محمد الهندي يكتب للميادين نت: غطرسة القوة... هل تلفظ أنفاسها على شواطئ الخليج؟
الفكر الصهيوني الموغل في العنصرية والتفوّق العرقي والمبرّر لكلّ الجرائم والإبادة الجماعية المسيطر على سياسة البيت الأبيض هو الأكثر خطورة على البشرية في حال نجاحه، وهذا الفكر تمتد مواجهته من ساحات المعارك وصولاً إلى ساحات الجامعات.
-
الصراع الدولي يحدّ من قدرة واشنطن على التحكّم في سياق المواجهات.
بعد أن فشلت "إسرائيل" مع أربعة رؤساء أميركيين، فقد نجحت مع ترامب ـــــــــــــ الذي تنكّر لكلّ وعوده بصنع السلام في العالم ــــــــــــــ في جرّ الولايات المتحدة إلى العدوان على إيران لقطع رأس "محور الشر"، وإسقاط النظام واستبداله بنظام عميل كنظام الشاه المخلوع، يسخّر في خدمة مصالح "إسرائيل" والغرب في المنطقة.
ولم تعد أهداف الحرب بالنسبة لأميركا دفاعاً عن الوطن، فليس هناك أيّ تهديد لهذه الإمبراطورية من إيران، ولا دفاعاً عن مصالحها في الخارج، ولكنها أهداف ذات أطماع إمبريالية في المضائق وثروات الشعوب الأخرى من جانب، ودفاعاً عن مصالح دولة أجنبية (إسرائيل)، في التسيّد على المنطقة وتدمير أيّ منافس حقيقي لها من جانب آخر. كما كان الأمر في غزو وتدمير العراق تماماً، خدمة لمصالح "إسرائيل".
ولكنّ الجديد في هذه المغامرة أنّ الظروف الدولية قد تغيّرت تماماً: فقد بدأ تدمير العراق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفرّد الولايات المتحدة بقيادة العالم ونظام القطب الواحد. وسواء في حرب الخليج الأولى عام 91 على أثر الغزو العراقي لدولة الكويت، أو في التحالف الدولي لغزو العراق عام 2003، فقد حشدت الولايات المتحدة وتحت غطاء أممي الحلفاء الدوليين والإقليميين على عجل في هذه (المهمة المقدّسة)، بحسب الرئيس الأسبق جورج بوش، مع مبرّرات واهية حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.
أما اليوم ومع توجّه العالم نحو التعدّدية القطبية وتزاحم القوى العظمى لتأكيد دورها الأممي ومصالحها، فإنّ قدرة الولايات المتحدة يتمّ تحدّيها مع بروز الصين كقطب جديد، وروسيا التي تزاحم لحجز مكان لها في عالم متعدّد الأقطاب. وتفشل الولايات المتحدة في حشد حلفائها أو الحصول على دعمهم المعلن، سواء أكانوا حلفاءها في أوروبا أو آسيا (اليابان وكوريا الجنوبية)، أو حلفاءها العرب في منطقة الخليج، فضلاً عن تأمين غطاء دولي من مجلس الأمن كما فعلت في عدوانها على العراق. وتذهب منفردة مع "إسرائيل" في عدوانها على إيران.
ومرة أخرى فإنّ الصراع الدولي يحدّ من قدرة الولايات المتحدة على التحكّم في سياق المواجهات، كما حدّ من قدرتها على التآمر والتدخّل المباشر عندما اشتعلت ثورة الشعب الإيراني عام 79 في زمن الحرب الباردة وعالم القطبين.
وبعد 17 شهراً من العدوان والحصار ورغم محاولات تعبئة الرأي العامّ الأميركي حول خطر امتلاك إيران للسلاح النووي على الحضارة الغربية ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وأنّ هذه الحرب تمثّل حرباً على الظلام والهمجية، إلا أنّ محاولات إدارة ترامب فشلت في تعبئة الرأي العامّ الأميركي. وبحسب استطلاعات الرأي بقيت نسبة تأييد الرئيس ترامب عند أدنى مستوياتها لا تتجاوز 33 بالمئة، خاصة وأنّ هذه المحاولات جاءت مصاحبة لجرائم "إسرائيل" غير المسبوقة في قطاع غزة وضدّ المقاومة الفلسطينية المصنّفة أذرعاً لإيران.
إنّ نظرية الأذرع هذه تختزل القضية الفلسطينية وتدمجها ضمن الصراع مع إيران من جانب، وتدخل الإقليم في صراعات مستديمة تأخذ أبعاداً مذهبية يصعب احتواؤها من جانب آخر، ولا تخدم سوى مصالح "إسرائيل". وهي تقتضي أنّ هناك رأساً تسخّر إمكانيات الولايات المتحدة لمواجهته والقضاء عليه بالتعاون مع "إسرائيل" قبل أن يمتلك السلاح النووي، أما إمكانات الإقليم فيتمّ تسخيرها لقطع الأذرع، لتصبح المواجهة مع إيران هي معركة الحضارة ضدّ الهمجية والرجعية خدمة لاستقرار المنطقة والعالم، بدل أن تكون معركة استباحة المنطقة ونهب ثرواتها خدمة لـ "إسرائيل" والولايات المتحدة. إنّ ربط نظرية الأذرع هذه بالمقاومة الفلسطينية كانت سبباً رئيسياً من أسباب فشلها وارتدادها على مخترعيها.
لقد أخطأت إدارة ترامب في تقدير الموقف من عدة جوانب:
1- التوقيت لم يكن مناسباً، فيد الولايات المتحدة ليست مطلقة خاصة في منطقة تنتج ويمرّ عبرها أكثر من 20 بالمئة من الطاقة اللازمة للعالم، وفي وقت احتدام الصراع الدولي في طريقه نحو عالم متعدّد الأقطاب.
2- الانجرار وراء التقييمات والخطط الإسرائيلية التي يختلط فيها المهني بالسياسي بالشخصي في محاولة لإقناع الإدارة الأميركية بالفرصة السانحة التي لا يمكن تعويضها لإسقاط النظام وإنهاء الصراع بالضربة القاضية كما يتمنّى ترامب والصهاينة الإنجليين في إدارته.
3- عدم فهم طبيعة الشعب الإيراني ولا تاريخه ولا عقيدته وثقافته، وتعميم منهج التعامل مع الشعوب وإخضاعها بالقوة المفرطة بعد سكرة النجاح السريع في فنزويلا ومن دون إدراك لخصوصيات الشعوب، مما شجّع الرئيس ترامب على استهداف رأس النظام الإيراني كما فعل مع مادورو من دون أن يدرك القيمة الدينية للسيد علي الخامنئي الذي يعتبر الولي الفقيه نائب الإمام عند الإيرانيين الذين ما زالوا يحتفلون حتى اليوم بأربعينية الإمام الحسين رضي الله عنه بعد نحو 1400 عام.
وأمام الفشل في المراهنة على المعارضة الداخلية والخارجية، عادت الولايات المتحدة لتمارس الحصار الاقتصادي بأقصى صوره فيما سمّي (المنبوذ الاقتصادي) لخنق البلاد وإثارة الفتن.
وكما كان العدوان العسكري معياراً لصلابة النظام وتماسكه رغم الخسائر الكبيرة في القادة، فإنّ الخنق الاقتصادي سوف يشكّل معياراً لوعي الشعب الإيراني وتماسكه وحرصه على استقلاله ونهضته رغم المعاناة الشديدة المتوقّعة. لقد فشلت الولايات المتحدة في إخضاع إيران عبر آلاف العقوبات الاقتصادية على مدى سنوات الحصار وأيّ محاولة جديدة لخنق اقتصاد البلاد وتقييد تجارتها الدولية خاصة مع الصين وروسيا والهند وتركيا والعراق والإمارات، في محاولة لاستلهام الفكرة الأساسية لمشروع مارشال في جعل تقديم المساعدة للدول التي أنهكتها الحرب مشروطة بالإشراف الأميركي على تجارتها الخارجية ونقل أموالها، سوف تبوء بالفشل شريطة صمود الشعب واستعداده لتحمّل المزيد من التضحيات.
إنّ الولايات المتحدة تملك اليوم قوة عسكرية ساحقة وسلطة يصعب تحدّيها من الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية وغيرها، لكن ليس في التاريخ مثال واحد لصراع تحسمه القوة وحدها.
وفي الفترة الزمنية نفسها من التاريخ - التي نحياها اليوم - ولم تمضِ سوى سنوات قليلة على تفرّد الولايات المتحدة بقيادة العالم، وقبل أن تصل إلى نهاية التاريخ أو الانتصار النهائي للرأسمالية المتوحّشة بحسب وهمهم، وعلى وقع الإبادة الجماعية في غزة تعود التناقضات لتغزو قلب الغرب وقلعته الأساسية أميركا. وترامب الذي أعمته غطرسة القوة، والذي يحيط به المنافقون والدجّالون ومستشاروه الروحيون من كلّ جانب لا يزال يحلم بأن يحكم العالم بتعويذة سحرية، بينما يتعثّر طموحه مع إيران وفي روسيا ومع الصين وحتى مع حلفائه في أوروبا وكندا وغيرها.
وإذا سُمح لترامب بالعودة إلى شريعة الغاب، فإنّ دولاً في العالم والإقليم سوف تعاني وتخضع أو تتفكّك. وأطماع ترامب المعلنة ليست في إيران والخليج فقط، بل أيضاً في كندا وغرينلاند وبنما وكوبا وغيرها. إنّ انتصار هذا النموذج الذي يمثّله تحالف نتنياهو - ترامب يمثّل هزيمة الإنسان، ويعيد إنتاج النماذج البشرية من القتلة والسفّاحين والنهّابين والانتهازيين والنفايات البشرية مع غياب كلّ ما هو إنساني.
وإذا كان إنجيل ترامب يطلب الثأر لسبعة وأربعين عاماً من المعاندة وعدم الانصياع، فإنّ هناك على الجانب الآخر من لا يزال يطلب الثأر لرأس الحسين رضي الله عنه في كربلاء.
لقد تجاوزت إيران ما يقارب نصف قرن من الحصار والتآمر والحروب لتحافظ على استقلالها وسيادتها، وكلّ عدوان خارجي كان يؤسس لتجاوز الاحتقان الداخلي:
-ثماني سنوات من الحرب الضروس مع العراق أسست بناء قواعد الجمهورية الإسلامية وشهدت تأسيس حرس الثورة والباسيج.
-الحصار الممتد والمتسع أسس لبناء اقتصاد مستقل وتصنيع محلي يعتمد على القدرات الذاتية.
-العدوان الأميركي الإسرائيلي المباشر اليوم يؤسس للسيطرة على مضيق هرمز واستكمال التسلّح بكلّ أشكاله، وهو بمثابة دعوة لامتلاك السلاح النووي الذي يمثّل رادعاً لأيّ عدوان في عصر شريعة الغاب التي يمارسها ترامب ونتنياهو.
لقد فشلت أميركا و"إسرائيل" بعرض عضلات تقنياتها العسكرية المدمّرة في جولات من العدوان استخدمت خلالها أحدث وسائل التدمير من الطائرات والقنابل والصواريخ في تحقيق الهدف الأساسي للعدوان المتمثّل بإسقاط النظام الإيراني.
وإنّ هذا الفشل في حال تأكّده سيكون مثلاً للشعوب والدول الأخرى المستهدفة من الولايات المتحدة، فأيّ دولة لا تكفي نفسها بنفسها، ولا تكون مستعدّة للدفاع عن استقلالها، ستكون تابعة للسوق العالمية التي يقود لعبتها المستفيدون الوحيدون من هذا التشرذم والتفكّك، وستكون في حاجة ماسّة للولايات المتحدة. وهذا ليس جديداً على السياسة الغربية عامّة وسياسة الولايات المتحدة على وجه الخصوص، تمّت ممارسته في تفكيك الاتحاد السوفياتي وفي تفكيك يوغوسلافيا وفي ارتهان ومحاولات إخضاع أفغانستان والعراق وفنزويلا وغيرها.
وفي العالم العربي فإنّ السياسة الأميركية الإسرائيلية ثابتة، تستهدف إضعاف أو تفكيك الدول من دون استثناء وإخضاعها لعصابات السلطة ومافيات السماسرة مع هدم كلّ أثر للنهضة والاستقلال في العقول والأرواح، ليصبح كلّ شيء يباع ويشترى حتى فكر الإنسان وكرامته. وفي هذه الحال فإنه لا تجري محاولات قتل رموز العروبة فحسب، وإنما قتل رموز الثورة والجهاد على الاستعمار وصولاً إلى تغييب رموز الفاتحين من الصحابة والتابعين.
إنّ السياسة الرأسمالية المتوحّشة القائمة على شنّ الحروب وإلغاء الآخرين والتي تريد الهيمنة على الشعوب والتحكّم بثرواتها وتولّد أسوأ المظالم في العالم في أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها بدأت تتعثّر مجدداً مع إيران. إنّ المعارضة العنيدة التي تبديها إيران في وجه سياسات أميركا و"إسرائيل" التدميرية والتصميم القوي على الاحتفاظ بشخصية مستقلة في وجه العولمة وفي وجه تخريب القيم الإنسانية له جذور عميقة في تاريخ وثقافة الشعوب المسلمة، وأيّ جولة جديدة متوقّعة من العدوان بعد الانتخابات النصفية الأميركية، لن تحدث تغييراً جوهرياً في معادلة الصراع أكثر مما أحدثته الجولات السابقة.
ومع ذلك فنحن لا نتوقّع من الساسة المستكبرين الأميركيين والإسرائيليين أن يأخذوا الدروس والعبر من التاريخ ولا من أخطائهم، ولا نتوقّع من القادة الذين وضعوا أنفسهم في خدمة أسياد العالم وأسياد المنطقة المؤقتين، أن يكونوا قادرين على خلق حلول لها ملامح إنسانية أو التوصّل إلى نهايات متوازنة لهذه الحروب المفتوحة.
إنّ الفكر الصهيوني الموغل في العنصرية والتفوّق العرقي والمبرّر لكلّ الجرائم والإبادة الجماعية المسيطر على سياسة البيت الأبيض هو الأكثر خطورة على البشرية في حال نجاحه، وهذا الفكر تمتد مواجهته من ساحات المعارك وصولاً إلى ساحات الجامعات في قلب أميركا وأوروبا. إنّ التستّر باللاسامية في وجه كلّ نقد للصهاينة وللسياسة الأميركية والإسرائيلية أصبح مفضوحاً بشكل لا يمكن التستّر عليه، وهذا هو المعنى العميق للاحتجاجات التي تجتاح مدن أوروبا وأميركا وجامعاتها ضدّ سياسة أميركا وضدّ الإبادة الجماعية.
إنّ الفشل في تحقيق إسقاط النظام الإيراني في المواجهة مع إيران، إضافة إلى فشل "إسرائيل" في حسم أيّ ساحة من ساحات الصراع يضاف إلى بداية تحرّر المجتمعات الغربية من ضغوط اللوبي الصهيوني وآلة التضليل وغسل الأدمغة، ينبئ بموت الصهيونية وأفول شمس الإمبراطورية الأميركية.