فوز اليمين في ألمانيا ..هل تنتهي أكاذيب "المحرقة"؟
يعاني الكثير من الألمان بالإحباط من سياسات الأحزاب التقليدية الحاكمة التي أدّت إلى ركود اقتصادي وتضخم ملحوظ وأرتفاع للأسعار وفقدان الأمل بالمستقبل.
-
هل تنتهي أكاذيب "المحرقة"؟
في انتخابات الأحد 6 أيلول اقترب اليمين المتطرف من الحصول على حكم ولاية ألمانية للمرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن حقق فوزاً تاريخياً في انتخابات ولاية ساكسونيا.
ومع حصوله على نحو 44% من أصوات الناخبين وشارك %77 منهم في الانتخابات، تقدّم الحزب بفارق كبير على الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاكم في برلين والذي حصل على 17,5% فقط من الأصوات.
وبهذه النسبة سيفوز حزب البديل بـ 39 مقعداّ وهو أقل بثلاث مقاعد من الأغلبية المطلقة وهو ما سيدفعه للتحالف مع حزب بي آس اليساري المؤيد لروسيا، وله في برلمان الولاية أربعة مقاعد. ولم يسبق لحزب "البديل من أجل ألمانيا" أن نجح في الدخول ضمن أي إئتلاف حاكم في أي من الولايات الألمانية الـ16 أو في الحكومة الألمانية الاتحادية، إذ ترفض جميع الأحزاب الرئيسية الأخرى التعاون معه، وهي سياسة عرفت بأسم "الجدار العازل" لمنع المتطرفين من استلام السلطة.
ولكن في هذه المرة يبدو أن الحزب الذي تأسس قبل 13 عاماً، بات يملك فرصة حقيقية لتجاوز العزل وتولي السلطة في ولاية ألمانية كانت ضمن حدود ألمانيا الشرقية السابقة. وكان الحزب قد تأسس عام 2013 على يد مشككين في جدوى اليورو كعملة أوروبية، وهو ينتقد بشدة الأتحاد الأوربي ويؤمن بالاعتزاز القومي بالتاريخ والثقافة الألمانية بما في ذلك عهد هتلر وحتى إن لم يقل ذلك علناً.
وكان الحزب قد استفاد من القلق لدى كثير من الناخبين الألمان بشأن الأعداد الكبيرة من اللاجئين القادمين من سوريا وأفغانستان وأوكرانيا والذين يسعون للحصول على اللجوء وبالتالي الجنسية الألمانية.
كما يعاني الكثير من الألمان بالإحباط من سياسات الأحزاب التقليدية الحاكمة التي أدّت إلى ركود اقتصادي وتضخم ملحوظ وأرتفاع للأسعار وفقدان الأمل بالمستقبل.
كما استفاد الحزب من الانقسامات المستمرة بين شرق البلاد وغربها، حيث يحظى الحزب المناهض للهجرة والمرتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا، بشعبية واضحة في الولايات التي كانت جزءاً من ألمانيا الشرقية في السابق. فعندما انهار جدار برلين عام 1989، وسقطت جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية وتوحد شطري ألمانيا، أُغلقت العديد من الشركات المملوكة للدولة، وأدى ذلك إلى بطالة واسعة النطاق ونزوح سكاني، ما أثار غضباً في النفوس وإحساساً بتجاهل مكانتهم وحقوقهم.
وبعد عقود لا يزال متوسط الأجور والمدخرات أدنى في الشرق عما هو عليه في الغرب، فيما لا تزال الشركات الكبرى متمركزة غرباً، ناهيك عن كون الألمان الشرقيين الذين يشكلون خُمس السكان، لا يحظون بتمثيل كاف في الحياة السياسية.
والسبب الآخر المهم لتأييد حزب البديل هو حديثه عن تعديل المناهج المدرسية التي تنتقد فترة النازيين وتحملّهم مسؤولية الخسارة في الحرب العالمية الثانية، وهو ما يدغدغ مشاعر الشعبويين الذين يمتلكون رأياً آخر عن تلك الحقبة التي قادها الزعيم النازي ادولف هتلر الذي يحملّه اليهود مسؤولية ما تعرضوا له أبان وخلال الحرب العالمية الثانية.
ودون أن يسمحوا لأحد حتى بمناقشة معطيات تلك الفترة وخاصة تعاون الصهيونية العالمية وشركاتها وبنوكها مع النازيين. ويكتسب موقف حزب البديل من روسيا أهمية إضافية لأن أعداء الحزب يتهمونه بالتقارب مع الكرملين بعد أن انتقد العقوبات المفروضة على موسكو بسبب حربها ضد أوكرانيا، كما دعا إلى استئناف شراء الغاز الروسي وإنهاء إمدادات الأسلحة الالمانية إلى كييف.
الرئيس الأميركي ترامب وبعد الإعلان عن النتائج الأولية نشر على حسابه في منصة تروث سوشيال رسماً بيانياً يثبت فوز حزب البديل ودون أي تعليق. وقبل أسبوع واحد فقط من الانتخابات العامة التي أجريت عام 2025، ألقى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس خطابا تاريخيا أمام مؤتمر ميونخ للأمن، دعا فيه الأحزاب الألمانية الرئيسية إلى التخلي عن "جدار العزل" الذي تفرضه على حزب "البديل".
وأما أيلون ماسك وعلى منصته للتواصل الاجتماعي إكس، فقد هنئ الحزب على انتصاره الكبير الذي أزعج الكثيرين في أوروبا ومنهم رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الذي قال عبر منصة إكس "إنّ الحمقى أو الخونة فقط في بولندا هم من قد يبتهجون بانتصار حزب البديل من أجل ألمانيا".
ووصف الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبية الحدث بأنه "لحظة خطيرة في تاريخ أوروبا". في الوقت الذي أعلنت فيه العديد من أحزاب اليمين المتطرف في اسبانيا والبرتغال وفرنسا ودول أوربية أخرى على تهانيها لحزب البديل الألماني.
مع الإشارة إلى تناقضات الحكومات التقليدية التي حكمت المانيا خلال الفترة الماضية وأهمها حكومة الائتلاف التي كانت تضم الاشتراكي الديمقراطي والخضر برئاسة آولاف شولتز ومن بعدها الحكومة الحالية التي تضم الحزب الاشتراكي الديمقراطي والمسيحي الديمقراطي بزعامة المستشار ميرتز، فقد كانت برلين من أشد المؤيدين لسياسات العدوان الهمجية التي أنتهجتها حكومة نتنياهو وما زالت ضد فلسطين ولبنان وإيران واليمن.
كما كانت زعيمة حزب الخضر ووزيرة الخارجية بربوك أول وزيرة أوربية تزور دمشق لتبارك لأبو محمد الجولاني انتصاره "الديمقراطي". وكانت هذه الزيارة والدعم الذي قدمته حكومتها للكيان العبري من أهم الأسباب التي أدّت لهزيمة المستشار شولتز الذي حل محله المستشار ميرتز في انتخابات العام الماضي وبالتحالف مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
في الوقت الذي بينت فيه كل استطلاعات الرأي تراجعاّ كببراّ في شعبية الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة ميرتز بسبب مواقفه المؤيدة هو الآخر للكيان العبري والمهرّج الاوكراني زلينسكي.
ويرى المراقبون في هذه السياسات وخاصة الدعم الألماني الاستفزازي لكييف السبب الأهم في صعود التيار القومي المتطرف الذي يمثله حزب البديل من أجل المانيا والمتوقع له أن يفوز في انتخابات 2029. ويرى الكيان العبري في مثل هذا الاحتمال خطراً جسيماً على حساباته المعقدة الخاصة بألمانيا وهو ما سيدفعه لاستنفار كل إمكانياته لمنع تحقيق مثل هذا الانتصار الذي سيكذب ادعاءاتهم المبالغ بها فيما يتعلق بأحاديث "المحرقة".
فقد استغلت الصهيونية العالمية أحداث الحرب العالمية الثانية وقالت للعالم إن اليهود فقط كانوا ضحية النازية الهتلرية. ويرفض حزب البديل تحميل فترة هتلر مسؤولية كل أحداث الحرب العالمية الثانية وأهمها ما قيل عن معاناة اليهود وما تعرضوا له ابان وخلال الحرب.
فيما يحمّلهم اليمين الالماني المتطرف مسؤولية معظم الأحداث التي عاشوها آنذاك والتي بالغت الصهيونية العالمية فيها إلى حد كبير وبشكل خاص في ما يسمى بالمحرقة اليهودية التي كذبها عدد كبير من المؤرخين والباحثين والأطباء وعلماء الفيزياء والكيمياء ومعظمهم من اليهود الذين أثبتوا دعم المنظمات الصهيونية وشركاته وأغنيائها لسياسات هتلر ضد اليهود لاجبارهم للهجرة إلى فلسطين وبعد ذلك تحريضه ضد روسيا.
وبغياب اهتمام معظم العواصم العربية والإسلامية باحتمالات المستقبل السياسي الالماني والذي سينعكس مباشرة على حسابات الصهيونية العالمية الخاصة بمستقبل الكيان العبري بكل مقولاته السياسية والعقائدية التوراتية، يبدو واضحاّ أن الرئيس ترامب ومن معه في الغرب الامبريالي سيدخلون على خط التأثير على اليمين الألماني كما هم دخلوا على خط التأثير على اليمين المجري وحكومة فيكتور أوربان الذي حكم البلاد 16 عاما.
واشتهر بتناقضاته إذ كان حليفاً استراتيجياً للمجرم نتنياهو ثم أنضم إلى منظمة الدول الناطقة باللغة التركية وأصبح صديقاً حميماً للرئيس إردوغان. ولا يختلف أوربان في جوهره عن الرئيس الأرجنتيني ميلي صديق ترامب والحليف الاستراتيجي للكيان العبري حاله حال العديد من حكام أميركا اللاتينية الجدد والذين أستلموا السلطة خلال العامين الماضيين بدعم من واشنطن واللوبيات اليهودية هناك.
وأما التناقص الأهم والأغرب بالنسبة لليمين الأوربي عموماً وبشكل خاص البديل في ألمانيا والذي لا يرى في موسكو دولة معادية ولا يريد تكرار تجربة هتلر في روسيا فهو في نفس الوقت مدعوم من واشنطن التي تريد لنيل هذا التيار أن يخلق المشاكل لأوروبا عموماً.
مع احتمالات فوز اليمين المتطرف الذي تمثله مارين لوبان في انتخابات الرئاسة في فرنسا التي لعبت وما زالت دوراً مهماً في تأجيج الصراع في أوكرانيا وكأنها تريد أن تنتقم لنابليون الذي لم يختلف مصيره عن مصير هتلر على أبواب موسكو.
ويبدو واضحاّ أنها أي موسكو ستكون المؤثر والمتأثر الحقيقي من التطورات المحتملة في الدولتين العدوتين التقليديتين لها أي المانيا وفرنسا. وبسقوطها ستسقط بريطانيا التي تتعرض لعدوان شرس من صنيعتها الكيان العبري الذي يقف الآن إلى جانب رئيس الأرجنتين ميلي في أزمته مع لندن بسبب قضية فولكلاند.
فتل أبيب تسعى للانتقام من لندن لأنها كانت تريد للارجنتين أن تكون وطنا لليهود، فساعدت بوينس آيريس في حربها ضد بريطانيا عام 1982 ناسية أن من أعطى فلسطين وطنا قوميا ودينيا لليهود هي بريطانيا نفسها وبعد ان تآمرت على المنطقة مع شريكتها الاستعمارية جينياً فرنسا وقبل أن تدخل واشنطن على خط التآمر الأكبر وتصبح سيد الجميع !