عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: الدولة الوطنية - القومية: تمكين الغرب.. وتمزيق الشرق
ما الحلّ لكل ما يجري في منطقتنا؟ السيّد عادل عبد المهدي يقدّم في مقاله عبر "الميادين نت" رؤيةً استراتيجيةً لما يمكن أن تكون عليه البلاد في المرحلة المقبلة، ولا سيّما أنّ ضعف الدول، الذي يسمح بإنشاء الأعداء، يتيح أيضاً للمقاومات أن تنمو!
-
مختبر الحياة في السياسة يتطلب نظرة بعيدة وحساب التحولات الاستراتيجية التراكمية.
يثير الكلام عن دور الدول العربية والإسلامية في التطبيع مع العدو الإسرائيلي، أو وقوف بعض هذه الدول ضد المقاومة الفلسطينية، والقوى المساندة لها، وتماهي تلك الدول مع الكيان الصهيوني، بل تصدي بعضها للمسيرات والصواريخ التي أطلقها اليمن أو العراق أو الجمهورية الإسلامية دفاعاً عن أنفسهم ونصرة لفلسطين، وبالعكس مساعدة بعضهم الكيان الصهيوني في أعماله العدوانية، يثير ذلك كله نقاشاً حول شرعية أو عدم شرعية الدول لدينا في القيام بهذه الأعمال.
تم مؤخراً طرح موضوع حصر السلاح بيد الدولة على نطاق واسع، في عدد من الدول مثل لبنان والعراق وفلسطين وغيرهم، وهو طرح لا يقصد به نزع السلاح من أعداء الدولة الحقيقيين من إرهابيين أو قوى أجنبية، بل من قوى المقاومة فقط.
تلك القوى التي كانت هي في مقدمة الصفوف لتحرير الأرض والدفاع عن الوطن والدولة. فأين نموضع شرعية أو صلاحية الدولة في عالمنا العربي والإسلامي من هذه الطروحات؟ وما هي بناءاتها التاريخية والحالية؟
فمن دون تعريف شرعية وصلاحية الدولة وما تستبطنه من مصالح وطنية وغير وطنية وحقها في التصرف بحقوق شعوبها وقضاياهم المصيرية، سيكون من الصعب تشخيص صلاحية ومواقف المقاومة منها، ومن حقوق الأوطان ومواطنيها.
ويمكن تلخيص سمات "الدولة الوطنية" Nation State، كما تطورت في الغرب أو الشمال بالآتي:
1- الانتقال من النظام الإمبراطوري إلى النظام السيادي الملكي أو الجمهوري، فقد حلت "الدولة القومية" محل الإمبراطوريات متعددة القوميات، التي كانت تحكم بالحق الإلهي أو الوراثي.
2- مبدأ السيادة الوطنية: ظهر مفهوم السيادة النابع من الوطن/الشعب، وليس من الحاكم أو الدين.
3- المواطنة المتساوية: ولاء المواطنين للدولة بدلاً من الولاءات المحلية أو العائلية أو الدينية. فالدولة يكون فيها مواطنة وجنسية وهوية وقوانين وسلطات حاكمة على كل جغرافيتها.
4- الحدود الواضحة: تحديد حدود ثابتة بناءً على هوية قومية، بدلاً من مناطق النفوذ المتغيرة.
5- السيادة الإقليمية: سيطرة حصرية على إقليم محدد بحدود معترف بها دولياً.
6- الاعتراف الدولي: القبول من دول أخرى بشرعية الدولة وحدودها.
7- شرعية جديدة: قائمة على تمثيل الإرادة الشعبية (ولو نظرياً)، بدلاً من الشرعية الدينية أو التقليدية.
8- الشعب/المجتمع: مجموعة بشرية تشترك في هوية واحدة (قد تكون عرقية، لغوية، ثقافية، تاريخية، عقدية).
9- الحكومة المركزية: جهاز إداري موحد يمارس السلطة على كامل الوطن.
10- الاحتكار المشروع للقوة: احتكار استخدام القوة المشروع سواء داخل الوطن، أو في الحرب للدفاع عنه.
11- توحيد الهوية الوطنية: غالباً عبر أنظمة التعليم والإعلام والخدمة العسكرية والرياضة والسفر، الخ.
المراحل الأربع الافتراضية لتطور فكرة الدولة في أوروبا وانعكاسها لبقية العالم: وضعنا هذه المراحل الأربع افتراضياً لتسهيل التمييز بين مراحل عمل ومهام الدولة القومية في الغرب أو الشمال.
فما هو أساسي في مرحلة قد يتحول إلى ثانوي في أخرى، والعكس صحيح أيضاً. كما أجرينا مقارنة أولية مختصرة بانعكاساتها في بقية المعمورة أو الجنوب.
1- ولادة الدولة القومية:
- في الشمال، نظريات هوبز (1588-1679) والانتقال من "الحق الإلهي" إلى السيادة الوطنية (معاهدة ويستفاليا 1648)، ومونتسكيو (1689-1755) وفصل السلطات، وجان جاك روسو (1712-1778) والعقد الاجتماعي، ومن سبقهم أو على يمينهم أو يسارهم، مثل هيغل (1770-1831) والديالكتيك المثالي وحكم العقل، وماركس (1818-1883) وإنجلز (1820-1895) والديالكتيك المادي وحتمية التاريخ ودكتاتورية البورجوازية ودكتاتورية البروليتاريا، وأن الدولة في جوهرها هي الحرب والمال.
الدولة في كل هذه الأطروحات هي الماسكة للقوة، تكتسب شرعية إسمية أو حقيقية من الشعب/الوطن، وهي التي ستمثله وتنطق باسمه.
- في الجنوب (الاستعمار والاحتلال والاستيطان المباشر ونظام العبودية والإبادات الجماعية، الخ): وفرض الحدود المصطنعة (مؤتمر برلين 1884 لأفريقيا، وسايكس بيكو لبلدان المشرق العربي (1916)، من دون أي عقد اجتماعي. الدولة هنا هي أداة إدارية سلطوية لإدارة المستعمرات، هدفها خدمة الاقتصاد الغربي. والسيادة مفقودة تماماً. والشرعية مستمدة من القوة العسكرية الاستعمارية والقبضة الحديدية، وليس من الإرادة الحرة للشعوب.
2- دول المؤسسات وعصبة الأمم:
فما بين نهاية الحربين العالميتين الأولى والثانية (1919-1945) حيث جرت حوكمة العلاقات الدولية عبر حكم الأمم المنتصرة في العالم.
ففي الشمال ترسخ نموذج الدولة الوطنية المؤسساتية. وفيها كانت الدولة هي الوحيدة التي تملك القوة (أي حصر السلاح) على كامل أراضيها (ماكس فيبر1864-1920) عبر بيروقراطية عقلانية، واحتكار شرعي للعنف).
والبدء بالاندماج الحقيقي والنهائي بين الحركة الصهيونية والحركة الاستعمارية، كما مثلته بريطانيا وأنصارها وتياراتها، أو الاستمرار على الرؤى القديمة العدائية للتعامل مع اليهود كما مثلته ألمانيا وأنصارها وتياراتها.
أمّا في الجنوب، فجرى تطبيق الانتداب والوصاية بدلاً من الاستعمار المباشر ودول أشباه المؤسسات. وبذلك تم إلباس الهيمنة ثوباً قانونياً وأخلاقياً وشرعية دولية. والدولة هنا بعد اقتطاعها من فضائها وتمزيق أوصالها هي مشروع قيد التكوين، تحت إشراف السيد الاستعماري، مع بناء مؤسسات محلية ضعيفة تخدم الاستمرارية الاستعمارية.
3- دول الأمم المتحدة ومجلس الأمن: منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945.
ففي الشمال سادت هيمنة النموذج الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة.
أُريد للأمم المتحدة ومجلس أمنها أن يكونا إطاراً للحوكمة العالمية. بما يعكس هيمنة المنتصرين (حاملي حق النقض). فتصل الدولة الغربية إلى ذروة قوتها المؤسساتية والسعي لفرض شرعيتها عبر قوانين عالمية يقبلها الجميع أو تفرض عليه.
وهكذا، تزداد الفجوة بين الغرب أو الشمال وتطوره نحو مجتمعات الرفاه والمجتمعات الاستهلاكية العالية المستويات، والشرق أو الجنوب نحو الانسدادات والإفقار والتخلف، فتتفاوت المداخيل وأنماط الحياة وهيمنة الدولار المغطى جزئياً بالذهب، ثم التخلي عن أي ارتباط له بأي أصل أو معدن، ويتعاظم دور البنوك المهيمنة والشركات العابرة للقارات والمنظمات التي تسيطر عليها الدولة الاستعمارية، ويشيع عالم الصور والأوهام عبر السينما والإعلام والمسلسلات ووسائط النقل الحديثة وسهولة انتقال الصور من العالم الغربي إلى بقية أجزاء العالم، إلخ.
في الجنوب أي الدول المستقلة اسمياً، سنشهد مرحلة الاستقلال النسبي والسيادة القانونية في مساحات مسيطر عليها، وفقدانها في المساحات الأساسية والحاسمة. ونيل العضوية في الأمم المتحدة ومعظم المنظمات الدولية، لكن في المقاعد الخلفية إن صح التعبير.
والأسباب هي:
- اقتصاد مرتبط بنظام بريتون وودز (النظام الذي ربط العملات بالدولار، وربط الدولار بالذهب بسعر ثابت) وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وشبكات المال والإعلام والثقافة العالمية، لتصبح الحياة والصور المنقولة من الغرب المتخم بالحقوق والرفاه دافعاً إلى انحرافات مفاهيمية وعملية ومطلبية ورغبوية لا حدود لها في الداخل، تسعى للهجرة إلى الخارج أو التمرد، اعتقاداً أنّها بالركض وراء سراب التجربة الغربية ستصل إلى النتائج التي وصل إليها الغرب، متناسين العامل القهري والاستعماري والاستعبادي والاستغلالي الذي توفر للغرب أو الشمال، ولا يتوفر للشرق أو الجنوب.
- سياسات ضعيفة ومتورطة في الحرب الباردة، طالما تقف فيها ما كان يسمى بدول العالم الثالث مع المعتدي المهيمن والمستعمر، ضد بلدٍ من بلدان العالم الثالث الأخرى.
- الهيكلية، إذ ورثت هذه الدول حدوداً ومؤسسات استعمارية لم تتطور عضوياً، بل اصطناعياً. وهنا تظهر الدولة "الهشة" أو "المجوفة" أو الدولة الريعية التي تعتمد على عوائد تصدير المواد الخام.
- الأمن والاستقرار الوطني. فبتصاعد الصراعات والحروب مع الجيران على قطعة من الحدود أو بين مكونات قومية أو دينية أو مذهبية متنافرة. أُطلقت الفتن والحروب الأهلية، التي ستتدخل فيها الدول المهيمنة والمستعمِرة التي أنشأت هذه الحدود، بوصفها الناصح والحكم المحايد، وهو ما يزيد من مكانتها وقوتها، ليزيد بالمقابل من ضعف الدولة الوطنية، ويوغل في تمزيقها.
4- الدولة النيوليبرالية والعولمة:
في الشمال منذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. والتي شهدت انحسار دولة الرفاه وتغول الرأسمالية المالية العالمية (ليس العقارية أو التجارية أو الصناعية بل المالية كأعلى مراحل الرأسمالية)، لتتحول الدولة هنا إلى "دولة حارسة" للسوق، فتتفكك سيادتها الاقتصادية لصالح الشركات العابرة للقوميات والمؤسسات المالية وكبار أثرياء العالم.
وتخرج الدولة هنا نفسها من قيود القانون الدولي أو المواثيق الدولية، بما فيها الأمم المتحدة ومنظماتها، وتصبح سلطاتها أعلى من أي سلطة أخرى، وتتحول مجاميع السبعة الكبار أو العشرين الكبار لتكون هي الحاكمة الفعلية للعالم.
تتحول الولايات المتحدة و"إسرائيل" لتكونا هما الحاكمان الرئيسيان للعالم، يُخضعان الآخرين لكنهما لا يخضعان لأية ضوابط أو أعراف أو أخلاق أو أحكام المحاكم والقرارات والمؤسسات التي تم إنشائها من قبلهم في مرحلة سابقة، ليتحول كل شيء لأهواء شخصية مضحكة/مبكية وبطولات "رامبوية"، يمثلها ترامب ونتنياهو وأمثالهما.
أمّا في الجنوب، فإنّ "الدولة الوطنية/القومية" المجوفة فستفقد أموراً أساسية هي موضع نقاشاتنا اللاحقة.
مكاسب الغرب أو الشمال من نشأة "الدولة الوطنية" منها:
1- القضاء على الإقطاعات القديمة المبعثرة الأهداف وقيام كيانات فيها مواثيق تقترب بعضها من البعض الآخر.
2- بناء مراكز قرار ذات أبعاد عالمية تمتلك الطاقات والقدرات لا لإخضاع الداخل فقط، بل أساساً لإخضاع بقية الشعوب والقارات.
3- قيام شراكة بين الدولة والكنيسة ورأس المال، والقدرة على وضع قواعد جديدة لإدارة المكاسب العظيمة التي بدأت أوروبا بتحقيقها لنفسها على حساب الآخرين، ما مهّد لإطلاق ديناميكيات داخلية في شتى الشؤون الاقتصادية والعلمية والثقافية والتنظيمية والعسكرية، إلخ.
4- الحركة المركنتلية - "Mercantilism"، قامت بتوحيد الأسواق العالمية عبر سياسة "دعه يعمل.. دعه يمر". فمع وجود الكيانات المتعددة التي لكل منها قوانينها وأنماط تعاملها توحدت إلى حد كبير المصالح الأساسية، ما سهل عمليات العبور ووحدة الأسواق وإيجاد طرق جديدة للوصول إلى الصين والهند وأعماق آسيا بالالتفاف غرباً عِبر الأميركيتيين، لتجاوز الفضاء الإسلامي، أو عبر رأس الرجاء الصالح. وهو ما قاد لما سُمّي بحركة الاستكشافات، التي هي في محصلتها حركة الاستيطان واستعمار القارات الجديدة، واضعةً اليد على ثرواتها وكنوزها ومواردها الطبيعية، ما أكسبها موارد وقوى جديدة استُخدمت لتعزيز تقدمها وغزوها للجنوب والشرق.
5- قيام نظرة موحدة للعالم الخارجي (الشرق أو الجنوب) باعتباره عالماً بربرياً متوحشاً قابلاً للغزو والاستيلاء عليه، وأنّ مركز الحضارة والإنسانية هو أوروبا والغرب والشمال.
6- الثورة الصناعية والعلمية وفصل الدين عن الدولة.
7- تطور قوانين الحروب ومفاهيم الاقتصاد والدبلوماسية والسيطرة على الموارد العالمية.
الارتباط العضوي بين الدولة الوطنية الغربية والاستعمار والصهيونية
هناك ارتباط جوهري وليس عرضياً بين كل من الدولة الوطنية والاستعمار والحركة الصهيونية. صحيح أنّ الدولة حملت الكثير من الرؤى المتطورة عن الرؤى القديمة، ولكن كأي رؤية لا تضع لنفسها حدوداً، فإنّها تتحول بالضد منها.
فهي دولة تضخمية سرطانية توسعية احتلالية إحلالية بكل الأبعاد والعناوين. تضخمية في هيمنتها وسيطرتها على العالم لمصلحة قلة قليلة من العنصر البشري. تضخمية في نهمها وسعيها للغنى والثراء والرفاه والتهتك وصولاً إلى اللذات البشرية القصوى، على حساب القيم والأخلاق والحفاظ على النوع البشري، وعبر إفقار بقية الشعوب وحرمانها. تضخمية في الاستيلاء على حقوق الآخرين وأراضيهم وثرواتهم.
تضخمية في تدمير الذات البشرية والإبادة الجماعية ومقومات الطبيعة والحياة على الكرة الأرضية، وقس على ذلك. لتتحول هذه الأهداف من "نتائج" إلى "مقومات" للدولة كما نراها اليوم.
وهذه بعض الاتجاهات التي وسمت الدولة المعاصرة والتي أصبحت جزءاً عضوياً من طبيعتها:
1- التمويل والتوسع الاقتصادي، إذ تطلبت الثورة الصناعية أسواقاً خارجية للمنتجات وموادَ خام رخيصة.
2- وحدت الدولة القومية المركزية القوية الجهود الاستعمارية (مقارنة بالشركات والتيارات المستقلة).
3- نهب ثروات المستعمرات كلها (ذهب أميركا الشمالية، وفضة أميركا اللاتينية، ومنسوجات وثروات آسيا، وعبيد وثروات أفريقيا، ونفط الشرق، إلخ) والتي موّلت بناء الدولة الحديثة في أوروبا.
4- التنافس بين الدول القومية كقوة دافعة لتوفير طاقات أعظم للوصول إلى مكاسب أعلى بأسرع الأوقات.
5- صعود البروتستانية بالضد من الكاثوليكية، أو لاحقاً متحالفة معها (إنغلترا وهولندا ولاحقاً ألمانيا والولايات المتحدة البروتستانية، في ماقبل إسبانيا والبرتغال، ولاحقاً فرنسا وإيطاليا الكاثوليكية).
6- سباق الاستكشافات للقارات الأخرى سمح بامتلاك مستعمرات واسعة بثروات وإمكانيات عظيمة. كما قاد سباق التسلح البحري إلى إكتشاف طرق تجارية جديدة، وتقنيات جديدة لم تكن معروفة.
7- المؤتمرات الاستعمارية الأوروبية (مثل مؤتمر برلين 1884 لتقسيم أفريقيا) بين دول غربية تتفق على تقاسم العالم.
8- الأسس الأيديولوجية المشتركة التي لم تقتصرعلى العقيدة فقط، بل تعدّت إلى مواجهة بقية العالم والسيطرة عليه.
9- العرقية العلمانية وفكرة "الحملة الحضارية"، كما يبرز واضحاً حتى في خطاب مسؤولي الاتحاد الاوروبي اليوم في الكلام عن بستان أوروبي" جميل محاط بأدغال خطيرة يجب الوقوف بوجهها. (العبارة الشهيرة لوزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في عام 2022).
10- داروينيَّة اجتماعية تشير لتفوق الجنس الأبيض كمبرر للاستعمار والإبادات الجماعية.
11- المركزية الأوروبية باعتبار أوروبا مركز العالم، وأنّ قيادته للعالم هي قدر تاريخي.
12- التنظيم العالمي وفق الرؤية الأوروبية.
13- معاهدة وستفاليا (1648) التي وضعت الأسس لإنهاء الحروب الدينية بين الدول الأوروبية. معاهدة تخص دول القارة الاوروبية دون بقية القارات، والتي اعتبرت شعوبها مجموعات "بربرية" و"متوحشة". وهي من أرسى المبادىء الأساسية للعلاقات الدولية الحديثة. وأبرزها سيادة الدولة القومية ومبدأ الحرية الدينية.
14- عصبة الأمم (1919) كمنظمة للدول "المتحضرة" تكرس هيمنة المنتصرين.
15- الأمم المتحدة (1945) كمؤسسة تعكس توازن القوى بعد الحرب العالمية الثانية مع بقاء حق النقض (الفيتو) للقوى الاستعمارية السابقة.
16- الحركة الصهيونية جزء لا يتجزأ من هذه الحركة.
أوروبا كانت تعيش سلسلة من الأزمات، إحداها ما سمي بـ"المسألة اليهودية" التي شأنها شأن المسألة "البلقانية" و"الإيرلندية" و"العثمانية". فتم التعامل مع يهود أوروبا باحتواء أحياناً، وعداء وعنصرية في أحيان اخرى.
وترحيل المسألة إلى الخارج بالوعد بوطن قومي لليهود (بريطانيا) هو جزء من الحل والعجز عن إيجاد حل داخلي (ألمانيا والهولكوست)، للسعي في أن تتحول القضية اليهودية من عبء داخلي، إلى إضافة خارجية وحليف للمشروع الاستعماري.
محفزات انتقال الدولة القومية إلى الشرق وإلى غرب آسيا وبقية القارات
كنظرة عامة، جاء الانتقال ومحفزاته نتيجة عوامل داخلية وخارجية عدة منها:
1- أفكار الحداثة والنهضة الأوروبية: جاءت البذور الأولى من داخل الإمبراطورية العثمانية نفسها عبر سلسلة الإصلاحات التنظيمية في (1839-1876) التي حاولت تحديث الدولة العثمانية على النمط الأوروبي المركزي. هذه الإصلاحات عززت مفهوم المواطنة العثمانية (المواطن/الرعية) على حساب الهويات التقليدية الدينية والطائفية. ففتحت الباب بشكل غير مباشر لتفكير النخب في هياكل سياسية حديثة.
تأثرت النخب العربية والتركية والإيرانية بالفكر القومي الأوروبي (خصوصاً الألماني والإيطالي والفرنسي) خلال دراستهم في أوروبا، أو عبر الترجمة أو الانتماء للحركات الماسونية.
وساهمت مجلات مثل "المقتطف" و"الهلال" و"العروة الوثقى" و"القانون" في نقل هذه الأفكار.
2- دور النخب المحلية كمحرك داخلي:
- في تركيا، نشأت حركة القومية الطورانية/التركية بين المثقفين العثمانيين (مثل جمعية الاتحاد والترقي)، كرد فعل على تآكل الإمبراطورية، وكمشروع للإنقاذ. وتحولت إلى أيديولوجية للدولة تحت قيادة مصطفى كمال أتاتورك، الذي فرض نموذج الدولة القومية العلمانية الحديثة بقوة من أعلى.
- في العالم العربي ظهرت الجمعيات القومية العربية السرية (جمعية الفتاة العربية، حزب اللامركزية) بين النخب السورية واللبنانية، مدفوعة باضطهاد جمعية الاتحاد والترقي وإحياء التراث العربي (حركات النهضة والبعث). والتي طالبت بالاستقلال الذاتي أو الدولة العربية المستقلة تحت راية الشريف حسين أو خارجها لاحقاً.
- في إيران، كانت القومية أو الهوية الفارسية موجودة بما تمثَله من عوامل للوعي التاريخي - الثقافي، ولكنها تعززت في عهد السلالة البهلوية (رضا شاه) كأداة لتحديث إيران وخلق هوية موحدة في مواجهة النفوذين الروسي والبريطاني، ومحاولة استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية القديمة.
3- دور الاستعمار كقوة خارجية وحاسمة ومفصلية:
وهو العامل الحاسم في رسم الخرائط والسياقات الجديدة.
النخب المحلية استوردت بعض الأفكار، لكن الاستعمار هو من فرض الحدود والكيانات بشكل تعسفي غالباً. كانت مصالح القوى الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا) هي المعيار الأساس لتقسيم المنطقة، وليس الإرادة المحلية أو الحقائق الاجتماعية أو التاريخية.
استغلت هذه القوى وعود الاستقلال مثل مراسلات الشريف حسين بن علي، والسير هنري مكماهون المعتمد البريطاني في مصر (1915-1916)، واتفاقية فيصل الأول-وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية (1919) لدق إسفين بين العرب والعثمانيين، وإعطاء تسهيلات لليهود في فلسطين، والتي أنتجت اتفاقات سايكس-بيكو-سازونوف (قبل انسحاب روسيا بسبب الثورة البلشفية) في 1916 لتقسيم وتجزئة المنطقة، ووعد بلفور في 1917 لتأسيس الكيان الصهيوني.
بعد الحرب العالمية الأولى، فرضت معاهدات الانتداب (سان ريمو 1920) وتوزيع ولايات الانتداب على القوى الاستعمارية بشكل "رسمي"، ومعاهدة سيفر (1920) التي قسمت الأناضول، ثم معاهدة لوزان (1923) التي أقرت وجود دولة قومية تركية صغرى تحت قيادة أتاتورك، وألغت الخلافة، وصكوك عصبة الأمم كإطار قانوني دولي لفرض الهيمنة، ما منح هذه الدول إحدى أهم سمات "الدولة الوطنية/القومية"، وهو اعتراف الآخرين، وبالتالي، إعطاء الطابع "الشرعي" الدولي.
وهكذا، تم تقنين مفهوم "الشرعية الدولية" التي تصاغ سياساتها وقراراتها ليس من دول العالم أو الشعوب، بل من قِبل بضع دول، لتتكلم لاحقاً باسم الأسرة الدولية والإجماع الدولي والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي.
4- ضعف الكيانات والهياكل المحلية:
كان النظام العثماني في مراحله الأخيرة نظاماً متهالكاً إدارياً واقتصادياً وعسكرياً مع فشل مشروع المواطنة العثمانية في خلق ولاء موحد.
وكانت الهويات السائدة قبل "الدولة الوطنية/القومية" هي هويات دينية، طائفية، وراثية، وعشائرية ذات طابع محلي وإقليمي قائم على الزعامات والولاءات الشخصية. هذه الهويات تمتعت بالمرونة، إلا أنها عجزت عن تشكيل كيانات سياسية قوية وحديثة قادرة على مواجهة التحديات الاستعمارية، ما خلق فراغاً سعى نموذج "الدولة الوطنية/القومية" لملئه، وإن بشكل هش.
النتائج المدمرة لانتقال فكرة "الدولة الوطنية/القومية" إلى العالمين العربي والإسلامي:
1- فرض الحدود والهويات: الحدود والكيانات والهويات الجديدة قادت عملياً إلى تمزيق الوحدة المجتمعية والقيمية لهذه الشعوب والبلدان. فعدا تصارع الهويات الكبيرة القومية والمذهبية والدينية فيما بينها، يحصل أيضاً سعي للتنقيب عن هويات وثقافات مضمورة لوضعها في وجه هويات وثقافات قائمة لخلق الفتنة والانقسام.
فأمام تقطيع وتمزيق الفضاءات التاريخية، وفرض الحدود والسيادات حسب المصالح الاستعمارية، طُرحت مفاهيم القومية والمذهبية والأديان بأشكال لا سبيل أمامها سوى التصادم والصراع والمزيد من الانقسامات. كل ذلك بدل الفضاءات المفتوحة والتشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها بلداننا لقرون طويلة، والتي كانت تمنح مرونة للتكيف والتعايش، حتى مع اختلاف الأديان والمذاهب والقومية.
ونحن هنا لا نجمّل شيئاً ولا ندافع عن جميع نماذج التشكيلات التقليدية، بل نقارن ونقول، إنّ ما فُرض علينا هو أسوأ ممّا كان متوفراً لدينا.
فرغم العديد من السلبيات التقليدية التي كانت بحاجة إلى إصلاحات جوهرية، إلا أنّه كان يمنح الفرصة لهويات عديدة أن تعبر عن نفسها وتبني تشكيلاتها بمرونة تسمح بالعيش المشترك والحفاظ على الفضاء الواحد.
لا تترك النماذج المعاصرة للدولة الوطنية/القومية أمامنا سوى أمرين: إما الاستنجاد بالأجنبي لمواجهة أبناء التاريخ والأوطان والفضاء المشترك، أو التحارب والتصادم سواء لقهر الهوية الأخرى، أو سعي الهوية الأخرى لحماية نفسها.
2- تمزيق الأوصال: تعطيل وتمزيق طرق التجارة والإنتاج، وإضعاف الأسواق والتبادل، وضياع الخبرات وأنماط الحياة والعمران والعمل. فالموجة الجديدة لم تراكم الإيجابي الجديد على الإيجابي القديم كما فعلت في بلدانها، بل دمرت كلياً كل القديم بإيجابياته وسلبياته، لتفرض نماذج هجينية لم ولا تستطيع العيش إلا بالقوة والضغط والعنف والسيطرة على شروط العيش المحددة. فلا القديم بات فاعلاً، ولا الجديد يمكنه العيش دون مغذياته الخارجية المصطنعة.
فتفقد الدولة السيادة الاقتصادية بالكامل لصالح الخارج. وتبدأ اقتصادياتها ولعبة الأسواق والأرباح والمنافع وأنماط العمل والقطاعات الإنتاجية بالتكيف مع ريعيات اقتصاديات التخلف ولصالح هيمنة الدولار وإعطاء الامتيازات للشركات والمصالح الأجنبية على حساب تدمير البنى الوطنية، وعبر الخضوع لتداعيات سياسات الحصار والعقوبات وقرارات المؤسسات المالية والمصرفية، ممّا يضع هذه البلدان في مسار الأزمات المتكررة، وخلق الفجوة التي لا تردم بين الشعب ودولته، ما يشجع الانقلابات والثورات الناعمة والتدخل المستمر في الشؤون الداخلية.
3- اقتصاد السلعة الواحدة: الانتقال من اقتصاد الاكتفاء الذاتي إلى اقتصاد السلعة الواحدة التي ستكون لها نتائج كارثية في ضعف محاولات التنمية اللاحقة وبقاء الاقتصاد الريعي بيد المؤسسات المالية العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فأوطاننا لم تكن متخلفة أو ضعيفة لو تركت تسير وفق سياقاتها.
ففي دراسة قد ننشرها مستقبلاً، كانت حصة الاقتصاد العباسي مثلاً في القرن الثاني عشر الميلادي ما يعادل 40% من الاقتصاد العالمي يومها. كما بقيت علوم العالم الإسلامي تُدرّس في المدارس الغربية حتى بدايات القرن العشرين، ككتاب الشفاء لابن سينا، أو نظريات الخوارزمي التي هي اليوم أساس الثورة العلمية والتكنولوجية العظيمة للخوارزميات والذكاء الاصطناعي، وقس على ذلك.
4- معايير غريبة:
استبدال العملات وأسلوب القياسات والتقويم ومعايير الأوزان والمسافات وعادات الناس وأسمائهم وملابسهم وطعامهم بأمور جديدة فرضت عليهم فرضاً أو خجلاً ومماشاةً.
ووصل الأمر إلى تغيير اللغات، وصولاً إلى إلغاء بعضها، فصار الناس يتكلمون الإنكليزية أو الفرنسية بدل العربية أو الكردية أو الفارسية أو التركية مثلاً. وألغيت كتابة التركية بالأحرف العربية لصالح كتابتها بالأحرف الافرنجية، وصار نموذج الحداثة والتقدم هو التشبه بالأجنبي سلوكاً ولغة ولباساً وفكراً.
5- العلاقات العدائية مع الجوار: تحولت العلاقات مع الجوار من علاقات طبيعية وأساسية تشوبها أحياناً بعض عوامل المرض والانقطاع والعراك، إلى علاقات تصادمية وعدائية مزمنة. فكلما تعززت العلاقات بالمراكز العالمية كلندن وباريس وبرلين وروما، كلما تراجعت العلاقات مع فضاءاتنا وجوارنا. فالأجنبي حر في التنقل والإقامة والعمل في أوطاننا، بينما يمنع ذلك على أبناء البيئة والفضاء والتاريخ والدين الواحد.
6- الدولة كقفاز للتنازلات التاريخية: استخدام الدولة للحصول على تنازلات تاريخية عن حقوق كانت الشعوب تدافع عنها وتحميها. فالدولة في مناطقنا تقدم تنازلات سياسية وأمنية واقتصادية وقيمية ليصبح ذلك حجة ومقدمة لتنازلات أكبر، سواء على صعيد محلي أو عالمي. وهو ما يعزز من مقومات نظام الهيمنة. كاتفاقات "كامب ديفيد" و"وادي عربة" مع مصر والأردن، أو ما يجري حالياً من اتفاقات مع الدولة السورية حول الجولان وجبل الشيخ، وحرية عمل الإسرائيليين في سوريا.
ولعل أبرز مثال، ما حصل مع الوعد بالسلطة أو الدولة الفلسطينية في "اتفاقات أوسلو" (1993)، الموسومة بـ"إعلان مبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي"، إذ قادت إلى تنازل السلطة عن الكفاح المسلح، والطلب من الأمم المتحدة إلغاء قرارها المرقم 3379 لعام 1975، الذي اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال التمييز العنصري، وغيرها من مكاسب وحقوق حققها الشعب الفلسطيني بتضحياته وسنوات كفاحه، لتصل السلطة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني المستمر في عدوانه واستيطانه.
مثل هذه الأعمال، لم تشكل تراجعاً لموازين القوى الداخلية لمصلحة الاستعمار أو الصهيونية فقط، بل عالمياً أيضاً. فالدول الأخرى لن تكون ملكية أكثر من الملك كما يقولون، ما ولّد موجة عالمية للاعتراف بالكيان الصهيوني والانفتاح عليه، وهو ما استثمره الاستعمار والحركة الصهيونية أبشع استثمار.
7- سد الفراغ: كما شهدت "الدولة القومية/الوطنية" لهزات عنيفة نتيجة، إمّا للأنظمة الدكتاتورية، أو للعقوبات والحصار الاستعماري، أو لضعف أمنها الداخلي، ما يفتح الباب لأعمال التدخل عبر أغطية "مشروعة" أو غير مشروعة. فيتولد الفراغ الذي طالما ملأته المنظمات الإرهابية التكفيرية، أو الأجنحة المتصارعة على السلطة، والتي تسمح للعدو الإسرائيلي أو القوى الغربية للتدخل بحجة الدفاع عن الأمن والدولة.
8- حركة النقل والاقتباس: اقتباس القوانين المدنية والتشريعية والدستورية والدولية وبناءات الدولة ومفاهيم الديمقراطية وأشكالها، وغرسها قسراً في غير بيئتها، والتي تشكل في أحيان كثيرة فخاخاً تقع فيها بلداننا.
ما أنتج سلوكيات متناقضة وهجينة، ونماذج تولد ميتة. وولد صراعات وتعطلات مستدامة تمنع تحقيق تقدم حقيقي وإجماع وطني متكامل. نماذج تعطي كامل القوة للسلطات والإرادات الخارجية والفوقية من دون توفير شروط عمل الطرف الموازن، المتمثل بالاستمراريات التاريخية والإرادات الشعبية والحقوق الأساسية للشعوب.
فتتفكك سيادتها السياسية لصالح ما يسمى بـ"المجتمع الدولي" الذي يفرض شروطاً في توصيف وقبول الديمقراطية المطبقة في هذه البلدان.
أو الاعتراف من عدمه بنتائج الانتخابات حسب النتائج ان كانت لمصلحة نخبه او بالضد منها. كما تفرض تعريفات خاصة به لحقوق الانسان ووسائل التعبير والقيم الاجتماعية كفرض رؤى "الجندر" أو سن البلوغ والزواج او تطبيق احكام الاعدام، وغيرها من السياسات التي تعبر كلها عن وسائل الفرض والهيمنة وازدواجية المعايير.
لا يتبقى للدولة سوى السيادة الشكلية والمحدودة التي يمثلها العلم والنشيد الوطني، ومقعد في الأمم المتحدة. بينما تكون فاقدة للسيادة الفعلية في صنع القرارات الاستراتيجية التحررية الحقيقية.
9- الدورة البسيطة والدورة الموسعة، او الدورة الداخلية والدورة الخارجية: عزل كل دولة جديدة في كيان ودورة داخلية وخارجية لا تمتلك من المقومات سوى إعادة إنتاج الانسداد والجمود والتمزق ومفرخات الفساد والفقر ومنع التقدم الحقيقي.
وهذا الأمر بحاجة إلى بحث مفصل مستقل سيفسر الكثير من الظواهر التي بدل أن تفتح النقاش باعتبار الخارج ونظام الهيمنة والكيان الصهيوني الأساس لهذه الحالة، إلى نقاش وفتنة داخلية تلقي اللوم على عوامل الداخل أساساً.
الداخل الذي تمت السيطرة على مقومات حياته، بشكل مباشر أو غير مباشر، لم يعد قادراً على الحسم.
فهو منقطع أو معزول عن فضاءاته وبيئته وقدراته وأسواقه من تنظيم دورة اقتصادية أو أمنية أو حياتية متكاملة قادرة على إحداث التراكمات الإيجابية المطلوبة للانتقال من الدورات البسيطة التي من شأنها إدامة الحياة فقط، إلى دورات موسعة قادرة على إنتاج الفوائض وتحقيق الرقي والتقدم المطلوب.
فالدورة الداخلية عاجزة أن تحقق ذلك ليس بسبب قطعها عن فضاءاتها التي تتغذى منها وتغذيها فقط، بل أيضاً لتدمير وتعطيل كل القطاعات الأخرى مباشرة لتراجع تنافسيتها أمام المنتج (سلعة أو خدمة) الأرخص والأكثر جودة من الخارج. أو بسبب عدم جدواها أمام منتج واقتصاد السلعة الواحدة التي باتت سلعة استراتيجية، تشكل المصدر شبه الوحيد لمصادر البلاد المالية، رغم عالميتها وسيطرة الاسواق الخارجية على تقلباتها.
كلام البعض أن العلة كامنة في شعوبنا وأنفسنا هو كلام غير منصف ويخفي الحقيقة.
لأننا إن تماشينا جدلاً، وأردنا الخروج الى الدورة الموسعة أو الخارجية، التي ضمنت لدول منتقاة بالتقدم والحصول على التسهيلات والامتيازات والأموال السهلة والسماحات والمكاسب المضمونة، فإن حاجزاً صارماً سيقف بالضد من دخولنا واندماجنا بتلك الدورة.
ولعل مثال تركيا التي تعطل طلب دخولها الى "الاتحاد الاوروبي"، رغم عضويتها في الناتو وكل التنازلات التي تقدمت بها، مقابل انضمام العشرات من دول أوروبا الشرقية إلى "الاتحاد" ما يشير إلى أن الأمر على صعيد الدورة الخارجية أو الموسعة ليس قراراً سياسياً أو اقتصادياً بل قراراً وجودياً يتعلق بالهوية والتاريخ والايديولوجيات. فالشرق –كبلدان- يجب أن يبقى محكوماً –كمّاً ونوعاً- بشروط الغرب ومصالحه.
وكل من يخرج عن ذلك، أو يسعى للاستقلالية ولبناء دورات جديدة أصولية تعيد فعالية الفضاءات التاريخية أو الحقائق الجغرافية والديموغرافية، فإن نتيجته مواجهة العقوبات والعزل والشيطنة والمقاطعة وتثوير العالم ضده.
10- الأمة تتجاوز الدولة: ولعل الأمر الأهم في تشخيص وضع "الدولة الوطنية/القومية" في بلداننا في العالم الإسلامي وعلاقتها بشعوبها وبالخارج هو أن مفهوم الأمة هو مفهوم خاص تتميز به بلداننا. فالأمة ليست القومية أو الوطنor Homeland Nation أو غيرها من مفردات لا مقابل لها في اللغات الأخرى. إنها مفهوم قرآني متميز.
فالأمة حاضرة وفاعلة وعابرة للحدود. وهي تبقى موجودة ومحفزة وحافظة للنوع والمصالح حتى عند تراجع الشعوب والدول والتشكيلات الاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية.
كلما تفككت الأخيرة وضعفت كلما حضرت روح الأمة لتمنحها مقومات النهضة والحياة الجديدة. هذه حقيقة يجب الاعتراف بها خصوصاً من قِبل رجالات الدولة. فالدولة ليست البداية والنهاية. بل أمامها وخلفها وفوقها وتحتها الأمة التي لها الكلمة الأخيرة في ذلك كله.
الموقف من الدولة في غرب آسيا؟
هل تعني "هشاشة الدولة"، وضعف بناها، وخضوعها في قضايا وطنية كبرى لإرادة المستعمر أن نعتبر الدولة عدواً لا يمثل سوى إرادة المحتل، أو نظام الهيمنة العالمي؟
وأن لا خلاص من هذه الهيمنة والاستعمار إلا بالقضاء أولاً على الدولة ونظامها وإقامة نظام بديل يحقق الاستقلال والإرادة الوطنية الحرة لشعوبنا. والجواب هنا ليس جواباً بحثياً أو نظرياً، بل إن التجربة التاريخية قدمت لنا الجواب فيه، فلنقف عند ذلك.
1- هناك خصوصية في منطقتنا، قد لا تكون موجودة في بقية المستعمرات القديمة، ألا وهي زرع الكيان الصهيوني في فلسطين، وسعيه المستمر للتوسع والعدوان وإخضاع دولنا.
بما في ذلك الدول المتماهية مع نظام الهيمنة العالمي. وفرضه شروطاً تتصادم بالضرورة مع ما هو أبعد من قضايا الحكم والدولة والفترة الراهنة.
قضايا لها علاقة بالدين والتاريخ وثوابت الشعوب والوطن وحيوية حضور ذلك كله في وجدان الأمة بكل أبعادها.
فالأمة تشكيل ننفرد به كمسلمين. وهو ما سمح باحتواء ديانات ومذاهب وعقائد وثقافات وقوميات عديدة متنوعة. تأسس عبر العقيدة والتاريخ. فهو قائم وموجود وفاعل. وهو فوق الدولة. وهو عابر للحدود وللازمان. وهذه خصوصية ننفرد بها لا مثيل لها في أي تشكيلة أخرى. من دون ذلك لن نفسر الكثير من التناقضات التي تظهر على السطح، والتي تدخل التذبذب بين المواقف الصحيحة والمواقف الخاطئة في سلوك الدولة.
2- تبقى الدولة مركّباً داخلياً وطنياً. فهي كالابن المريض. يجب فهم أسباب مرضه ومحاولة تقديم العلاج الناجع له. فليس كل الدول على شاكلة واحدة أو تاريخ واحد.
هناك دول تأسست من خلال جيش تحريرها كما هو حال الجزائر مثلاً. ورغم أن هذه الحقيقة لم تجعل من الجزائر مستقلة تماماً عن نظام الهيمنة لكن ذلك له تأثير مباشر على مواقفها في الكثير من القضايا الوطنية بالضد من المصالح الاستعمارية، خصوصاً موقفها من قضية فلسطين.
بالمقابل، هناك دول تأسست على يد قادة وعسكريين استعماريين كـ"غلوب باشا" و"لورانس" و"المسس بيل". ومضت تلك الدول بعيداً في التماهي مع نظام الهيمنة. وصارت عقداً رئيسية في الأحلاف الاستعمارية في المنطقة كحلف بغداد مثلاً، أو كـ"دول عازلة" Buffer States أو دول "وسيطة" بين الكيان الصهيوني ودول أو قوى المواجهة، كالأردن وبعض بلدان الخليج مثلاً.
لكن البقية الباقية من مصالحها الوطنية طالما تواجه العدو سياسياً أو حتى عسكرياً، وتثور وفق مصالح وطنية تقف بالضد من مصالح العدو الإسرائيلي أو النظام الدولي. كموقف السعودية في قضية (اوبك +)، أو نمو التيار الوطني الكبير في الاردن ومصر بالضد من الكيان الصهيوني، وغيرها من امثلة يجب اخذها جميعاً بالحسبان عند اتخاذ موقف من الدولة.
3- علّمت التجربة العديد من "الدول الوطنية/القومية" أن الظروف قد تسمح لدولة ضعيفة بنمو مقاومة قوية. وهذه حقيقة يجب استثمارها لا الخوف منها.
ضعف الدولة اللبنانية مثلاً، الذي سمح باحتلال الكيان الصهيوني لأجزاء من لبنان، سمح أيضاً لنمو مقاومة شعبية ناضجة ومسؤولة أمكنها تحرير لبنان من العدو الاسرائيلي.
واستطاعت توفير الأمن للبنان خلال عقود غير قصيرة من الزمن. كذلك هو الحال مع أمثلة أخرى، في بلدان عدة، ومنها قطر مثلاً. ودور فضائية "الجزيرة" لدعم المقاومة في غزة وفلسطين، أو دور عُمان في مبادراتها الإيجابية في حماية محور المقاومة.
والأمثلة كثيرة ونجد لها تطبيقات في جميع الدول، اذا ما استعرضنا كامل تاريخ الصراع مع العدو. وعلى السلطات والأنظمة في مثل هذه الحالات أن تعتبر هذه جائزة تمنح لها لتقوية موقفها مع نظام الهيمنة أو الكيان الصهيوني لا أن تخضع لضغوطات ومطالب الآخرين للدخول في معارك مع أبناء جلدتها.
قوى المقاومة التي تدرك أن للأنظمة ضروراتها وعليها اتباع النفس الطويل وسياسات الصبر الاستراتيجي، وليس الانفعال والذهاب للمواجهة التي تحمل في طياتها الكثير من عوامل الفتنة واضعاف الجميع.
4- لا تصبح الثورة سياسة مشروعة، لإزاحة منظومة وإحلال أخرى مكانها إلا مع توفر قيادة تاريخية شاملة، ووقفة شعبية حقيقية، وملامح بديل قوي يتجاوز مركبات الدولة القومية، ويستطيع الصمود بوجه الضغوطات الاستعمارية الخارجية، والتحديات الصعبة الداخلية. ويستطيع أن يبني نظاماً جديداً يمتلك كل مقومات تجربة جديدة حررت نفسها من الكثير من قيود الاستعمار والهيمنة، كما هو حال "الجمهورية الإسلامية". وباحتمالية أقل، تركيا، التي بنت قوتها وقدراتها الجديدة في سياقات انتمائها إلى "الناتو" واعترافها بالكيان الصهيوني وسعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
الذي رفضها وفضّل البلدان الأوروبية الصغيرة عليها، مستنهضاً بذلك شرقيتها، ومحفزاً إسلاميتها وتراثها، ما يمنحها فرصة كبيرة لبناء وحدة إقليمية تتصدى للمشاريع الصهيونية والاستعمارية، لا للتنافس والتنازع على حساب مصالح وحقوق الأمة. عسى أن تصلح بذلك الخطأ الكبير الذي بدل أن يصحح مسار سوريا ويقويها (بالتعاون مع إيران وروسيا) قادها إلى وضع سوريا تحت رحمة "إسرائيل" والولايات المتحدة.
الخلاصة أو البديل
سقط مشروع الحضارة الغربية. سقط مشروع "حرية، مساواة، إخاء"، أاو مشروع نقاط ويلسون (14 نقطة اقترحها عام 1918 لإنهاء الحرب العالمية الأولى) التي تتضمن حقوق الأمم واستقلالها كبيرها وصغيرها.
سقطت الأمم المتحدة بقيام ممثل الكيان الصهيوني بتمزيق ميثاقها من على منصة الجمعية العمومية وأمام أنظار العالم. سقط مشروع الديمقراطية الغربية والمجتمع الدولي.
سقطت الرأسمالية والليبرالية بكل أشكالها، سقط مشروع الدولة الوطنية/القومية، وسقطت الشرعية والأخلاقية الدولية التي أُريد لها أن تنتقل إلى الآخرين عبر القناعة، ولتتحول إلى سلوك طبيعي فطري، يقبله الناس والتاريخ والقيم العليا، وليس غصباً وقسراً، لا يعمل إلا بالقتل والاستيلاء والتوحش والإبادة الجماعية.
سقطت هذه كلها كنماذج تَقَاتَلنا من أجلها عقوداً وقروناً. وعادت كما كانت قوة التوحش والتفرد والاستيلاء والقتل والخطف. عدنا إلى ما قبل قرون عديدة.
الأعداء بأفعالهم يستبيحون كل شيء، وهم بذلك يكشفون عن أقنعتهم. وهم بذلك ينظمون صفوفنا. خصوصاً وأن الظروف قد تغيرت. والشعوب والأمم باتت تمتلك قدرات وقوى وبدائل تستطيع بها استعادة مكانتها التاريخية وإنهاء -عاجلاً أم آجلاً- هذه الحقبة من التاريخ الاستعماري العدواني.
ومن يعتقد أن القوة الظاهرة التي تبديها الولايات المتحدة وأنصار الإيديولوجية المسيحية الصهيونية عموماً هي مظاهر تفوق فهو مخطىء تماماً.
الإبادة الجماعية في غزة وفلسطين، والعدوان على لبنان وايران وسوريا والعراق وبقية بلدان المنطقة، واختطاف الرئيس مادورو في فنزويلاً. وكل الأعمال العدوانية الأخرى هي مظاهر يأس وانفعال وضعف وقلة حيلة. فهذه لو جاءت في بداية مشروعهم لقلنا إنها بدايات تأسيس.
لكن هناك اليوم عالم جديد يولد خارجهم. عالم تعلم الكثير من الدروس. وبات يرفض أسلوب الامبراطوريات القديمة في الإبادة والاستيلاء واستباحة دماء الناس وسرقة قوتهم وارزاقهم وثرواتهم.
عندما كان الغرب قوياً كان يكتفي بتلويح العصا لتنتظم الصفوف. أما اليوم فهو يخوض حرباً تلو أخرى ويفشل فشلاً بعد آخر في القتال رغم نجاحاته في القتل.
ورغم صوته العالي وسياساته القمعية، وقواه الموروثة التي تسعى لتغطية أعمالها. فلا يصدقها سوى الجهلة وأصحاب المصالح والذين غُسلت ادمغتهم بانهم القدوة والنموذج ومصادر القوة في عالم اليوم والغد.
وان دولاً تضمها مجموعة "بريكس" او "شنغهاي" باتت تشكل قيادات عالمية واقليمية لدول وشعوب ومساحات يفوق عددها وحجمها عدد واحجام الدول المسيطرة على نظام الهيمنة العالمي. وتتقدم باستمرار في اقتصادياتها وعلومها وابتكاراتها وقدراتها على قدرات وامكانيات دول نظام الهيمنة مجتمعة.
ما هو البديل؟ نحن لدينا رؤى إيمانية للبديل. لكن الرؤى الايمانية هي رؤى خاصة والمطلوب هنا رؤى عامة يتفق عليها المؤمن وغير المؤمن.
لا بديل للدولة الوطنية/القومية بنسختها الحالية سوى الدولة نفسها. لكن كمنتج وطني، والتي لدينا منها مئات التطبيقات التاريخية والمعاصرة، الناجحة او الفاشلة جزئياً او كلياً. فالحل يكمن بالدولة المنسجمة مع فضائها مع بقية دول المنطقة وتاريخها وقدراتها وامكانياتها وثوابتها.
الحل هو بالدولة مجردة من معظم ما تم غرسه فيها من مدخلات خارجية غربية ضارة. والذي جعلها دولة غير متوازنة تفشل في اداء واجباتها الاساسية، تخدم الخارج وشرائح محلية مرتبطة بها. دولة لا تستهلك البشر والطبيعة والفضاء لتقود الجميع ونفسها نحو الانتحار الذاتي والهلاك الجماعي.
فالحل يجب أن يتلازم مع إنهاء الطبيعة المهيمنة والمحتلة والمعتدية للدول المستعمرة والصهيونية. لتستعيد دولنا ارتباطها بفضاءاتها وتاريخها ومقوماتها الذاتية. لتستنشق من روح الأمة عدليتها وأحقيتها والكثير من مصادر الكرامة والقوة والسمو القيمي والأخلاقي.
وهذه عملية تاريخية معقدة وطويلة تقوم على مبدأ تفكيك وإعادة تركيب. لتعود الهيكلية الاقليمية والعالمية متكونة من مناطق ودول متجاورة وليست مهيكلة في عالمية واحدة، لها شرطي واحد يديرها لمصلحته. نعم ستكون هناك تدافعات وصراعات واختلافات كما كان يحصل عبر التاريخ كله. لكنه تاريخ جديد لا يسير نحو التفرد والتسلط والظلم والانتحار الذاتي، كما شهدنا خلال القرون الاخيرة.
كلمة أخيرة: إننا لا نعيش المعارك الأخيرة. إننا أن صح التعبير نعيش بداية بداية النهاية لتاريخ استحوذت عليه قلة قليلة.
سنربح الكثير من المعارك الاستراتيجية، وسنخسر معارك استراتيجية كثيرة ومهمة. ستبرز تحالفات وأنظمة جديدة. وستنهار أنظمة وتحالفات قائمة ضدنا أو لصالحنا. ستتطور وسائل وأسلحة مقاومة جديدة. وسيطور العدو أسلحة وأدوات جديدة للقهر والقتل.
فنحن نتحدث عن مسارات تاريخية لها خطوطها البيانية وموازينها الاكيدة والثابتة لنقول إن النصر آتٍ لا محالة، وليس عن أحداث جارية لها موازين قوى متقلبة ومتغيرة يومية، لنقول يوم لكم ويوم عليكم. ففي مختبر الحياة والتاريخ هناك دائماً المجهول لـ "لا نهائية" المقدمات والعناصر.
خلاف مختبر الجامعات بـ "محدودية" الفرضيات والمقدمات وعناصر الاختبار. فمن كان يتوقع في نهايات 2019 أن تفعل جائحة كورونا ما فعلته في عام 2020 وبعده. من كان يتوقع فواجعها التي أصابت أكثر من (700) مليون مصاب، توفي منهم أكثر من (7) ملايين حالة في العالم ليومنا هذا، أي (7-8) مرات أكثر من المصابين في الحربين العالميتين الأولى والثانية مجتمعتين، ونحو نصف، ثم عُشر الموتى أو القتلى في الحربين على التوالي.
ثم بحساب من نضع هذه الضحايا. هل هي مصادفة وسوء طالع؟ هل هي السياسة؟ هل هي المنظومة العالمية؟ هل هي التطورات البشرية؟ وهل العالم الذي نعيش به آمن في ظل هيمنة الحضارة الحالية؟ ولماذا يموت من الكورونا نحو (1.2 مليون مواطن تقريباً) في الولايات المتحدة وعدد سكانها حوالي (334 مليون نسمة) وهي الاقتصاد الأول في العالم، ولماذا يموت حوالي (5200 مواطن فقط) في الصين وعدد سكانها (1.448 مليار نسمة تقريباً)، وهي كانت من أفقر الدول إلى أمد قريب جداً. وهل كنا نتوقع التغيرات التي حصلت في أنماط حياتنا وعملنا. والنقاش طويل، ويتطلب تأملات واستنتاجات كثيرة.
لهذا نقول إنّ مختبر الحياة في السياسة يتطلب نظرة بعيدة وحساب التحولات الاستراتيجية التراكمية العميقة، والمجاهيل التي تحولت إلى حقائق، لا الغرق في الاستنتاجات السريعة لمختبرات الجامعات ومراكز البحث السياسية ومنصاتها، التي تضع فرضياتها ومقدماتها وعناصر بحثها بحدود تقررها هي ذاتياً، ولا تتقرر بالضرورة انطلاقاً من كامل الحقائق الموضوعية.