عودة "داعش" إلى الشرق السوري: المقدّمات والأسباب
وزارة الدفاع التي لم تنتهِ بعد من إعداد الجيش الجديد، لا تملك المقومات الكافية لمواجهة داعش في غياب قوات دولية متمرسة في تلك الحرب ( القوات الأميركية والتحالف الدولي) تساعد على هذا الصعيد، كما كانت الحال مع "قسد".
-
داعش من جديد؟
أكثر من ستّ سنوات مرّت على إعلان "وزارة الحرب الأميركية" عن القضاء على تنظيم "داعش" الإرهابي في الشرق السوري. ولكنْ، ما إن بدأت القوات الأميركية، قبيل منتصف شهر شباط / فبراير الفائت، بالانسحاب من القواعد التي أقامتها على الأرض السورية على مدى السنوات العشر الماضية، حتى عاد اسم التنظيم إلى واجهة الأحداث بقوة خلال الأسبوعين الماضيين، حيث عادت خلاياه لتنشط ميدانيًّا في مناطق عدة من الشرق السوري، خصوصًا في محافظتي الرقة ودير الزور، وذلك عبر مهاجمتها لحواجز ونقاط تابعة لقوات وزارتي الدفاع والداخلية في تلك المناطق، وقد تسببت تلك الهجمات بسقوط عدد من القتلى والجرحى.
ولا بد عند البحث في تفاصيل هذا الحدث الفارق، من المرور الإجباري على الظروف الميدانية والسياسية والإجتماعية التي ساعدت في إعادة الأجواء في الشرق السوري إلى ما يشبه أجواء العام 2014، حين بدأ التنظيم بالتمدد في تلك الأنحاء والسيطرة تباعًا على مساحات واسعة منها.
فالواقع أنّ عوامل أساسية عدّة ساعدت بشكل رئيسي في عودة الميدان إلى مربع قديم على هذا الصعيد في الشرق السوري. ولعلّ أول تلك العوامل التي مهّدت لهذه المرحلة، هو التحوّلات السياسية والميدانية التي سبّبها سقوط النظام السابق وانسحاب الجيش وحلفائه الميدانيين حينذاك. وإخلاء القوات الروسية لجميع القواعد والنقاط في الداخل والبادية والشرق. وبالتالي حدوث فراغ عسكري ميداني في مئات النقاط والمواقع دفعة واحدة. أمّا العوامل المباشرة، فبدأت بإطلاق وزارة الدفاع السورية، منتصف شهر كانون الثاني / يناير الماضي، وبموافقة أميركية، عملية عسكرية ضد "قوات سوريا الديمقراطية" انطلاقًا من مدينة حلب باتجاه الشرق. أدت إلى انسحاب "قسد" من عموم المناطق الواقعة بين حلب والحسكة، ثم حدوث تلك العملية، كما اتّضح لاحقًا،، من دون خطط تُراعي مسألة تسليم السجون التي تضم أكثر من /12/ ألف قيادي وعنصر يُشكّلون الكتلة القتالية الصلبة للتنظيم.
وكذلك العديد من المخيمات التي تحوي عائلات قيادات ومقاتلي التنظيم. والأمر المهم هنا، هو عزوف القوات الأميركية المتمركزة في العديد من القواعد والنقاط في الشرق السوري، ومنها نقاط قريبة جداً من السجون التي تضم مقاتلي التنظيم، عن التدخل بأي شكل لحماية تلك السجون أثناء المعارك، وذلك رغم المناشدات التي أطلقتها "الإدارة الذاتية" في الشرق السوري، واضطرار "قسد" و"الأسايش" للانسحاب من تلك المواقع تحت الضغط العسكري الذي مارسته قوات العشائر العربية ثم قوات وزارة الدفاع السورية.
الأمر الذي أحدث فوضى عارمة أدت إلى هروب عدة آلاف من أعضاء التنظيم، وقد اختفى معظم هؤلاء بالفعل، رغم إعلان القوات الأميركية عن إعادة القبض على المئات منهم، وبدء نقلهم إلى سجون جديدة في الداخل العراقي. وتمثّلت النتيجة المباشرة لكلّ ذلك، في إنهاء دور "قسد" كأداة محلية رئيسية وفاعلة في محاربة التنظيم، بشكل مفاجئ، وحصرها في البلدات والقرى الكردية.
وقد أدى الدخول السريع لقوى الأمن الداخلي إلى تلك المناطق، وعدم وجود الوقت الكافي لبناء منظومة أمنية متماسكة، إلى هشاشة أمنية ملحوظة ومؤثرة جدًّا على هذا المستوى. لكن العامل الأكثر تأثيرًا هنا، تمثّل في إعلان القوات الأميركية بدء عمليات انسحابها من معظم القواعد والنقاط العسكرية في الشرق السوري وعمق البادية، من دون اتخاذ أي ترتيبات جدّية لملء الفراغ الناشئ عن ذلك.
تلك هي العوامل الميدانية المباشرة التي ساعدت في عودة ظهور التنظيم إلى العمل. لكن، يمكن القول إن بعض تلك العوامل ذاتها، تبدو مرسومة بعناية لكي تهيّئ الأرضية بشكل كامل لهذا الأمر. فالجميع يعرف أنّ وزارة الدفاع التي لم تنته بعد من إعداد الجيش الجديد، لا تملك المقومات الكافية لمواجهة التنظيم في غياب قوات دولية متمرسة في تلك الحرب ( القوات الأميركية والتحالف الدولي) تساعد على هذا الصعيد، كما كانت الحال مع "قسد".
أضف أنّ لدى "البنتاغون" الأميركيّ شكوكاً جرى التعبير عنها في أكثر من تقرير أو تصريح مباشر، حول وجود اختراقات خطيرة للتنظيم في صفوف القوات الحكومية، ولعلّ ما جرى في "تدمر" قبيل نهاية العام الفائت، هو أبلغ مثال يمكن الأخذ به والتعلم منه. وعليه، فإنّ اعتبار عودة التنظيم "حدثاً طبيعيّاً" أنتجته مستجدات وظروف معينة أو قاهرة، أمرٌ يفتقر إلى الرصانة، وبالتالي، فإنّ الشك الذي يعتمر عقول العديد من المراقبين السوريين والإقليميين (كما شرائح واسعة من المواطنين السوريين)، واعتبارهم أنّ هناك ما يجري الإعداد له في المنطقة، وأن عودة "داعش" هي جزء من مخطط مرسوم، مرتبط بمشاريع أوسع في المنطقة، هو شك مشروع تمامًا، خصوصًا إذا ما ربطنا الأمر بالمستجدات المتزامنة مع هذا الظهور، والمتمثلة بالحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وبالخطط المرتبطة بها في الإقليم عمومًا.
وبالعودة إلى الميدان، فبتاريخ 21 شباط / فبراير الفائت، وبعد صمت لما يقرب من عامين، بثت وكالة أنباء "دابق" التابعة لتنظيم "داعش"، رسالة جديدة بصوت المتحدث باسم التنظيم "أبو حذيفة الأنصاري"، تضمنت تهديدًا مباشرًا وصريحًا للحكومة السورية. حيث قال الأنصاري إن الحكومة السورية الحالية "حكومة علمانية ومرتدة، ووجب قتالها لتخليص الشام منها"، واعتبر أن سوريا "خرجت من الحكم الإيراني إلى الحكم الأميركي التركي"، ودعا مقاتلي الفصائل ومنتسبي وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، إلى الالتحاق بالتنظيم للجهاد ضد "الكفار والمرتدين".
والملاحظ هنا في الشكل، أن التنظيم عاد إلى استخدام نفس اللغة الأيديولوجية التي اعتاد استخدامها في خطابه الإعلامي، واعتمد ذات التوصيفات السياسية أيضًا. وقد أشارت عدة تقارير أمنية نُشرت مؤخّرًا، سواء في أوروبا أو في الإقليم، إلى تصاعد نشاط التنظيم عبر الفضاء الإلكتروني، حيث أعاد تنشيط منصاته الدعائية على عدة تطبيقات مشفّرة، في محاولة واضحة منه إلى إعادة التحشيد والتأثير والاستقطاب لفئات شبابية جديدة من خلال محتوى تعبوي تحريضي.
أمّا على صعيد المواجهة الميدانية، فقد تبنى التنظيم بتاريخ /18/ من شهر شباط / فبراير، هجومَا استهدف عنصرين من القوات الحكومية قرب المعبر النهري في بلدة "ذيبان" الواقعة في ريف محافظة دير الزور الشرقي، ما أدى إلى سقوط أحدهما على الفور، وإصابة الآخر بجروج بليغة.
ثم بالتزامن مع التسجيل الصوتي الذي نشره التنظيم، فقد تبنى الأخير مسؤوليته عن مقتل عنصرين من وزارة الدفاع السورية، في هجوم على أحد الحواجز في ريف محافظة الرقة. وبعدها بساعات، تبنى التنظيم عملية اغتيال طالت شابًا ينحدر من بلدة "بقرص"، قُتل إثر تعرضه لإطلاق نار مباشر من قبل مسلَّحَين يستقلان دراجة نارية بالقرب من سوق الأغنام في مدينة "الميادين" بريف دير الزور الشرقي. وفي السياق نفسه، فقد استهدف مقاتلان من التنظيم، يستقلان دراجة نارية أيضًا، السبت الماضي، عنصرين من الفرقة /42/ التابعة لوزارة الدفاع السورية، في قرية "الواسطة" التابعة لمدينة "سلوك" في ريف محافظة الرقة الشمالي.
وفي السياق أيضًا، أعلنت وكالة "سانا" بداية هذا الأسبوع، أنّ "مقاتلين من تنظيم "داعش" الإرهابيّ قد شنوا هجومًا على حاجز "دوّار السباهية" الذي يبعد /4/ كيلومترات عن مركز مدينة الرقة، ما أدى إلى سقوط /4/ شهداء و /3/ جرحى بين صفوف قوات الأمن الداخلي السورية"، التي أعلنت عن "تحييد" عدد من أفراد الخليّة المهاجِمة. وهو الهجوم الثاني الذي يقع على هذا الحاجز خلال أقل من /48/ ساعة، فقد سبقه استهداف آخر أدى إلى سقوط عنصرين من أفراد الأمن وجرح آخرين.
وقد تلا ذلك عدة هجمات خلال هذا الأسبوع، تركّزت في محافظتي دير الزور والرقة، كما قام التنظيم بهجوم على أطراف بلدة "السخنة" الواقعة في البادية السورية، ونفّذ هجمات خاطفة على طريق دير الزور – تدمر. واُعلِن يوم الخميس /27/ شباط / فبراير، عن مقتل عنصر من "الأمن العام" السوري على طريق مطار حلب الدولي، بعد استهدافه من قِبل مجهولين يُعتقد أنهم ينتمون لتنظيم "داعش" ، بحسب بعض المصادر.
وعلى صعيد متصل، حذر القيادي الكردي، مظلوم عبدي، في تصريح لإحدى الشبكات التلفزيونية الأميركية (بي بي أس) هذا الأسبوع، من الخطر المتنامي لتنظيم "داعش"، مؤكّدًا أن "التنظيم ما يزال فاعلًا، وقد يعود ليُشكّل تهديدًا على العالم، في حال لم تتواصل الجهود لمحاربته".
ومن جهة موازية، أفادت تقارير عدة، أن مصير أكثر من /20/ ألف شخص كانوا في معسكر "الهول"، يشكّلون عائلات مقاتلي تنظيم "داعش " الإرهابي، ما يزال مجهولًا. وأنّ الحكومة السورية لم تقدم أي وثائق أو خطط واضحة لإعادتهم أو دمجهم في المجتمع، وهذا يعني أن آلاف المواطنين الأجانب الذين يواجهون اتهامات جنائية في بلدانهم، قد يعودون سرّا إلى دولهم، أو يختفون في أماكن مجهولة.
وهناك تحذيرات جدية من عدم حدوث أي تحرك دولي فاعل يهدف إلى ضبط هذا الوضع وإيجاد حلول آمنة له، خصوصًا بعد فشل "التحالف الدولي" في وضع استراتيجية واضحة لنحو /25/ ألف شخص بقوا في مخيّمي "الهول" و"روج" في الشرق السوري. وقد أعلنت الحكومة السورية عن خطط لإغلاق المخيّمين بعد سيطرتها عليهما مؤخّرًا، وعملت على نقل /600/ مواطن سوري إلى مخيم "أخترين" في ريف حلب الشمالي الغربي، من دون أن تصدر أي معلومات أو إيضاحات حول وضع السكان الأجانب.