عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: الحسابات الختامية لموازين القوى بعد طوفان الأقصى في غرب آسيا
كثيرون ما زالوا يضعون نظارات ما قبل عام 2023 على أعينهم، حيث كان التطبيع والاقتصاد الخليجي والقوة الإسرائيلية والأميركية مساراتٍ رئيسية. السيّد عادل عبد المهدي يقدّم قراءةً للأحداث بين عامي 2024 و2026، والتي كسرت هذا النموذج!
-
الحسابات الختامية لموازين القوى بعد طوفان الأقصى.
منطقة غرب آسيا؟: لماذا هذه التسمية في تقييم نتائج المعارك والحروب منذ طوفان الأقصى وليومنا هذا؟
أ- كانت منطقة غرب آسيا عبر التاريخ أهم منطقة في العالم. ولعلها ما زالت اليوم من أهم مناطق العالم من حيث تاريخها وموقعها وثرواتها وسكانها. فيها نزلت الرسائل السماوية. ومنها نشأت اولى الحضارات. وفيها استقرت الامبراطوريات العظمى التي حكمت العالم طويلاً. بها تقاس الأمور ولا تقاس هي بالاخرين.
فتسمية "الشرق الاوسط" تعبير استعماري استعلائي. يعبر عن مركزية أوروبا. ليكون الغرب المركز والمحور، الذي تدور حوله وله بقية الاجزاء. وهذا كله جزء من مكونات مفاهيم وممارسات الهيمنة. تماماً كرسم خريطة العالم –المتداولة بيننا الان- وفق إسقاط مركاتو (Mercator Projection) التي تضخم مساحات أوروبا والغرب، وتقلص مساحات القارات الأخرى.
وليس وفق المساحات الحقيقية (Equal Earth Projection) والتي صوتت لصالحها قبل أيام الجمعية العامة للأمم المتحدة بتأييد 164 دولة. فبقية الأمم بالنسبة للغرب ونظام الهيمنة هم ليسوا شركاء أو أنداداً وقوى مستقلة قائمة بذاتها. بل ظلال له. لا وجود لهم بدونه. وهم يتم قياسهم، قرباً أو بعداً، علاقة أو انفصاماً، بمدى خدمتهم له وتحقيق مصالحه.
فالشرق الأوسط أو الأدنى على حدوده، أو يتوسط بينه وبين الشرق الأقصى Far East. وغرب آسيا هي طريقه البري الى افريقيا، أي كل العالم القديم. والتسمية لا تستهدف إنتزاعها من فضاءاتها الاخرى القومية او الدينية. فهي جزء أساس في الامتين العربية والإسلامية. وجزء رئيسي من دول الجنوب والعالم الثالث وحركة التحرر الوطني العالمية. فوضوح الرؤية هو بإعادة الأمور الى اصولها وطبيعتها ليس إلا.
- السكان: بناءً على تقديرات الأمم المتحدة لعام 2026، يبلغ عدد سكان منطقة غرب آسيا حوالي 317.7 مليون نسمة.
- المساحة: تختلف تقديرات المساحة حسب الجهة المصنفة للحدود، ولكن الأرقام الأكثر شيوعاً هي:
. حوالي 4.8 مليون كم مربع (وفقاً للأمم المتحدة و Worldmeter)
. حوالى 6 مليون كم مربع (وفقاً لموسوعات أخرى تشمل نطاقاً أوسع).
- الدول: تختلف قائمة الدول بناءً على التعريف السياسي أو الجغرافي المعتمد، لكن الدول التالية تُذكر عادةً:
. شبه الجزيرة العربية: السعودية، اليمن، عُمان، الإمارات، قطر، البحرين، الكويت.
. الهلال الخصيب: العراق، سوريا، لبنان، فلسطين، فلسطين وأراضيه المحتلة، واحيانا تُضاف قبرص.
. الهضبة الإيرانية: إيران.
. منطقة الأناضول والقوقاز: تركيا، جورجيا، أرمينيا، أذربيجان.
. قد تضم بعض التصنيفات مصر (شبه جزيرة سيناء) وأفغانستان، بينما تستبعدها تصنيفات أخرى.
ب- في هذا البحث سنقيّم الحرب متخذين عموم غرب آسيا ساحة واحدة مترابطة. فلا نجزىْ ونتعامل مع كل بلد، او حدث بكونه حدثاً منفصلاً عن عموم المشهد. وهذا يسمح لنا بحسن وزن وقياس ما يجري. في عموم الساحة، وبالتالي تقييم التأثيرات والتوقعات ومصادر القوة والضعف في كل بلد. فلا تتمزق رؤيتنا وتضيع في الجزئيات والمتغيرات والتأثيرات اللحظية. وهناك على الاقل اعتبارين لاتباع هذا النهج.
- إن الساحة مترابطة فعلاً في أحداثها ومرتكزات المعارك الجارية فيها ووحدة ساحات وأهداف جميع الاطراف المتخاصمة فيها. فالولايات المتحدة والغرب والكيان الصهيوني وبعض الأطراف المحلية تحكمهم استراتيجية موحدة في عموم المنطقة. وإن سياساتهم في كل بلد هي جزء من تلك الاستراتيجية. وكذلك يقوم الارهاب وداعش بالأمر نفسه.
فقط شعوبنا وبلداننا يجب ان تبقى محكومة بجغرافياتها ومفاهيم سيادتها وعصبياتها التي صممها الاستعمار أساساً لها. وهذا إن كان يحكمنا واقعياً، يجب أن لا يحكمنا مفاهيمياً على الأقل، ليتسنى لنا ان نتجاوز التأثيرات الخاطئة والمضللة، ليتسنى لنا رؤية الأحداث وتداعياتها ومآلاتها بواقعية أكثر.
- عند البقاء على الرؤية المجزأة، سنسقط في لعبة الإعلام والمدونين والبربوغاندا وتضخيم الاخبار الجزئية والموقعية على حساب الوقائع الكلية والشمولية. فتغيب عنا الأمواج والحقائق الكبرى الصانعة الحقيقية للواقع ومساراته، ونغرق في الحقائق الصغرى التي مهما عظمت ستبقى أمواجاً صغيرة تبتلعها الأمواج الكبيرة عندما تحين ساعتها المؤكدة. وهو ما نراه يحصل –للأسف الشديد- مع كثيرين. فيسيئون التقدير والحكم وينكرون الحقائق. وعندما تأتي الاحداث بالضد مما كانوا يبشرون به، نراهم لا يراجعون أنفسهم، بل يتشبثون بسرديات وأوهام جديدة، دون الإتعاظ مما حدث ويحدث.
- فلسطين هي قلب المنطقة. وقلب الاحداث. وماضي وحاضر ومستقبل المنطقة. وكل شيء مرتبط عضوياً بفلسطين. دون أن يعني ذلك عدم إرتباطه بأشياء اخرى. هكذا كانت. وهكذا هي الان، وهكذا ستبقى. والمسألة ليست مجرد صراع على قطعة أرض، فالتاريخ مليء بتحول مساحات أوسع وأغنى من فلسطين من مالكية الى مالكية أخرى.
فلسطين تمثل نقطة صراع أو لقاء بين الأديان السماوية. بسببها كانت حروب الفرنجة (الحروب الصليبية) من نهاية القرن الحادي عشر (1096م) الى نهاية القرن الثالث عشر (1291م). فيها الأنبياء الاوائل لليهودية. وفيها مولد سيدنا المسيح عليه السلام. وهي القبلة الأولى للمسلمين وهي ثالث الحرمين. وأرض الاسراء والمعراج. وهي أرض الميعاد لليهود.
لهذا نقول إن فلسطين هي البوصلة. ففيها تجتمع الأمور كلها. فنحن لسنا أمام حروب دينية في بقعة محددة من العالم. بل أمام حركة إستعمارية صنعت الصهيونية، ورعتها وترعاها. حركة تشترك فيها -لها أو ضدها- جميع الشعوب. ولسنا أمام تاريخ وزمن قديم أو جديد. بل أمام التاريخ كله. ولسنا أمام بقعة أرض لشعب أو أمة يراد تهجيرها. بل أمام مشروع عالمي لا حدود له. مشروع قد يكون العامل الأول لحروب نووية. وإن أي تحليل يستبعد فلسطين والصهيونية وتأثيراتها على الدول والحكومات والشعوب، والهيمنة الغربية والرأسمالية العالمية، يتغافل عن عامل رئيسي، أو العامل الاول الذي تقاس به الامور.
وقد يكون مفيداً قبل الدخول في صلب الموضوع ذكر سردية تعتمد عليها الصهيونية اليهودية الانجيليكية ، تقول إن هذه أرض خصصها الرب لليهود ويجب أن تعطى لهم.
فمن هم اليهود. بغض النظر عن صوابية أو شرعية الاستناد للسرديات الدينية لرسم حقوق الشعوب والدول اليوم، يجب التساؤل هل أن يهود فلسطين اليوم ينحدرون من انبياء اسرائيل، أو ينحدرون من سكنة فلسطين آنذاك. وهل هرتزل او بن غوريون أو نتنياهو ورثة السكان الذين عاصروا تلك الفترة.
أم أن أبناء كنعان الذين يسبقون فترة التوراة والتلمود بالاف السنين والذين كانوا دائماً سكان تلك البقاع ولم يأتوا اليها من الخارج هم ورثتها. ولعل أبرز الدراسات حول هذا الموضوع هو دراسة مجلة "سيل" عام 2020 وهي الدراسة الاكبر والأدق بإعتراف الجميع. حيث قام فريق دولي من العلماء بالتعاون بين جامعة هارفارد والجامعة العبرية وغيرها بتحليل جينومات 93 هيكلاً عظمياً من بقايا المواقع الكنعانية (مجدو، وصيدون وعسقلان) وخلصت إلى أن الفلسطينيين والمجموعات الناطقة بالعربية في المنطقة الى جانب مجموعات يهودية يرثون ما لا يقل عن 50-80% من تركيبتهم الجينية مباشرة من الكنعانيين وسكان بلاد الشام في العصر البرونزي.
وغير الدراسة أعلاه، لا تمتلك أي عائلة يهودية معاصرة (لا نتنياهو ولا بن غفير وغيرهما من مؤسسي الدولة) شجرة عائلية أو وثائق نسب أو فحوصات DNA تعود الى ما قبل فترة السبي البابلي أو العصر الروماني، ناهيك عن عصر أنبياء بني إسرائيل.
سيتناول هذا البحث إنطلاقاً من وحدة المعركة، ووحدة المنطقة، وواقع ومستقبل القوى الثلاث الفاعلة في هذه الساحة. ونقصد بها:
. قوى الهيمنة متمثلة بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومن يتحالف معهما.
. قوى المقاومة من إيران واليمن وفلسطين ولبنان والعراق ومن يتحالف معهم.
. القوى المتأرجحة والوسطية.
سنقسم هذا البحث الى قسمين:
1- إعتماد المعيار والمنهج والطريقة لتقييم ما حصل ويحصل.
2- ميزان القوى بين القوى الثلاثة الرئيسية قبل وبعد طوفان الاقصى
القسم الأول
المعيار والمنهج
1- المعايير المعتمدة لحساب النصر والهزيمة، والقوى الصاعدة والهابطة.
أ- المعيار الأكاديمي: اعتمدت الأكاديميات العسكرية، كالمدرسة البروسية والفرنسية حتى الحرب العالمية الثانية على معايير مستمدة من نظريات منظرين أساسيين مثل "كارل فون كلاوزفيتز" و" أنطوان هنري جوميني" لتقييم النصر أو الهزيمة بناء على حسم الميدان، وتدمير جيش العدو وتحقيق الاهداف السياسية.
- تحييد مركز الثقل وتدمير القوة العسكرية:
· تدمير الجيش الرئيسي: اعتبار تدمير "مركز الثقل" للخصم والمتمثل في قواته الميدانية الأساسية المعيار الأبرز للحسم.
· فقدان القدرة القتالية: عجز الجيش المهزوم عن إعادة التجمع أو المتابعة الميدانية.
· إجبار الخصم على التراجع: السيطرة على مسرح العمليات وإجبار العدو على الانسحاب الإجباري من مواقعه الحصينة.
- السيطرة المكانية والميدانية:
· الاحتفاظ بالأرض: كسب أو حماية المساحات الاستراتيجية والحيوية للعمليات.
· شل خطوط الإمداد: قطع خطوط المواصلات والتموين والاتصالات الخلفية للعدو.
· سقوط القلاع والحصون: السيطرة على المراكز الحضرية والعسكرية الأساسية للخصم.
- الإرادة السياسية والمعنوية.
· خضوع الإرادة السياسية: استسلام الحكومة المتحاربة أو قبولها بشروط المنتصر القسرية.
· إنهيار الروح المعنوية: تفكك الانضباط العسكري والشعور بالهزيمة داخل صفوف الجيش.
· تحقيق الغاية السياسية: كون الحرب امتداداً للسياسة، فإن النصر يُقاس بمدى تحقيق الاهداف السياسية المرسومة قبل الحرب.
ب- معيار "ويست بوينت": تعتمد الاكاديمية العسكرية الأميركية "ويست بوينت" في تعريف النصر والهزيمة استناداً الى العقيدة العسكرية للجيش الأميركي وفلسفة المفكر الاستراتيجي كارل فون كلاوزفيتز
حيث لا تقاس المعايير بالسيطرة على الارض وحدها بل بتحقيق الغايات السياسية وتحطيم إرادة العدو.
وبالتالي تكون معايير الهزيمة والنصر كالاتي وهي تقسيمات ونصوص مستقاة من مراكز ابحاث الـ"ويست بوينت" كـ "معهد الحرب الحديثة ومراكز العقيدة العسكرية":
- معايير الهزيمة: تعتبر القوة قد هُزمت إذا فقدت القدرة أو الرغبة في القتال.
· الهزيمة المادية: فقدان القدرة العسكرية بشكل مؤقت أو دائم على خوض العمليات، وتجريد القوة العدوة من وسائل القتال وتدمير بنيتها التحتية التعبوية.
· الهزيمة النفسية: إنهيار الروح المعنوية والانهاك الذهني وفقدان الإرادة والدافع لدى القيادة والأفراد للأستمرار في الحرب.
· العجز عن تحقيق الأهداف: العجز عن حماية غاياته الأساسية أو منع خصمه من فرض شروطه الميدانية.
- معايير النصر
· تحقيق الغاية السياسية: النصر الحقيقي هو الذي يترجم النجاح العسكري إلى إنجاز سياسي دائم يحقق أهداف الدولة وينهي الصراع بالشكل المطلوب.
· نقطة التتويج Culminating Point : الوصول الى المرحلة التي يتم فيها تحقيق أقصى تفوق استراتيجي ممكن مقارنة بالموارد المتاحة.
· إخضاع الإرادة: كسر إرادة الخصم السياسي والعسكري واجباره على القبول بالاملاءات أو شروط إنهاء القتال
ت- معيار تمحيص المرتكزات الأساسية التي تقف عليها المنظومات: فالمعياران السابقان –رغم وضوحهما- يصحان أكثر في حروب بين الدول. أما في الحرب الحالية فنحن أمام حرب تحرير شاملة. ونستطيع أن نقول عالمية. إنها حرب وجودية بالنسبة للجميع. البقاء أو الفناء.
لهذا لا تكفي معايير "المدرسة الاكاديمية" أو "ويست بوينت" عن فهم الحقائق. فلابد من الذهاب أعمق لنرى المرتكزات الوجودية لمختلف الاطراف. نقول هذا رغم إنه حتى وفق المعيارين الاخرين فان الولايات المتحدة وإسرائيل فشلتا في تحقيق النصر على قوى المقاومة وإيران واليمن وجبهة عالمية واسعة. وفي حروب التحرير يكون صمود المقاومة إنتصاراً، ناهيك عن الردع، والدفاع الهجومي. بينما يعتبر إستنزاف الطرف الاخر وارتباكه وتخبطه هزيمة، أو بداية هزيمة.
ث- الخلاصة:
أ- تبين جميع المعايير أعلاه بوضوح تام بان العدوان –رغم الاغتيالات والدمار وتفوقه الجوي والنار- قد هُزم في هذه الحرب، أو يسير نحو الهزيمة. فهو لم يحقق أي من الاهداف التي اعلنها في بداية الحرب. ويمكن تلخيصها باربعة أهداف:
1- اسقاط واستسلام النظام الايراني أو اليمني أو نزع سلاح المقاومة.
2- تفكيك الملف النووي الإيراني.
3- تقييد الملف الصاروخي.
4- وقف تأييد قوى المقاومة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق.
العيوب الثلاثة في البقاء عند نمط التحليل الجاري (المعرفة، أمام استهلاك المعلومات)
نحن أمام سياقين. الأول هو استهلاك الاخبار والمعلومات دون وضعها في إطارات شمولية تراكمية يمكن محاكمتها. والثاني الاعتماد على "نظرية معرفة" حقيقية، ترى التفاصيل في إطار رؤية شمولية تراكمية. لا يكتفي بالحدث بل يدققه ان كان سيتنامى ويصمد ويكبر ويصبح حقيقة نهائية، أم على العكس سيكون حدثاً طارئاً يتلاشى بسرعة.
المنهج الأول تستهلكه الأخبار والمعلومات السريعة المتناثرة. فيفقد الرؤية والحقيقة وبالتالي استشراف مآلات المستقبل. أما الرؤية الثانية فتقوم على طرح الحقائق الكلية وارتباط المكونات بعضها بالبعض الاخر، وتدقيق المآلات.
فبدل الخبر السريع الذي يغلق الرؤية سيتم الاستناد الى خطوط بيانية تضع اولاً الحقائق الكاملة والثوابت كما هي على الأرض، لتوضح بعدها الاتجاهات الصاعدة والهابطة للمتغيرات والقوى المختلفة.
وباختصار هناك تلاثة عيوب رئيسية عند اعتماد منطق الغرق في استهلاك المعلومات المفبركة، والاخبار اليومية، او حتى المعلومات المجتزأة:
1- العيب الأول: "الإدمان على المصادر الرسمية" (فخ رويترز والفضائيات): نعم، فهذه لديها تفوق وكم هائل من الأخبار والتقارير الصادرة عن الوكالات الكبرى (رويترز، أسوشيتد برس، بلومبيرغ). هذه المصادر تتعامل مع الحقيقة كـ "حدث" يُغطي (اغتيال قائد، سقوط تلة، تصريح وزير). لكنها لا تتعامل مع الحقيقة كـ "منحنى" أو "زخم".، أو كخطوط بيانية. هي تمنحك صورة فورية (1100 طن متفجرات على تلة علي الطاهر)، لكنها تخفي عنك الصورة المركبة (خسارة إسرائيل لكل قواعد الردع في المنطقة). هنا يقع –كما يحدث للأغلبية- السقوط في فخ "الحدث" ولا تتم قراءة "الاتجاه". و"المنحى".
2- العيب الثاني: "الافتقار إلى الخيال التصوري": فالسياسة، ليس تقييم وقائع اللحظة، أو ما يقال "فن الممكن"، بل السياسة هي أيضاً "خيال"، أو الأصح "علم الخيال والتصور". الذي يعتمد رصد الاتجاهات ليرسم أكثر التصورات واقعية لاستشراف المستقبل.
فالمنهج الاول جامد "استاتيكي" و"رجعي". والمنهج الثاني حيوي "ديناميكي" و"تقدمي" و"ثوري". فالسياسة والتاريخ يعتمدان معادلة "الاستمرارية والانقطاع". فالبعض يغلق رؤاه على استمرارية الماضي، فيستمر بالتشبث بموازين القوى القديمة.
ولا يرى أن هناك تحولات كبرى تنقطع عنه لتبني الجديد وتضع أمامه موازين قوى جديدة. فقصف 27 قاعدة ومنشأة لأقوى قوة في العالم ليس مجرد ضربة عسكرية، بل إعلان أن لهذه القوة حدود. وإنه تم اكتشاف طريق لردعها. إن لم يكن متكاملاً الان، فإن المستقبل سيحمل تطويرات أعظم بكثير مما نراه أمام اعيننا الآن. فنقطة القياس هي مدى التطور الذي حصل لطرف في جانب، ومدى التراجع الذي حصل للطرف الآخر.
والأمر نفسه بالنسبة لمضيق هرمز أو باب المندب. فهما ليسا ممرين مائيين فقط، بل شريان النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. وأن السيطرة عليهما تعادل إمتلاك قنبلة ذرية إقتصادية.
فالإعلام وقف طويلاً أمام قطع طرق الإمداد لحزب الله بعد سقوط النظام السوري السابق. لكنه لا يعطي التقييم الاستراتيجي الكبير لهذا الانجاز الذي أنجزته وتنجزه المقاومة.
وغني عن البيان أن النظام الرأسمالي العالمي في صعوده وهبوطه لا يمس القوى المحلية فقط، بل له علاقة بدول وحركات وتيارات كبيرة للعالم. مما يعني توسع التحالفات التي تقيمها المقاومة مع قوى قوية وصاعدة عالمياً وتاريخياً كـ"بريكس" و "شنغهاي". متجاوزة مجرد الولاءات الدينية او المذهبية او القومية. لتدخل في دوائر الحراك البشري كله.
العيب الثالث: "التركيز على اللاعبين الرسميين، وتجاهل اللاعبين الميدانيين: فالانظمة والحكومات ليسوا هم فقط من يصنع الحاضر والمستقبل. فهذه قد تمتلك جيوشاً نظامية واقتصاديات رسمية.
القسم الثاني:
ميزان القوى للأطراف الثلاثة الرئيسية والمرتكزات والوقائع لتحديد النصر والهزيمة، أو منحنى الصعود والهبوط
أولاً: الوضع قبل 7 تشرين الأول/اكتوبر 2023
لنقف باختصار عند تقدير موازين القوى بين الأطراف الثلاثة قبل طوفان الأقصى، أي الولايات المتحدة واسرائيل ومن معهما، والمقاومة ومن معها، والقوى المتأرجحة والوسطية في ثلاثة أمور هي:
1- الجيوسياسية/العسكرية.
2- الاقتصادية
3- الشعبية/الشرعية.
أولاً: الموازين قبل طوفان الأقصى
1- الوضع الفلسطيني:
· محدودية المقاومة، وضيق مساحات الاشتباك. وعمليات محدودة واطلاق صواريخ من غزة التي رغم أثرها العظيم وقتها في الداخل الاسرائيلي، لكنها لا تقارن بما سيحصل لاحقاً. واستمرار الانقسامات الداخلية، وتعطل العملية السياسية. وتصاعد الاقتحامات الاسرائيلية في القدس والضفة الغربية. وظهور مجموعات مسلحة فلسطينية محلية جديدة مثل "عرين الأسد" و"كتيبة جنين"
· الوضع المعاشي: حصار خانق على قطاع غزة. ومعدلات بطالة مرتفعة للغاية، والذي إزداد ولاشك بعد تشرين الأول/اكتوبر 2023.
· الجمود السياسي والطعن بشرعية القيادات. سواء قيادات السلطة الفلسطينية او المقاومة. وتوقف مفاوضات السلام تماماً. وانعدام اي افق سياسي لاقامة دولة فلسطينية.
2- الوضع الاسرائيلي:
· الجيوسياسي والأمني: تصورات في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن حركة حماس "مردوعة" ومنشغلة بادارة الشؤون الاقتصادية في غزة، وان الجبهة مستقرة نسبياً. وتشكيل الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ "إسرائيل" برئاسة بنيامين نتنياهو، والتي ضمت احزاباً تدعم ضم الضفة الغربية. ونقل سفارة الولايات المتحدة الى القدس (2017-2018).
واعتراف الولايات المتحدة رسمياً (2019) بسيادة "إسرائيل" على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، الخ. فتلك الفترة كانت ذروة مرحلة "الهدوء الاستراتيجي" و"الانفراجات الدبلوماسية" (اتفاق السعودية-إيران، ومساعي التطبيع مع إسرائيل).
· الاقتصادي: كان معدل النمو الاقتصادي الاسرائيلي 6.5% عام 2022، وتراجع بعد اكتوبر تراجعاً خطيراً.
· الشعبية والشرعية: برهنت الاحتجاجات الشعبية الداخلية خصوصاً فيما يخص "التعديلات القضائية" إن المجتمع الاسرائيلي كان مطمئناً في أوضاعه. فكانت الاحتجاجات قضية صراع داخلي على الشرعية والحكم، اكثر منها اختلافاً في توجهات البلاد مع اعدائها.
3- الوضع العربي:
· مسار التطبيع: استمرار وتوسع اتفاقات أبراهام، مع وجود نقاشات متقدمة برعاية امريكية نحو تطبيع بين السعودية و "إسرائيل".
· تهميش القضية: تراجع الاهتمام الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية في خطابات الشراكات الاقليمية.
· أزمات داخلية: انشغال عدة دول عربية بأزماتها الاقتصادية أو الداخلية (مثل سوريا، اليمن، ليبيا، ولبنان).
4- الوضع الغربي:
· الاهتمام بالتطبيع والاتفاقات الابراهيمية ومشاريع الربط الاقتصادي الاقليمي (مثل ممر الهند – غرب آسيا المعلن في قمة العشرين في ايلول/سبتمبر 2023.
· إدارة الصراع: التعامل مع القضية الفلسسطينية كملف إداري وأمني يحتاج الى "إدارة واحتواء" وليس الى حل نهائي.
· سعي الناتو والتحالف الأميركي الاوروبي لتطويق روسيا ومحاصرتها وتحشيد المزيد من دول الاتحاد السوفياتي السابقة (اوكرانيا، وبيلاروسيا مثلاً)، أو دول القوقاز (أذربيجان وأرمينيا وجورجيا مثلاً) للخروج من ارتباطاتها والانتماء للتحالف الغربي.
· وقوف الغرب جماعياً ضد صعود الصين وممارسة كل أنواع الضغوطات لتطويق الصين سياسياً وتجارياً لعرقلة نموها وصعودها الاقتصادي والعلمي والمعرفي.
ثانياً: الأوضاع بعد طوفان الاقصى، وحروب الاسناد والعدوان على الجمهورية الاسلامية:
إنطلاقاً من المعايير التي اعتمدناها وتبني منهج مراجعة المرتكزات. سنقدر مدى التقدم أو التراجع الذي يحققه كل طرف. بعيداً عن "البربوغاندا" وتضخيم الاحداث الجزئية. وإغفال الحقائق اللوجستيكية والاستراتيجية الكبرى ذات التأثيرات الثابتة والشمولية.
تفكك مرتكزات الكيان الصهيوني:
1- الاستيطان: شهدت معدلات الهجرة والهجرة المعاكسة في "إسرائيل" للـ السنوات العشر الماضية (2016-2026) استقراراً نسبياً في البداية بمتوسط بلغ نحو 40 الف إلى 60 الف مغادر سنوياً. تلاه ارتفاع حاد وغير مسبوق ابتداءً من عام 2022، وتحديداً تصاعد قياسي بين اعوام 2023 و 2025. ليصل إجمالي المغادرين لفترات طويلة الى نحو 268 الف إسرائيلي. وجميع الاحصاءات ادناه مستقاة من المصادر الاسرائيلية نفسها، التي لا يخفى على أحد بانها تموه الارقام، وتقلل من حجم الهجرة لخطورتها على مستقبل الكيان.
أ- تطور معدلات الهجرة العكسية (المغادرين من الكيان):
· الفترة السابقة (2009-2021): بلغ معدل مغادرة المواطنين الاسرائيليين البلاد نحو 36000 الى 40،500 شخص سنوياً في المعدل العام.
· عام 2022: سجل ارتفاع ملحوظ بلغ نحو 59400 مغادر.
· عام 2023: قفز العدد بشكل حاد إلى نحو 82800 إلى 86500 مغادر، مع اندلاع الحرب في اواخر العام.
· عامي 2024-2025: استمرت المعدلات عند مستويات قياسية تاريخية غير مسبوقة منذ عقد ونصف. حيث غادر نحو 91،499 شخصاً في 2024، ونحو 90،922 شخصاً في 2025 لفترات طويلة تجاوزت ثلاثة أشهر متتالية أو أكثر.
ب- طبيعة ونوعية الهجرة المعاكسة:
· هجرة الكفاءات والأدمغة: أظهرت دراسات صادرة عن جامعة "تل أبيب"، وسلطة الضرائب الاسرائيلية تركز النسبة الأكبر من موجة المغادرين الأخيرة بين الفئات المنتجة وذات التأهيل العالي، كالمهندسين والأكاديميين، وحملة شهادات الدكتوراه.
· الأطباء وأصحاب الدخل المرتفع: ارتفعت نسبة المغادرين من اصحاب الدخل المرتفع والشرائح الضريبية العليا بنحو 80%، اضافة الى تضاعف اعداد المغادرين من قطاعي التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك) والصحة.
ت- ميزان الهجرة (المقارنة بين القادمين والمغادرين):
· في المقابل، تراجعت أعداد اليهود العائدين أو الوافدين الجدد مقارنة بحجم النزيف الديمغرافي للمقيميين المغادرين، مما جعل ميزان الهجرة الصافي للمواطنين الاسرائيليين يسجل توازناً سلبياً واضحاً (المغادرون يفوقون العائدين والقادمين الجدد بفوارق كبيرة) خصوصاً في الأعوام الاخيرة.
2- الثقة بالجيش: قدرة الردع، الحريديم، الانهاك، الانتحار، سعة الانتشار: يمر الجيش الاسرائيلي بأزمة استراتيجية وعملياتية غير مسبوقة منذ اندلاع حرب غزة في أواخر عام 2023 وطول أمد المواجهات على جبهات متعددة، متكشفة عبر مؤشرات واضح لتآكل الردع، ونقص حاد في القوى البشرية والذخائر، فضلاً عن إنهاك واسع وأختلافات سياسية واجتماعية حادة حول مسألة التجنيد.
أ- مؤشرات تراجع قدرة الردع الإسرائيلية
· فشل منع الهجمات الاستباقية: عجز المنظومة الاستخباراتية والتقنية عن توفير إنذار مبكر كافٍ أو منع الهجمات الكبرى.
· تعدد الجبهات واستمرار استنزاف الجبهة الداخلية: عدم القدرة على حسم المعارك بسرعة، وتعرض المدن الإسرائيلية للقصف المستمر بالصواريخ والمسيرات لفترات طويلة.
· تراجع الأهداف الاستراتيجية: إنحسار سقف الأهداف العسكرية المعلنة من "القضاء الكلي على الخصوم" إلى أدارة صراع واستنزاف طويل الأمد.
ب- حالة نقص العديد وأزمة التجنيد والتطويع
· العجز البشري: أقرت القيادة العسكرية بوجود عجز يناهز 12-15 ألف جندي، من بينهم آلاف المقاتلين في الوحدات القتالية الفعلية.
· أزمة تجنيد الحريديم: تصاعد الخلاف السياسي والاجتماعي الحاد حول إعفاء طلاب المعاهد الدينية التجنيد.
· العبء على الاحتياط: إرتفاع أيام الخدمة المطلوبة لجنود الاحتياط لتصل الى مستويات قياسية (بين 80 إلى 100 يوم/جندي سنوياً)، مما يهدد منظومة الاحتياط بالانهيار. وهو ما يدلل حجم الصدمات النفسية وعمليات الانتحار المتزايدة في صفوف افراد الجيش الاسرائيلي. ويعترف قسم إعادة التأهيل بوزارة الدفاع بتسجيل نحو 9000-11000 جندي مصاب باعاقات واضطرابات نفسية واضطراب ما بعد الصدمة PTSD مباشرة بسبب الحرب الحالية. وتشير التقديرات الحديثة بان نحو 17000 جريح جديد ممن أصيبوا في هذه الحرب يعانون من درجات متفاوتة من الصدمات النفسية. وبلغت طلبات الدعم ما يقارب 170 ألف جندي. ووثقت التقارير استناداً الى معطيات عسكرية وقوع نحو 66 حالة إنتحار في صفوف الجنود والضباط منذ بدء الحرب في تشرين الاول/اكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2026.
ت- الإرهاق والتعب في "الجيش الاسرائيلي
· الاستنزاف البدني والنفسي: خوض أطول حرب متواصلة في تاريخ الجيش الاسرائيلي أدى الى إنهاك عميق للجنود والضباط النظاميين وقوات الاحتياط على حد سواء.
· تمرد واحتجاجات ميدانية: ظهور حالات تمرد ورفض أوامر داخل بعض الألوية القتالية (مثل حوادث لواء غفعاتي) التي عزاها الخبراء إلى أزمة قيادة وإنعدام الثقة والإنهاك التام.
ث- نقص الذخائر والموارد
· شح المخزونات الاستراتيجية: مواجهة أزمة حادة في إمدادات الذخائر الأساسية والصواريخ الاعتراضية وقطع غيار الأليات العسكرية.
· القيود الخارجية والإنتاج: الاعتماد المكلف على مخزونات حلفاء غربيين كالولايات المتحدة وألمانيا مع وجود قيود وضغوط دولية وبطء في خطوط الإنتاج المحلي لسد الفجوة.
3- الدعم الخارجي: وعي العالم، وخصوصاً الشباب وبالذات اليهود منهم لأزمة الكيان.
فنشهد تفكك العلاقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة، و "إسرائيل" والغرب عموماً من جهة اخرى. كما تتجلى أوجه التوتر والتراجع في التحالف التقليدي بين "اسرائيل" وكل من الولايات المتحدة والدول الغربية في تآكل الاجماع الحزبي والشعبي الغربي، والتباين في إدارة الملفات الاقليمية كالملف الايراني وترتيبات غزة.
وتزايد اعتبار سياسات الحكومة الاسرائيلية عبئاً سياسياً واخلاقياً واستراتيجياً على مصالح تلك العواصم.
أ- أوجه التوتر بين اسرائيل والولايات المتحدة.
· تراجع الاجماع الحزبي: إنتقال دعم "إسرائيل" من كونه محل توافق مطلق بين الديمقراطيين والجمهوريين إلى مادة للاستقطاب والانقسام داخل المشهد السياسي الاميركي.
· التباين في هندسة المنطقة: إعتراض واشنطن على التكتيكات الإسرائيلية المتشددة في غزة والضفة الغربية، وسعي الإدارة الأميركية لتسويات إقليمية وترتيبات أمنية لا تتطابق بالضرورة مع رغبات حكومة تل أبيب.
· أزمة الثقة والضغط المباشر: تحول الإدارة الأميركية –في محطات عديدة- من مانح مطلق للغطاء إلى مصدر ضغط ولجم للحركة العسكرية الاسرائيلية حفاظاً على الاستقرار الاقليمي والمصالح العليا.
ب- أوجه التوتر بين اسرائيل والغربي (الدول الاوروبية)
· العزلة الدولية والاخلاقية: تصاعد الانتقادات الشعبية ولارسمية في العواصم الأوروبية للسياسات الاسرائيلية والعمليات العسكرية، مما جعل الحكومات الغربية تواجه ضغوطاً أعمق لإعادة تقييم علاقاتها.
· التحلل من القيم المشتركة: شعور النخب الغربية بتنصل "إسرائيل" من منظومة الحداثة والديمقراطية الغربية.
· التكلفة الاقتصادية والسياسية: نظرة أجزاء واسعة من الرأي العام ودوائر القرار في أوروبا لإسرائيل كطرف يضر بالعلاقات الخارجية الغربية ويشكل عبئاً استراتيجياً وأمنياً.
4- الإدانات الدولية والاخلاقية وحروب الابادة الصادرة بحق اسرائيل: صدرت بعد طوفان الاقصى وحرب الابادة في غزة عدة إدانات وقرارات بارزة بحق "اسرائيل" من المحافل الدولية.
أ- أوامر وقرارات القضاء الدولي.
· المحكمة الجنائية الدولية: أصدرت مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين بارزين (نتنياهو وغالانت) بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، مع رفض طعون إسرائيل في اختصاص المحكمة.
· محكمة العدل الدولية: أصدرت فتاوى وأحكاماً قضائية تؤكد عدم شرعية الوجود الإسرائيلي، والاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وألزمت إسرائيل باتخاذ تدابير لمنع الإبادة الجماعية وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والتعاون مع وكالات الأمم المتحدة مثل الأونروا.
ب- الإدانات والتقارير الأممية.
· تقارير لجان التحقيق الأممية: أدانت لجان تحقيق مستقلة تابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة السياسات الاسرائيلية، مشيرة الى وجود أدلة على ارتكاب أفعال ترقى الى جرائم خطيرة وإبادة جماعية بحق الفلسطينيين.
· قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة: اعتمدت الجمعية العامة قرارات ترفض سياسات الضم والتسويف المستمر لحق الشعب اللفلسطيني في تقرير المصير وتأسيس دولته االمستقلة، وطالبت بانهاء الاحتلال الإسرائيلي وفرض ضغوط دولية وخطوات للحد من إفلات "إسرائيل" من العقاب.
5- الوحدة الوطنية: الليبرالية مقابل الدينية. الشرقية مقابل الغربية. فقد قادت حرب غزة والحروب الإقليمية المتتالية إلى تحولات جذرية في المجتمع الإسرائيلي. من "وحدة مؤقتة" لحظة إندلاع الأحداث إلى واقع عميق من التشرذم والإنقسامات. والتي تفاقمت بين معسكر اليمين القومي الديني والشرائح العلمانية. وتزايدت الصدامات بين المستويين السياسي والعسكري. واصطدمت القيم الديمقراطية الشكلية بطموحات التيارات المتطرفة.
أ- الإنقسام السياسي والمؤسسي
· أزمة القيادة والمسؤولية: صراع محتدم حول تحمل مسؤولية اخفاقات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
· الخلاف بين الساسة والعسكر: علنية الانتقادات المتبادلة بين القيادات السياسية ورؤساء الأجهزة الأمنية بشأن إدارة المعارك وأفقها.
· أزمة التجنيد: استمرار الجدل الحاد حول إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية وسط رفض واسع للتجنيد من قبلهم.
ب- الإنقسام المجتمعي والإثني
· العلمانيون مقابل الحريديم: إتساع الهوة الفكرية والمعيشية بشأن تقاسم أعباء الدولة والخدمة العسكرية والتوجهات المستقبلية للبلاد.
· الشرخ الطبقي والإثني: تباين مستويات الصدمة النفسية والضغط الاجتماعي بين اليهود الأشكناز (يهود اوروبا الوسطى والشرقية)، والمزراحيين (يهود من الدول العربية والاسلامية) تبعاً للخلفيات التاريخية والاجتماعية.
ت- الإنقسام القيمي والأيديولوجي
· تراجع الخطاب الديمقراطي: تصاعد التيارات اليمينية المتطرفة والمؤمنة بتفوق الهوية اليهودية على حساب قواعد النظام القضائي والديمقراطي.
· أولوية البقاء مقابل الاستقطاب: شعور متزايد داخل النخب الإسرائيلية بأن الاستقطاب الداخلي والانقسام القيمي باتا يشكلان التهديد الأخطر على استمرار الكيان مقارنة بالتهديدات الخارجية.
6- تراجع أحلام النموذج المثال: الديمقراطية، القضاء والعدالة (الاعدام)، الاخلاق، العلم والابتكار، وتحويل الصحراء الى جنان.
7- تراجع التبريرات من المحيط حول الكيان الاسرائيلي، وتصاعد حركة المقاومة سواء المسلحة أو المدنية، وازدياد معارضة سلوكيات "اسرائيل" بما في ذلك من الدول المعترفة بها.
مرتكزات نظام الهيمنة العالمي
1- تراجع قوة الردع المفرط
2- تفكك المرتكزات الاقتصادية لنظام الهيمنة: يشهد النظام الاقتصادي العالمي تحولاً جذرياً وتفككاً تدريجياً في قواعد العولمة التقليدية التي سادت لفترة طويلة. ليحل محلها منطق الانكفاء والأمن الوطني والتحوط الاستراتيجي والتنافس. ودون الدخول في تفاصيل تجاوز الدين الامريكي حدود 40 ترليون دولار، وهو في تصاعد مستمر. كذلك أرتفاع ديون بقية الدول الرأسمالية. وأزمة سندات الخزينة الأميركية.
وتراجع دور الدولار في احتياطات البنوك المركزية، وتراجع نسب النمو الاقتصادي للدول الغربية. وتهرىء البنى التحتية للاقتصاديات الغربية. وتقدم إقتصاديات المستعمرات القديمة وحرمان المراكز المتربولية من ثروات وقدرات كانت تسمح لها بفائض قوة تسمح لها بالهيمنة على العالم.
أ- سلاسل الإمداد المفتوحة والكفاءة المطلقة.
· التحول نحو الحمائية: الانتقال من البحث عن أدنى تكلفة إنتاج عبر القارات الى توطين الصناعات أو نقلها للدول الحليفة Friend-shoring
· أولوية المرونة والأمن: أصبحت استمرارية تدفق السلع أهم لدى الدول من مجرد تقليل التكاليف التشغيلية.
ب- حرية التجارة المتعددة الأطراف
· تراجع دور المنظمات الدولية: إنحسار فاعلية وقواعد مجلس الأمن ومنظمة التجارة العالمية في فض النزاعات العادلة.
· صعود الرسوم والسياسات الموجهة: لجوء القوى الكبرى لفرض الحواجز الجمركية والدعم الحكومي الضخم للتصنيع المحلي والاقتصاد الأخضر.
ت- النظام المالي والنقدي الموحد
· تسييس البنية المالية: تزايد استخدام العقوبات الاقتصادية والمالية والأصول العابرة للحدود كأدوات ضغط سياسي.
· التعددية النقدية والبدائل: تراجع الهيمنة المطلقة والمنفردة لشبكات الدفع والعملات التقليدية لصالح ترتيبات نقدية وجهود تكتلية بديلة.
ث- التعاون التقني والرقمي العالمي
· التشظي التكنولوجي: الانفصال التقني وتبادل القيود على الاستثمارات التقنية الموجهة لدول محددة. تأثير هذا التفكك على الاقتصادات الوطنية (النامية والناشئة)
· عرقلة الابتكار المشترك: تباطؤ التعاون البحتي والصناعي العابر للحدود بسبب الشكوك الاستراتيجية المتبادلة.
· الفرص المتاحة لتلعب التكتلات الاقليمية دوراً بديلاً.
3- فشل تطويق روسيا ومحاصرة الصين والقضاء على النظام الإيراني. على العكس بروز الخلافات والتناقضات بين كافة الأطراف الغربية. سواء فيما بينها أو بين الولايات المتحدة و "إسرائيل". أو بين الغرب و"إسرائيل"، أو حتى الولايات المتحدة و "إسرائيل". أو بين الدول المطبعة و "إسرائيل"، أو الدول المتأرجحة والولايات المتحدة و "إسرائيل". وتصاعد دور شنغهاي وبركس. وتحوله الى التحدي والمواجهة بدل السياسات المبطنة والمسايسة.
4- تفكك وحدة دول منظومة الهيمنة مع زعيم وقيادة العالم (الولايات المتحدة). وبروز صراعات حادة كما هو حال الولايات المتحدة وكندأ. وقس على ذلك.
أ- تباين السياسات الخارجية والأمنية: تتمثل أبرز مؤشرات تفكك أو تصدع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة في تباين الرؤى الاستراتيجية بين واشنطن والحلفاء الاوروبيين، وأبرزها الخلافات حول إدارة الأزمات الإقليمية كالملف الأوكراني أو الايراني، ورفض أوروبا الانخراط في بعض العمليات العسكرية الأميركية، فضلاً عن التوجه الأميركي نحو مراجعة الوجود العسكري في منطقة غرب آسيا، وتقليص الدعم في حلف الناتو للضغط على أوروبا كي تتولى اعباء دفاعها بنفسها.
· الرفض الأوروبي للعمليات الاحادية: امتناع دول اوروبية رئيسية عن المشاركة في العمليات أو الضغوط العسكرية الامريكية الاحادية تجاه ايران ومنطقة الخليج.
· أزمة الالتزام بالأمن الجماعي: تلويح الادارة الامريكية مراراً باعادة النظر في التزاماتها التقليدية ضمن حلف شمال الاطلسي.
· المراجعة العسكرية الأميركية: اعلان وزارة الدفاع الأميركية بدء مراجعة شاملة للوجود والقوات العسكرية في اوروبا لدفع الحلفاء الاوروبيين لتحمل التكلفة الكاملة لدفاعهم.
ب- التصدع الاقتصادي والسياسي الداخلي
· النزاعات التجارية: فرض تعرفات جمركية وسياسات حمائية أثرت على ثقة الشركاء التجاريين على ضفتي الاطلسي.
· صعود النزعات الشعبوية: نمو التيارات السياسية واليمينية في الدول الاوروبية المطالبة بتقليص التبعية للقرار الأمريكي والبحث عن استقلالية استراتيجية
ثالثاًً: كيف أصبح ميزان القوى الآن
الجيشان الأميركي والإسرائيلي يقصفان أعدائهم. ومنظومتهما عاجزة عن إيقاف الصواريخ والمسيرات المعادية لهم. وأعداد مهمة من الاسرائيليين يهاجرون. والاوضاع الاميركية والعالمية تواجه انقسامات وصعوبات جمة. بينما أنظمة الخليج تواجه صعوبات أمنية وأقتصادية صعبة. كل هذه المؤشرات حقائق لا جدال حولها. رغم ذلك يبقى النموذج الذهني لدى كثيرين عالقاً بحقائق ما قبل أيلول/اكتوبر عام 2023. حيث كان "التطبيع" و"الاقتصاد الخليجي" والقوة الاسرائيلية والأميركية هي المسارات الرئيسية. وكثيرون ما زالوا يضعون نظارات ما قبل 2023 على إعينهم. الأحداث من ٢٠٢٤ إلى ٢٠٢٦ كسرت هذا النموذج.
ولتصحيح ذلك في المنهج المعتمد لابد من "وزن الاحداث" بدلاً من "عدد الأحداث"، وكأمثلة:
- قصف 27 قاعدة أميركية له وزن حدثي مفكك لمرتكزات أساسية، يعادل 100 ضعف العمليات الاسرائيلية في لبنان وفلسطين وسوريا. لأنه يغير معادلة الردع وموازين القوى في المنطقة.
- هجرة ربع مليون إسرائيلي له وزن حدثي يفكك المرتكز الرئيسي لفكرة الاستيطان التي يقوم عليها المشروع الصهيوني، ويعادل 100 ضعف أي بيان دبلوماسي.
- سيطرة صنعاء على باب المندب وإغلاق مضيق هرمز له وزن حدثي وتغيير مرتكزات مركزية في موازين القوة في المنطقة يعادل 100 ضعف أي تقدم إسرائيلي في سوريا او لبنان والسيطرة على بعض الممرات والقرى، فالثاني تغييرات لا تضعف حركة مقاومة تقوم بحرب عصابات، بينما الأول يسيطر على خارطة المرور الآمان وغير الآمن في مجمل غرب آسيا بالنسبة لمختلف القوى.
- تشييع 10 مليون عراقي لجثمان السيد الخامنئي له وزن حدثي لإنه يبين التعبئة المناصرة للمقاومة، وهو يعادل 100 ضعف المطالبة بنزع سلاح المقاومة الذي تشترطه "إسرائيل" والولايات المتحدة. فبيئة المقاومة، وإرادة الشعوب هي الضمانة ليكون السلاح إما بيد سلطة تقاوم العدوان، أو سلطة اضعف من أن تسحب سلاح من المقاومين.
- إرتفاع أسعار الطاقة والمديونية وتراجع دور الدولار وتصاعد الأزمة البنيوية الاقتصادية في العالم وزن حدثي يعادل 100 ضعف عن إزدياد في صعوبات إيران الاقتصادية. فالاقتصاد العالمي لا يمر بأزمة إقتصادية عابرة، بل بتحطم الكثير من مرتكزاته البنيوية التاريخية. بزيادة نفقاته وخسارته لموارد عظيمة كانت تأتيه من مستعمراته، والتقدم المستمر لخصومه عليه على كافة الجبهات.
وقس على ذلك.
فلا بد من ترك "سردية اللحظة" والتصورات. التي رسختها الاستمرارية التاريخية. والتي تبيعها الوكالات والفضائيات والنقاشات اليومية ومنطق الأنظمة. التي تستولي على العقول. بمخاطبة شؤون يومياتها ومحسوساتها المباشرة.
والانتقال الى "الفهم الميداني الشمولي" والاهتمام بكل ما يمس المرتكزات الوجودية الحقيقية. التي تُحدث إنقطاعات جذرية حاسمة، و ثأثيرات عالمية وإقليمية ووطنية كبرى.
بهذا المنظار يجب أن نرى تغير موازين القوى من خلال الأزمة الاقتصادية لدول الخليج مثلاً، وتراجع صادراتهم النفطية، التي هي مصدر قوتهم. وما اشارت اليه "بلومبيرغ" عن محادثات اجرتها وزارة المالية السعودية مع بنوك دولية لترتيب قرض سيادي تصل قيمته الى 10 مليارات دولار في أيلول/سبتمبر 2026.
وطلب الإمارات لقروض للكيانات المرتبطة بالحكومة والشركات شبه الحكومية لتمويل نشاطاتها التجارية. وما أعلنته قطر للمرة الأولى في تاريخها من عجز في موازنتها بلغ (5.82) مليار دولار خلال الربع الثاني من 2026. وما وصله إجمالي الدين العام للحكومة السعودية بلغ (444.6) مليار دولار امريكي وهو ما يعادل نسبة (31.7%-33%) من الناتج الوطني الاجمالي . ويبلغ الدين الحكومي العام للامارت نحو (192-257) مليار دولار (حسب شمولية بعض ديون الشركات الحكومية) ويمثل حوالي (32.8%) من الناتج الوطني الاجمالي.
وبهذا المنظار يجب رؤية العزلة الدولية غير المسبوقة لاسرائيل والولايات المتحدة. خصوصاً في أوساط الشباب العالمي. والصعود الجماهيري حيث أجساد القادة تُغتال، لكن الشارع العربي والإسلامي يزداد تعاطفاً. ويتحول محور المقاومة من "مسألة إيرانية" إلى "مشروع تحرر إقليمي"، بل "عالمي". فالشعوب ترى أن أنظمتها عاجزة عن حماية غزة والقدس. بينما ترى إيران وحزب الله وأنصار الله يقاتلون. مما يضع أنظمة الخليج والدول المتأرجحة في موقف "المسائلة أو العاجز" في عيون شعوبها.
وأن مذكرة 17 حزيران/يونيو 2026 الموقعة بين الرئيسين "ترامب" و"بزشيكيان" ليست مجرد اتفاق، بل هي اعتراف أميركي بالهزيمة. لا يغير ذلك ان الولايات المتحدة حاولت لاحقاً -وتحاول الان- الالتفاف عليه. فهي وافقت على شروط أساسية لمصلحة إيران، وعلى التفاوض مع إيران من موقع ضعف، وأن هذا الضعف تزايد ولم يتراجع. وأن محور المقاومة يشعر بان قوته ازدادت ولم تضعف من حزيران/يونيو 2026 وليومنا.
ويتعزز ذلك كله بمواقف دول شنغهاي وبريكس، سواء من القضية الفلسطينية، أو من الحرب على إيران. فمنظمة "شنغهاي" تمثل 42 من سكان العالم، و36% من اقتصاده وفق PPP. بينما تمثل "بريكس" نصف سكان العالم و 41% من إقتصاده وفق مقياس PPP. مما يجعل محور المقاومة متناغماً مع كتلة كونية صاعدة لها كل المقومات العلمية والأمنية والاقتصادية والسياسية والأممية لمواجهة الهيمنة الغربية، المأزومة والهابطة.
الخلاصة المركزية: من يتقدم ومن يتراجع؟
نظمنا أربعة جداول. ستبين الجداول الثلاث الأولى النسب المئوية إقتصادياً وعسكرياً للاطراف التي تناولناها في بحثنا. ويمثل الجدول الرابع آثار الحرب منذ طوفان الاقصى وليومنا على ميزان القوى ونسبة كل طرف فيه. وقد اعتمدنا في الجداول الأربعة على المصادر الغربية حصراً، لحساب النسب. مع ملاحظة إننا اخرجنا الهند من "شنغهاي" ووضعناها مع القوى الوسطية والمتأرجحة، رغم أن الهند تتأرجح أكثر باتجاه روسيا والصين وإيران، عما كانت عليه قبل طوفان الاقصى. لكننا قمنا بذلك من باب الاحتياط، ودفع تهمة السقوط في المبالغة.
الجدول الأول:
-
مقارنة القدرة الاقتصادية الشرائيةppp (تقديرات 2026)
الجدول الثاني:
-
مقارنة القدرات العسكرية واللوجستية (تقديرات 2026)
الجدول الثالث:
-
: النسبة المئوية للقوة العسكرية واللوجستية الشاملة
لكن هناك نتائج ميدانية صححت يقيناً التقديرات النظرية أو الحسابات الاكاديمية ومنها:
1- إنهيار عقيدة أالأمن المستورد" وانكشاف القواعد الأميركية.
2- معادلة "التكلفة مقابل الكفاءة" (الاسلحة اللامتناظرة).
3- سلاح الممرات والمضائق والامتياز اللوجستي لشنغهاي.
4- فشل وتجمد الأهداف الإسرائيلية والأميركية وآثارها الارتدادية.
5- قوى الولايات المتحدة و "إسرائيل" والغرب عموماً، رغم إستمرار قوتها ومواردها، لكنها لم تعد تحدد مصير المعركة، بل تحاول تخفيف الخسائر. ولا تعرف كيف تنسحب من معركة فتحت نيرانها، دون استراتيجية او مقومات حقيقية.
والجمهور الأميركي والاسرائيلي هم أهم مؤشر لنصر أو هزيمة ترامب ونتنياهو. وإن تراجع شعبيتهما الجلية والواضحة الان أهم دليل على أنهما فشلاً في هذه الحرب.
لن يغير من ذلك ما سيجري في الانتخابات القريبة القادمة في الولايات المتحدة و "إسرائيل". فالانتخابات فيها الأعيب وأموال. وإن ترامب بدأ من الان برشوة الناخبين العلنية باعلان دفع 5000 دولار لكل مواطن أميركي بالغ، بعد أن تراجعت شعبيته بسبب الفشل في الحرب في استطلاعات الرأي الى نحو 32%. ونتنياهو يعمل الامر نفسه بعمل استعراضات في لبنان وسوريا وغزة والضفة.
6- محور المقاومة يكتب قواعد غرب آسيا، بل يغير المعادلة العالمية من عالم أحادي القطب، إلى عالم متعدد الأقطاب.
7- الدول والقوى المتأرجحة ضاقت خياراتها. فإن سارت مع اسرائيل والغرب فستفقد شرعيتها. وإن انحازت الى فلسطين والمقاومة فستدخل في معركة مع الطرف الأول، وسيتم التعامل معها وكأنها في تحالف –حقيقي أو موضوعي- مع الطرف الثاني.
8- رغم أن دول منظمة شنغهاي ليسوا كلهم جزءاً من محور المقاومة. لكن محور المقاومة يستظل بهم. وهناك تحالف مصالح في كسر أحادية النظام الدولي تؤيده بقوة الصين وروسيا. فمحور المقاومة وبلدان شنغهاي في خط طولي واحد ويخدم كل طرف الطرف الاخر، مما سمح لنا بالتعامل معهم كجبهة، ولو غير معلنة.
9- هذه الاعتبارات وغيرها تدفعنا لإدخال تعديلات. وهو ما يبينه الجدول الرابع، الذي نظمناه بإدخال التغييرات على النسب القديمة بإعطاء نسب أعتمدها كثيرون في توزيع مصادر القوة في ميدان غرب آسيا وليس عالمياً فقط، وفي ان تتوفر في الميدان وليس كمكونات كمية فقط. ويستخدمون عادة (6) نسب هي: القوة العسكرية (30%) حسب كل طرف من قدرته على استخدام اسلحته وتجديدها+ الإقتصاد (25%) بتشخيص الضغوطات التي يسببها الاقتصاد+ القدرة اللوجستية والممرات (15%) + التحالفات والعمق الاستراتيجي (10%) + الردع والردع المضاد وفعاليته (10%) + القدرة على تحمل الاستنزاف والشرعية السياسية (10%). وإنطلاقنا من ذلك صححنا الجدول السابق. وهو ما يظهره الجدول الرابع.
الجدول الرابع:
-
النسب الجديدة عند إدخال ا لمرتكزات والحقائق الجديدة
خلاصة نهائية: ساحترم نسب المصادر الغربية. لكننا إذا ما اضفنا العوامل الاقتصادية والتاريخية والحراك الواسع للشعوب لرفض القطبية الاحادية، والسياسات الاسرائيلية، والإرادة الصلبة التي تظهرها المقاومة من جهة، ونجاحاتها الميدانية في إفشال معظم خطط أعدائهم تقريباً، وحركة الشعوب من جهة ثانية، وحركية وديناميكية دول شنغهاي وبريكس، فاننا نعتقد ان النسب ستتغير مرة أخرى، ونقدر انها في المرحلة الحالية ستكون كالاتي:
1- محور المقاومة + شنغهاي وبريكس، وهما ليسا جزءاً من محور المقاومة. لكن يوفران مظلة لتعزيز مرتكزاتهم ومكاسبهم الجديدة : 55 %(تقدم بثبات).
2- معسكر الولايات المتحدة و "إسرائيل" والغرب: 30% (تراجع واضح، مع سياسات متناقضة ومرتبكة، وأزمات بنيانية وتصل أحياناً لأزمات وجودية).
3- الدول والقوى المتأرجحة والوسطية: 15%. وهي ما تزال تبدو نشطة عند السطح، لكنها تفقد المبادرة الفعلية، وتنخر في مرتكزاتها عوامل الضعف الداخلية. مما سيدفعها خلال مدة قريبة لتحديد خياراتها. فيغير ذلك من نسبها الحالية. ونعتقد انه حسب كافة المعطيات، ستحسن من نسب المقاومة إما بذهاب جزء من حصتها أو كامل حصتها للوقوف بوجه العدوان والاحتلال. وهو ما سيولد زخماً تاريخياً عظيماً قد تظهر معطياته قبل نهاية هذا العقد، وفق التقديرات الموضوعية.
ملاحظة أخيرة: عندما نتكلم عن "حسابات ختامية" لا نتكلم عن نتائج مطلقة. بل عن نتائج للفترة بين "طوفان الأقصى" والنتائج المسجلة الآن. فقد تتغير الوقائع في المستقبل، سرعة أو بُطئاً، صعوداً أو هبوطاً. كما يحدث لأية حسابات ختامية.
التي تكون رابحة في نهاية الفترة لتسجل في فترات اخرى نتائج مخالفة. كما أن هذا البحث ليس بحثاً أكاديمياً، ليعرض مختلف التقديرات ومصادر المعلومات. بل هذا هو تقديرنا وفق ما نعتقده معلومات موثوقة وصادقة وموضوعية. فنحن ندعي هذه الحقائق والتقديرات. ونتمسك بمقولة "على من إدعى اليمين (الصدقية)، وعلى من أنكر البينة (البرهان خلافه)".