قراءة في ما وراء أهداف الحرب على إيران
حضور فلسطين في إيران من خلال فكرة الثورة وسياسة الجمهورية باعتبارها قضية الأمة الإسلامية الأولى والمركزية هو من الأسباب العميقة للحرب الغربية الصهيو-أميركية على إيران.
-
نموذج الإٍسلام الثوري الذي بنته الجمهورية الإسلامية هو الذي يُعيد الأمة إلى أصالتها.
أعلنت كلّ من أميركا و"إسرائيل" أهداف حربهما على إيران، وهي: تدمير البرنامج النووي، ووقف الإنتاج الصاروخي، وتفكيك محور المقاومة. وذهب كلّ من ترامب ونتنياهو إلى أبعد من تلك الأهداف بإعلان هدف إسقاط نظام حكم الجمهورية الإسلامية ثمّ تراجعا إلى هدف تهيئة الظروف في إيران ليقوم الشعب بمهمة إسقاط النظام.
وهذه الأهداف ولا سيما إسقاط النظام موجودة لدى الغرب بقيادته الصهيو-أميركية منذ انتصار الثورة الإيرانية وتأسيس الجمهورية الإٍسلامية عام 1979، وهذا يستدعي قراءة في ما وراء أهداف الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، للوصول إلى الأسباب العميقة للعداء الغربي لإيران والحرب الصهيو-أميركية على إيران.
أول هذه الأسباب العميقة للعداء الغربي والحرب الصيهو-أميركية ضدّ إيران هو أنّ الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الثائر آية الله الخميني ثم الإمام الشهيد علي خامنئي قد قدّمت نموذجها المتميّز للدولة خارج بيت الطاعة الأميركي، والمختلف عن نماذج دول التجزئة الهجينة، وهو نموذج دولة الجمهورية الإسلامية على نهج الإسلام الثوري، بمضمون إنساني وحضاري وتقدّمي، وأساس قائم على الوحدة والنهضة والاستقلال والعمل والإنتاج والمقاومة، ونصرة المظلومين والمحرومين والمستضعفين في العالم.
نموذج الإٍسلام الثوري الذي بنته الجمهورية الإسلامية هو الذي يُعيد الأمة إلى أصالتها وهويتها وروحها، ويُحرّك الجماهير للثورة على الاستكبار والاستعمار والاستبداد، ويقدّم النظرية الثورية الإسلامية بدلاً من فكرة الانتظار حتى يظهر الإمام الغائب أو الخليفة الراشد، ويقدّم فلسفة الشهادة الحُسينية بدلاً من فقه الخنوع... فوضع نماذج أنظمة التجزئة بمضامينها الهجينة المستوردة من الغرب في قفص الاتهام، كما وضع أنظمة وحركات (الإسلام الأميركي) بوجهيه-المُهادن والتكفيري-في دائرة الشكّ.
ونموذج الإسلام الثوري يتضمّن بالضرورة رفض البديل وفق النماذج الغربية بالتحديد المنفصلة عن عقيدة الأمة وثقافتها وروحها، وهي بدائل أُقيمت على صورتها كثير من أنظمة الحكم في البلدان الإسلامية في مرحلة ما بعد الاستعمار المباشر، وهي أنظمة بحكم تغرّب النخب الحاكمة فيها فكرياً تأخذ بلدانها سياسياً واقتصادياً باتجاه التبعية للغرب، ولهذا تخلّصت إيران من التبعية للغرب ببناء نموذجها الإسلامي الثوري المستقل المقاوم بحكم مضمونه الأيديولوجي لصور التغرّب الفكري، والاستلاب الثقافي، والتبعيّة السياسية، والنهضة الاقتصادية المستوردة، والتحديث التقني على النمط الغربي.
ثاني هذه الأسباب العميقة للحرب تتعلّق بطريقة بناء القوة الإيرانية، القوة التي لا يريدها الغرب لإيران أو أيّ دولة إسلامية أُخرى ولا سيما إذا كانت تتحدّى الهيمنة الاستعمارية الأميركية على المنطقة وتقاوم الوجود الصهيوني في المنطقة. فطريقة بناء القوة الإيرانية تقوم على رُكنين متكاملين؛ هما بناء النهضة الذاتية للدولة الحديثة في الداخل، وبناء الدور الرسالي للدولة الأخلاقية في الخارج. والعلاقة بين الوظيفتين- النهضة والدور- علاقة طردية، فقوة بناء النهضة الحديثة داخلياً تؤدّي إلى قوة أداء الدور الرسالي خارجياً، وكذلك ضعف النهضة يؤدّي إلى ضعف الدور.
والمشروع الاستعماري الغربي بقيادته الصهيو-أميركية لا يُريد لإيران أن تنجح في كلا الوظيفتين، فإيران وكلّ البلدان الإسلامية- بمنطق الغرب- يجب أن تبقى مجرّدة من بناء القوة بركنيها الداخلي (النهضة) والخارجي (الدور)، وهذا من أهم دوافع الحرب الغربية الصهيو-أميركية الحالية على إيران، وما تقوم به آلة الحرب المعادية يؤكّد ذلك من تدمير البُنية التحتية للنهضة بمختلف مجالاتها: العلمية والتقنية والنووية والصناعية والعسكرية.... ومن قتل القادة والعلماء في محاولة لإنهاء الدور الإيراني المؤثّر والفاعل في مقاومة الإمبريالية الأميركية والاحتلال الصهيوني.
بناء القوة عن طريق تعزيز الدور الخارجي المتكامل منذ تأسيس النهضة الداخلية ترسّخ كجزء من هوية الجمهورية وفلسفتها الثورية ورسالتها الإنسانية والتزامها الأخلاقي، وهو دور مرتبط بالمشروع والرسالة تمّ توثيقه في دستور الجمهورية، خاصة في المادة (154) التي ورد فيها "الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضدّ المستكبرين في أيّ بقعة في العالم". وعندما تكون هذه البقعة هي فلسطين التي فيها مدينة القدس والمسجد الأقصى بمكانتها الإسلامية الخاصة، كأرض مباركة ومقدّسة فيها أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى الرسول-صلى الله عليه وسلّم-وتحتلها (إسرائيل) بما تجسّده من خطر واقعي على الأمة والمنطقة وإيران. ومن هذا المنطلق الإنساني والأخلاقي والديني والوطني والدستوري جاء حضور فلسطين في إيران.
حضور فلسطين في إيران من خلال فكرة الثورة وسياسة الجمهورية باعتبارها قضية الأمة الإسلامية الأولى والمركزية هو ثالث الأسباب العميقة للحرب الغربية الصهيو-أميركية على إيران، هذا الحضور جعل القضية الفلسطينية تأخذ دوراً مركزياً في مشروع الثورة الإسلامية كمقابل طبيعي ومنطقي لمركزية الكيان الصهيوني في المشروع الاستعماري الغربي، ولهذا دعت إيران نفسها وكلّ المسلمين إلى القيام بواجبهم الشرعي لتحرير فلسطين وإزالة الكيان الصهيوني، وهذا ما يُفسّر العداء الغربي لإيران والحرب الصهيو-أميركية عليها، إضافة إلى تقديمها لنموذجها الإسلامي الثوري المستقل، وبناء القوة الذاتية للدولة.
بهذه القراءة في ما وراء أهداف الحرب الغربية الصهيو-أميركية على إيران الثورة والدولة نصل إلى الأسباب العميقة للحرب والملخّصة في: بناء النموذج المستقل، وبناء القوة الذاتية، وحضور فلسطين القضية والمشروع. وهي ذاتها عوامل النصر الجوهرية في الحرب القديمة المتجددة على إيران..
لذلك لا خيار أمام إيران الثورة والجمهورية والمشروع غير التمسّك بالنموذج الإسلامي الثوري للمحافظة على وجودها واستقلالها، والتمسّك ببناء القوة الذاتية بالتكامل بين تأسيس النهضة الحديثة وأداء الدور الرسالي للمحافظة على قوتها وهويتها، والتمسّك بحضور دعم فلسطين كمركز لمشروع الأمة في النهضة والمقاومة ضدّ المشروع الاستعماري الغربي بوجهه الصهيو-أميركي القبيح.