاتخاذ القرار، قائم على تقنيات الذكاء الاصطناعي، لدعم قيادة العمليات المشتركة للجيش الياباني، إلى جانب إعداد منصة ذكاء اصطناعي من الجيل التالي وبنية تحتية سحابية آمنة. كما يشمل مقترح الميزانية الجديدة، امتلاك طائرات من دون طيار لأغراض الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وتحديد الأهداف، وطائرات هجومية من دون طيار، ومركبات أرضية صغيرة غير مأهولة، بجانب إعداد بحوث حول امتلاك تقنية إطلاق صواريخ فرط صوتية، من مركبات غاطسة غير مأهولة.
من الاستثمارات الرئيسية الأخرى الواردة في مقترح الميزانية الدفاعية الجديدة، مقاتلة الجيل التالي اليابانية، التي يجري تطويرها بالاشتراك مع المملكة المتحدة وإيطاليا في إطار برنامج القتال الجوي العالمي (GCAP). وقد طلبت وكالة الاستحواذ والتكنولوجيا واللوجستيات التابعة لوزارة الدفاع اليابانية، نحو 1.5 مليار دولار، إضافة إلى طلب مخصصات أخرى، للمضي قدمًا في برنامج المقاتلة، كما طلبت وكالة تطوير الأسلحة الجوية (ATLA)، مبلغ 61 مليون دولار، لتسريع البحث والتطوير في مجال الطائرات المسيّرة التعاونية المزودة بقدرات الحرب الإلكترونية، والقادرة على اتخاذ قرارات مستقلة أثناء العمل جنبًا إلى جنب مع مقاتلات الجيل المقبل.
ويتجلّى التركيز على المعادلة بين "التكلفة" و"الكمية" - وهي معادلة تعتبر من أهم دروس المواجهات العسكرية المعاصرة على المستوى الدولي - بوضوح في توسيع اليابان لقدراتها في مجال الأسلحة بعيدة المدى. فإلى جانب الصواريخ المتطورة المطوّرة محليًا، تخطط وزارة الدفاع اليابانية، لتطوير صواريخ بعيدة المدى منخفضة التكلفة محليًا، مع اقتناء أسلحة من دول أخرى تفي بالمتطلّبات نفسها، مثل منظومة "باراكودا" التي تنتجها شركة "أندوريل" الأميركية، وهي منظومة تسمح بإطلاق أسلحة بعيدة المدى منخفضة التكلفة من طائرات النقل. كما تخطط الوزارة ضمن المقترح الجديد، لتطوير نظام دفاع جوي قصير المدى، يجمع بين الصواريخ الموجهة والمدافع الرشاشة وطاقة الليزر الموجهة، لاعتراض مختلف التهديدات الجوية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة التي يمكن نشرها بأعداد كبيرة، علماً أن وزارة الدفاع اليابانية تمتلك بالفعل برنامجاً منفصلاً، لتطوير تقنية الموجات الدقيقة عالية الطاقة، لمواجهة الطائرات المسيّرة.
وفي ظل تزايد عمليات حاملات الطائرات الصينية في المحيط الهادئ وطلعات القاذفات الصينية والروسية، تُولي اليابان اهتماماً خاصة في مقترح الميزانية الجديدة، بالدفاع عن الممرات البحرية في المحيط الهادئ. وقد طلبت وزارة الدفاع اليابانية في هذا المقترح، تخصيص مبلغ 1.8 مليار دولار، لشراء 17 طائرة مسيرة من طراز "MQ-9B SeaGuardian"، وإجراء المزيد من التعديلات على المدمرات من فئة "إيزومو"، وإنشاء مرافق للمراقبة في جزيرة "كيتا دايتو" بمحافظة أوكيناوا.
صواريخ فرط صوتية يابانية تطلَق من تحت الماء
كان البند المتعلق بامتلاك تقنية إطلاق صواريخ فرط صوتية من تحت الماء - والذي يتضمّن الجمع بين الأسلحة فرط الصوتية ومنصات الإطلاق المسيرة الغاطسة - من أبرز البنود اللافتة في هذا المقترح، من زاوية أن تحقق هذا الأمر، قد يمنح طوكيو خياراً لشن ضربات بعيدة المدى، بشكل حمل قدراً أكبر من البقائية والتمويه، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعزز بشكل كبير قدرات اليابان على توجيه ضربات مضادة، إذ يمنح لوسائط القصف القدرة على البقاء متخفية، وإعادة التمركز عبر مناطق عمليات واسعة، وبالتالي، الحد من قدرة الخصم على تحديد مواقعها وتتبّعها باستمرار قبل الإطلاق.
من حيث المبدأ، لا يزال هذا المشروع في مرحلة التطوير، لكنه يرتكز على جهود اليابان السابقة في مجال الصواريخ بعيدة المدى التي تُطلق من الغواصات، وأنظمة الإطلاق العمودي تحت الماء، والغواصات المُجهزة لحمل أسلحة ذات مدى أطول. تشير هذه البرامج مجتمعة إلى تشكّل بنية جديدة للضربات البحرية تهدف إلى تعزيز القدرة على البقاء، وإرباك الدفاعات الجوية والصاروخية للعدو، وتوفير قوة ردع تقليدية أكثر ديمومة لليابان، قادرة على تهديد أهداف عالية القيمة انطلاقاً من مواقع إطلاق غير متوقعة في أنحاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو توجّه بات رئيسياً في التسليح البحري الياباني خلال السنوات الأخيرة.
جدير بالذكر أن البند المتعلق بامتلاك تقنية إطلاق صواريخ فرط صوتية من تحت الماء في مقترح الميزانية الجديدة، يرتبط بشكل وثيق بأنباء نشرتها الصحافة اليابانية منتصف آب/أغسطس الماضي، حول شروع وزارة الدفاع اليابانية في التخطيط للبدء بتطوير صاروخ فرط صوتي يُطلَق من تحت الماء خلال العام المالي المقبل، بما يتماشى مع مسارات يابانية سابقة في هذا الإطار، إذ سبق أن تعاقدت وزارة الدفاع اليابانية عام 2023 مع شركة "ميتسوبيشي" للصناعات الثقيلة، لتطوير صاروخ موجّه يُطلَق من الغواصات، بالتزامن مع برنامج رسمي منفصل أُطلق في العام نفسه، للبحث في تطوير صاروخ موجّه فرط صوتي محلي الصنع، وهي جهود تمتد حتى العام المالي 2031.
ورغم أن هذه البرامج القائمة لا تحدد المواصفات الفنية للسلاح الجديد المُعلن عنه للعام الماضي 2027، إلا أنها تُظهر أن كلاً من تقنيات الضرب من مسافة آمنة عبر الغواصات، والتقنيات فرط الصوتية، تشكلان بالفعل جزءاً من جهود اليابان الأوسع لتطوير قدراتها العسكرية.
لا تعتمد الأهمية العملياتية للصاروخ فرط الصوتي الذي يُطلَق من الغواصات على السرعة القصوى فحسب، بل تعتمد أيضاً على قدرة اليابان على دمج هذا السلاح ضمن بنية أوسع تربط بين أجهزة الاستشعار ومنصات الإطلاق. فالضربات الدقيقة بعيدة المدى تتطلب تحديداً دقيقاً للأهداف، وتتبّعاً موثوقاً، وتفويضاً آمناً بالقيادة والسيطرة، وإيصالاً سريعاً لمعلومات الاستهداف إلى منصة الإطلاق. وتستثمر اليابان بالفعل بشكل كبير في هذه القدرات الداعمة؛ إذ يركز برنامجها الدفاعي للعام المالي الحالي، على تعزيز وظائف الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وتحديد الأهداف، بما في ذلك استخدام طائرات مسيرة بعيدة المدى مصممة لرصد السفن القتالية السطحية ودعم إسقاط القوة النارية، وقد تتيح هذه الاستثمارات للسلاح فرط الصوتي المستقبلي، العمل كجزء من شبكة أوسع عابرة للمجالات القتالية، بدلاً من العمل كنظام صاروخي منعزل.
كما ستضيف الغواصات - كمنصة إطلاق للصواريخ فرط الصوتية اليابانية - طبقة مهمة من القدرة على البقاء لتلك البنية؛ إذ يمكن لمنصة مخفيّة تحت الماء أن تتلقى دعم الاستهداف من شبكة أوسع تشمل الأقمار الاصطناعية، وطائرات الدوريات البحرية، والسفن السطحية، وأجهزة استشعار أخرى، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المزايا العملياتية المرتبطة بنشر الغواصات. وفي مواجهة الأهداف الثابتة، يمكن للإحداثيات المُحددة مسبقًا دعم خيارات الضربات المُخطط لها، بينما تُولي الاشتباكات ضد الأهداف المتحركة أو الحساسة للوقت أهمية أكبر لسرعة وموثوقية شبكة الاستهداف الأوسع.
يُضاف إلى ذلك أن المشكلة الأساسية للخصم، تكمن في العثور على الغواصة أولاً، والحفاظ على تتبّع دقيق لها لفترة كافية للتحرك ضدها. وهذا يُنشئ معضلتين دفاعيين متزامنتين، سواء ما يرتبط بإطلاق عملية بحث مضادة للغواصات عبر منطقة بحرية واسعة محتملة، أم ما يرتبط بالاشتباك الدفاعي الصاروخي المكثف في حال إطلاق الصاروخ، ومن وجهة نظر اليابان، فإن إجبار الخصم على الاستثمار في آنٍ واحد في تقنيات تتبّع الغواصات، والدوريات البحرية، والمراقبة الصوتية، واعتراض الصواريخ عالية السرعة، من شأنه أن يُعزز الردع من خلال توزيع موارد المراقبة والدفاع على مجالات متعددة.
في الخلاصة، يمكن القول إن الارتكاز الأساسي للبنية الدفاعية اليابانية، السائد منذ أكثر من ثمانية عقود، والمعتمد على "التحصن الدفاعي"، ومبدأ "سينشو بوي" - أو "لدفاع عن الأراضي الوطنية"، قد بدأ عملياً في التلاشي أو على الأقل الدخول في عملية تدريجية لإعادة تشكيله. حيث تمثل الخطة المعلنة ضمن مقترح الميزانية الدفاعية الجديدة، للبدء بتطوير صاروخ فرط صوتي ياباني يُطلَق من تحت الماء، تطوراً مهماً في استراتيجية طوكيو المتعلقة بالضربة المضادة التقليدية، بحيث يجري تعديل المقاربة السابقة المعتمِدة حصراً على الصواريخ الاعتراضية الدفاعية مثل "إيجيس" و"باتريوت" - التي تواجه خطر العجز عن التصدي لهجمات صاروخية مكثفة ومركزة - لتصبح مرتبطة بشكل أساسي بوضع منصات إطلاق صواريخ الخصم ومراكز القيادة والسيطرة تحت التهديد من مسافات بعيدة.
هذا التوجه تجسّد في عدد من المؤشرات، منها الإعلان أواخر آذار/مارس 2026، عن النشر العملياتي للنسخة المطورة من صاروخ "النوع 12" البري المضاد للسفن، إلى جانب المقذوف الانزلاقي فرط الصوتي "النوع 25"، والذي يجمع بين المدى البعيد والقدرة العالية على المناورة، ما يُصعّب على أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتقدمة اعتراضه. وصولاً إلى الخطة الجديدة لتطوير أسلحة فرط صوتية تطلَق من تحت الماء.
على مستوى التحديات التي تواجه مقترح الميزانية الدفاعية اليابانية الجديدة، تتركز هذه التحديات في الجوانب المالية بقدر ما تتمثل في الجوانب التكنولوجية؛ فنظراً لوجود نحو 160 بنداً لم تُحدد تكلفتها بعد في هذا المقترح، سيظل التحدي الأساس مرتبطاً بماهية القيمة الفعلية لهذه الميزانية، فقد جرى تقديم هذا المقترح على أساس سعر صرف 149 يناً مقابل الدولار، مقارنة بسعر 108 ين مقابل الدولار، الذي كان سائداً حين تم اعتماد بنود الخطة الخمسية لتعزيز الدفاع الياباني عام 2022، وبالتالي أدى انخفاض قيمة الين الياباني، إلى ارتفاع تكلفة المعدات المستوردة والمكوّنات المصنّعة في الخارج، وبالتالي تآكل القوة الشرائية اليابانية على المستوى الدفاعي، وعليه فإن الجوانب المالية البحتة ستكون حاسمة في تحويل مقترح الميزانية الدفاعية اليابانية الجديدة، إلى واقع ملموس، في حالة إقراره.