قُدرات إيران العسكرية مرة أخرى؛ ما الجديد الذي تسعى إليه "إسرائيل"...!
هل ينجح نتنياهو في تحويل إيران إلى ساحة المواجهة الجديدة، أم يفشل في تجاوز تردّد واشنطن، ويعود الى ألاعيبه في محاولة الحفاظ على التحالف مع واشنطن من دون التفريط بما يعتبره "حرية العمل الأمنية" في كل الساحات؟
-
ما الذي يسعى نتنياهو خلفه إذاً من الترويج لمخاطر مشروع الصواريخ الإيرانية؟
مرّت ستة أشهر على حرب الـ 12 يوماً التي وجّهت فيها "إسرائيل" ضربة بالشراكة مع الولايات المتحدة، زعمت أنها قاضية، لبرنامج إيران النووي ولمنظومة الصواريخ الإيرانية أرض - أرض بعيدة المدى. واليوم، تُثار في وسائل الإعلام الإسرائيلية مجدداً مخاوف، تستند إلى بيانات جديدة حول منظومة الصواريخ الإيرانية، تزعم "أن إيران في طريقها لإنتاج 3000 صاروخ سنوياً".
يزعم الإسرائلييون كذلك أن الإيرانيين تمكّنوا من استعادة مخزون صواريخ أرض-أرض التي دمّرها سلاح الجو الإسرائيلي في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على إيران، وأن لديهم الآن حوالى 2000 صاروخ قادر على الوصول إلى "إسرائيل"، كما كانت عليه الحال عشية الحرب.
تصاعد هذا القلق، مع اقتراب زيارة نتنياهو المزمعة لواشنطن للقاء الرئيس ترامب، وتحوّل الادعاء الإسرائيلي إلى ترديد أن إيران "تُجري تدريبات لاختبار الصواريخ طويلة المدى" وأن هذه التدريبات "قد تكون تمويهاً وإعداداً لهجوم إيراني مفاجئ على إسرائيل"؛ الأمر الذي دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى القول "إننا على علم بأن إيران تُجري تدريبات في الآونة الأخيرة، مضيفاً "أن أنشطة طهران النووية ستخضع للنقاش مع ترامب في اللقاء المرتقب بينهما".
ورغم التهويل، فإن ضُباطاً كِباراً في الجيش الإسرائيلي حذّروا من أن تسريب أنباء عن جولة قتال جديدة ضد إيران، قد يُسرَع المواجهة معها ويدفعها إلى دراسة المبادرة بالهجوم، مستندين في ذلك إلى "أن إيران ليست معنية الآن بالرد على "إسرائيل"، وتريد العمل فقط بعد تحسين قدراتها التسليحية والاستخبارية، وإعادة تقوية حزب الله والحوثيين".
فما الذي يسعى نتنياهو خلفه إذاً من الترويج لمخاطر مشروع الصواريخ الإيرانية؟
الصحافي والمحلل السياسي حاييم لفينسون شن هجوماً لاذعاً على نتنياهو على خلفية الترويج أن "إسرائيل" تستعد لشن هجوم على إيران، قائلاً "إن هذا يثبت أن العملية العسكرية التي شنتها إسرائيل ضد إيران قبل ستة أشهر قد فشلت"، مضيفاً "أن الإيرانيين يعرفون تماماً قدرات إسرائيل، فهم ليسوا أغبياء أو سُذّجاً على الإطلاق، بل يعملون الآن على مضاعفة منظومة دفاعهم الجوي، ولا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول لكم: "لقد فشلت"، فهو لا يملك هذه الصفة، ولأن الثقافة السائدة في إسرائيل أيضاً، هي ثقافة الكذب، ولدينا رئيس وزراء كاذب".
يتزامن تصعيد المواقف الإسرائيلية من الخطر الإيراني كذلك، مع تقارير داخلية من مصادر رفيعة في حزب الليكود، تُفيد بأن نتنياهو يسعى إلى تأجيل مؤتمر الليكود بسبب احتمال وقوع تصعيد أمني في المستقبل القريب، فضلاً عن اعتبارات سياسية داخلية داخل الحزب. وربما يخدم التصعيد مع إيران، في حال حُدوثه، رغبة نتنياهو في تأجيل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية بالاستناد إلى الذريعة نفسها، خاصةً إذا ما شعر بأنه لن يحصل على العفو الرئاسي من التهم المنسوبة إليه، وأيقن بأن فُرصَته في العودة إلى الحياة السياسية عبر صندوق الاقتراع غير مضمونة.
ومن هنا، تُشكك مصادر إسرائيلية بحقيقة الأرقام التي تروّجها وسائل الإعلام الإسرائيلية حول القدرات الصاروخية الإيرانية، وترى بأن "دراسة الواقع، من الناحيتين التكنولوجية والجيوسياسية، تثير العديد من التساؤلات حول الادعاء بأن إيران ستكون قادرة على إنتاج 3000 صاروخ أرض-أرض بمدى يراوح بين 1500 و3000 كيلومتر سنوياً في المستقبل القريب، وادعاء وجود إعدادٍ فعلي لشن هجوم من جانب الإيرانيين". وترى المصادر ذاتها، أن التصريحات الصادرة عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وجِهاتٍ أخرى، ما هي إلا "حرب نفسية" تهدف إلى خدمة المصالح السياسية لنتنياهو.
لا شك لدى الإسرائليين في أن إيران تخوض سباق تسلح، وهي التي تنظر إلى ترسانتها الصاروخية كـضمانة لبقائها وبقاء نظامها الحاكم، لكن من وجهة نظر نتنياهو، تُضفي التسريبات الاستخبارية حول "التعافي الإيراني" الشرعية اللازمة، محلياً ودولياً، لجولة أخرى من الهجمات على إيران. فعندما يسمع الرأي العام الدولي، وحتى القادة الأجانب، عن 3000 صاروخ، لا يُنظر إلى الهجوم التالي على أنه خيار، بل ضرورة وجودية ملحة.
تقدر أوساط إسرائيلية أن السؤال حول الحرب مع إيران لا يتمحور حول ما إذا ما كانت الحرب ستندلع، بل متى ستندلع؟ وبحسب صحيفة معاريف العبرية فإن خارطة الحرب المقبلة ستكون على جبهات أربع، إذ ترى "إسرائيل" نفسها منخرطة في حرب متعددة الجبهات تمتد من غزة ولبنان إلى الضفة الغربية وسوريا وإيران، مع بروز غزة ولبنان كنقطتي ثقل مركزيتين. لذا سيطلب نتنياهو في اجتماعه المقبل مع ترامب مقايضة ضرب إيران مقابل الموافقة على خطة ترامب في سوريا ولبنان والقطاع. بمعنى آخر، إعادة تعريف "العدو المركزي" بما يسمح بالهروب من استنزاف طويل في ساحات فرعية بلا نصر سياسي، عبر نقل مركز الصراع من غزة ولبنان وسوريا إلى إيران.
ولهذا الغرض، يستعد نتنياهو ليعرض أمام الرئيس ترامب في الاجتماع المزمع بينهما قريباً، ملفاً استخبارياً مُركّباً، هدفه إعادة توريط واشنطن في مسار عسكري ضد إيران. وسيحاول نتنياهو إقناع الرئيس ترامب بتبنّي مقاربته عبر التسويق لفكرة أن الضربات السابقة على إيران لم تحقق "الردع الكافي" وأن ما تضرر هو "المنشآت لا القدرة البنيوية"، وأن الصواريخ الإيرانية هي "تهديد مباشر للمصالح الأميركية: القواعد، الملاحة، الحلفاء". ولا شك في أن نتنياهو سيسعى إلى ربط كل ساحات المواجهة الإقليمية في: غزة، ولبنان، والعراق، واليمن، بالحرس الثوري الإيراني، أو ما يسميه الإسرائيليون "شبكة الأذرع"، والأهم؛ إقناع ترامب بأن إسقاط النظام الإيراني، لا احتواءَه، هو "الحل الجذري الأمثل" لإنهاء الحروب.
ومن المؤكد أن نتنياهو، ومن أجل إقناع ترامب، سيسعى إلى مخاطبته بلغة مصالحه، عبر الادعاء بأن إيران ليست تهديداً مباشراً لـ"إسرائيل" فحسب، بل تهديد للهيبة والردع الأميركيين وأمن الطاقة والملاحة. وقد يتلاعب بمشاعر ترامب "النرجسي" بالقول "إن عليه أن يستكمل الضربة لإيران، وإلا فستُسجَّل الحرب كنقطة ضعف في سجلّه، لا كإنجاز".
ومن غير المُستبعد أن يقترح نتنياهو "حزمة ضغط متكاملة" على إيران، يقف على رأسها المسار العسكري عبر ضربات محدودة ومتدرجة، بالتوازي مع عمليات مشتركة: استخبارات، جهد سيبراني، ضربات دقيقة، مصحوبة بتشديد العقوبات الاقتصادية لخنق مسارات الالتفاف الإيراني: النفط، العملات، الشحن. والأهم، التركيز على المسار الداخلي الإيراني عبر دعم المعارضة وتضخيم الأزمة الاقتصاية والاستثمار في التصدعات الاجتماعية.
لكن معضلة نتنياهو ليست فقط إقناع ترامب بذرائعه، بل إمكان تجاوز تردد ترامب وخوفه من الكلفة الاستراتيجية لمجاراة نزوات "إسرائيل"، وخاصةً أن المسار الدبلوماسي مع إيران لم يوصد بعد؛ فطهران تُظهر استعداداً للتفاوض، وتفضل واشنطن إبقاء "العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً".
عملياً، يريد نتنياهو من ترامب أن يُكمل حرباً لم يختر توقيتها، وأن يتحمّل نتائج مغامرة تغيير النظام الإيراني، ويراهن أنه سيحصل على دعم أميركي، إن لم يكن وفق ما يشتهي، ففي الحد الأدنى، عبر توفير الغطاء السياسي والتسهيل اللوجستي والاستخباري.
فهل ينجح نتنياهو في تحويل إيران إلى ساحة المواجهة الجديدة، أم يفشل في تجاوز تردّد واشنطن، ويعود الى ألاعيبه في محاولة الحفاظ على التحالف مع واشنطن من دون التفريط بما يعتبره "حرية العمل الأمنية" في كل الساحات، في ظل أزمات داخلية سياسية واجتماعية واقتصادية إسرائيلية متراكمة؟