عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: الاقتصاد العالمي تحت رحمة سندات الخزينة الأميركية وأسعار الفائدة
لأن سندات الخزينة الأميركية وسعر فائدتها، يشكلان المعيار العالمي بلا منازع لحركة الأقتصاد "النيوليبرالي" الأميركي، يلقي السيد عادل عبد المهدي الضوء على آلية الديون، ويشرح كيف تلعب سندات الخزينة الدور المحوري في الاقتصاد العالمي.
-
الاقتصاد العالمي تحت رحمة سندات الخزينة الأميركية وأسعار الفائدة.
أ- تصدر وزارة الخزانة الأميركية (وزارة المالية) سندات الخزينة بشكل دوري لتمويل نفقات الحكومة، وتقود قرارات الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) إلى تحديد أسعار الفائدة عن طريق السوق الثانوية. وعندما يعطس "الفيدرالي" و"الخزينة"، فإن الاقتصاد الرأسمالي العالمي يُصاب بالتهاب رئوي. فسندات الخزينة الأميركية وسعر فائدتها، يشكلان المعيار العالمي بلا منازع لحركة الاقتصاد "النيوليبرالي" الأميركي، وبالتالي الغربي والعالمي.
ب- لكن لماذا هذا الإصدار الدوري للسندات من قبل الخزينة؟ والسبب، هو حاجة الحكومة الأميركية للمزيد من الأموال لتغطية نفقاتها المتزايدة. وهي تستطيع فعل ذلك مستثمرة مكانة الدولار كعملة عالمية، تصدره الولايات المتحدة بقرارات خاصة بها، بعد تحررها من أي قيود موضوعية موازنة خارج التلاعب الذاتي، كالارتباط بقاعدة الذهب، أو بسلة عملات أخرى، أو بنسبة لا مهرب منها من الناتج الوطني أو الاقتصاد العالمي. ولأن إدارة التضخم ومعدلات النمو باتت محكومة بإطلاق هذه السيولة أو تقليصها، لذلك أصبحت سندات الخزينة خصوصاً الطويلة الأجل، وأسعار الفائدة عليها معياراً عالمياً رئيسياً لتحديد مسارات الاقتصاد الأميركي، وبالتالي العالمي.
ت- ولماذا يتصاعد التضخم؟ لأن الولايات المتحدة تنفق أكثر مما تحصل عليه من أصول "صلبة". فتضطر للجوء إلى كل ما يسد الثغرة لديها، أو يعوضها عن ذلك. ولعل أهم وأبسط وسيلة هي الاقتراض. وسندات الخزينة هي الوسيلة الأبسط لتحقيق ذلك. فهي تقترض –في التحليل النهائي- من نفسها. لأنها تستطيع أن تصدر الدولار إلى ما لا نهاية، على الأقل نظرياً.
فلا تطلب من أحد الموافقة، وليس أمامها أي رادع موضوعي، سوى حساباتها الخاصة. وبالمقابل، وبسبب مكانة الولايات المتحدة، سيرتبط الدائنون بدينهم. فيحرصون على بقائه لأنه غير قابل -عملياً- للسداد. فالولايات المتحدة تجني ثمرات الدين، وبقية العالم يتحمل أعباءه. فترتفع ديون الولايات المتحدة (العامة دون الخاصة) بسرعة صاروخية، وستصل قريباً إلى 40 تريليون دولار.
وقد تجاوزت خدمة الدين بمفردها التريليون دولار سنوياً. ويتوقع أن تصل الفائدة وحدها إلى 2.5 تريليون دولار خلال أقل من 5 سنوات.
فالاقتصاد الأميركي الحقيقي القائم على إنتاج القيم الحقيقية لم يعد كافياً لمواكبة النفقات الهائلة الأميركية، فكان لا بد من اختراع هذه المعادلة للدولار والديون. إضافة بالطبع للأدوات الأخرى لسد العجز، أو الثغرة باللجوء إلى القوة، والنهب المباشر وغير المباشر، وفرض الضرائب والجمارك، وبيع الأوهام والقيم الزائفة، إلخ.
ث- في الاقتصاد الكلاسيكي، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، كان محور الاقتصاد الرأسمالي للاستثمار والنمو هو المدخرات وعالم الأسهم المرتبطة مباشرة بالاستثمارات، بينما محور الاقتصاد الرأسمالي اليوم هو عالم السندات المرتبط مباشرة بالديون.
سنحاول، من خلال 5 فقرات -باختصار وسرعة- أن نلقي الضوء على آلية الديون، وكيف تلعب سندات الخزينة الدور المحوري في الاقتصاد الأميركي والعالمي. والفقرات الخمس هي:
- دور الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) ووزارة الخزانة (وزارة المالية) في آليات الديون والسندات.
- الوضع الراهن لسندات الخزينة والديون.
- التأثيرات المتبادلة بين سندات الخزينة وأسهم الشركات.
- اختلاف الاقتصاد "النيوليبرالي" عن الاقتصاد الكلاسيكي والكينزي.
- الحبل السري الذي يربط الاقتصاديات المالية والنقدية العالمية بالأم الأميركية.
1- دور الاحتياطي الفيدرالي وسندات الخزانة (الديون) في الاقتصاد الأميركي
يتابع محلّلو الأسواق المالية سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات لأن فائدتها تعكس توقعات السوق مجتمعة، حول التضخم والنمو الاقتصادي المرتقب. ويتفق المحلّلون على أن وصول سعر الفائدة إلى 5% سيعني فقدان المستثمرين الثقة في قدرة البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي الأميركي) على كبح التضخم، وفقدان الثقة في القدرة على إعادة التسييل Remonetization. فيطالبون بعائد أعلى لسنداتهم لتعويض تآكل قيمة أموالهم. وأمام ارتفاع التضخم سيضطر البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة بشكل حاد وسريع. وسيكون لذلك تأثير على الاقتصاد. لأن ذلك سيقود إلى:
- ارتفاع تكاليف الاقتراض على الحكومات والشركات والأفراد.
- تراجع الاستهلاك والاستثمار بقوة
- ارتفاع تكاليف خدمة الدين الحكومي، ما قد يؤدي إلى سياسات تقشفية
النتيجة: الاقتراب من السيناريوات الأسوأ، ما يشكل خطراً حقيقياً. وذلك عندما ترتفع العوائد طويلة الأجل (10 سنوات) إلى 5%، بينما تكون العوائد قصيرة الأجل (2 سنة) أعلى منها، فيصبح الاقتراض مكلفاً وصعباً سواء القصير أم الطويل. ما يضع المصدات في طريق النمو والاستقرار الاقتصادي.
تحديد سعر الفائدة
- لا يحدد "الاحتياطي الفيدرالي" أسعار فائدة كل أنواع السندات، بل يتحكم بشكل مباشر في سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية قصيرة الأجل Federal Funds Rate، وهو السعر الذي تتراضى به البنوك للإقراض فيما بينها لليلة واحدة. ويؤثر هذا القرار بشكل غير مباشر بدرجات متفاوتة على بقية السندات وفقاً للآتي:
السندات القصيرة الأجل تتأثر بشكل وثيق وفوري بقرارات "الفيدرالي"، مثل أذونات الخزانة Treasury Bills قصيرة الأجل. والسندات الطويلة الأجل، لا يحددها "الفيدرالي" مباشرة بل تتأثر بـقوى السوق (العرض والطلب) وتوقعات المستثمرين بشأن التضخم والنمو الاقتصادي المستقبلي، مثل سندات الخزانة Treasury Bonds طويلة الأجل لـ10 أعوام أو لـ30 عاماً.
- تحدد وزارة الخزانة الأميركية أسعار الفائدة الاسمية (الثابتة)، المعروفة بـ "معدل القسيمة" Coupon Rate عند طرح السندات لأول مرة من خلال المزادات الدورية. ولكن تتحدد أسعار الفائدة الفعلية (العوائد Yields) التي يتداولها المستثمرون في السوق الثانوية بناء على العرض والطلب، والتي تتأثر بشكل مباشر بقرارات "الاحتياطي الفيدرالي".
- تطرح وزارة الخزانة السندات (بما فيها متوسطة وطويلة الأجل) في مزادات عامة، حيث تعلن مسبقاً عن سعر فائدة ثابت يدفعه السند لحامله دورياً بناء على توقعات السوق وقت الإصدار لتغطية عجز الموازنة.
- لا يحدد الاحتياطي الفيدرالي سعر فائدة السندات بشكل مباشر، ولكنه يحدد سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية (سعر الفائدة قصيرة الأجل). هذا المعدل يعتبر المؤشر الأساسي للاقتراض في الاقتصاد. وتغيراته تؤثر بشكل غير مباشر وقوي على عوائد وسعر السندات المتوسطة والطويلة الأجل في السوق الثانوية.
- يؤدي ارتفاع عائدات سندات الخزانة الأميركية، التي تتأرجح حالياً في حدود 4.5% لسندات 10 سنوات إلى سحب السيولة من الأسهم (أسهم الشركات) ما يضغط على الأسواق المالية الأميركية والعالمية. ويجعل تكلفة الاقتراض باهظة للشركات والحكومات، ما يؤدي بدوره إلى إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي في ظل استمرار سياسات التشدد النقدي.
خلاصة لارتفاع سعر الفائدة على السندات الطويلة الأجل (10 سنوات)
أ- تأثيرها المباشر على الأسواق المالية:
· تراجع أسعار الأسهم: العلاقة بين أسعار السندات وعوائدها عكسية: ومع وصول عوائد السندات إلى مستويات مغرية، تعيد المحافظ الاستثمارية الكبرى توزيع أصولها بالتحول نحو أدوات الدين. هذا يقلل الطلب على الأسهم ويزيد من تقلبات الأسواق.
· تكلفة الاقتراض القياسية: تُستخدم عائدات الخزانة كمعيار Benchmark لتسعير القروض العقارية، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان، إلخ. ويعني ارتفاعها زيادة تكلفة الدين على المستهلكين والشركات.
ب- الانعكاسات على الاقتصاد العالمي:
· هروب رؤوس الأموال: عندما ترتفع عوائد الدولار، تتدفق الأموال من الأسواق الناشئة والدول النامية نحو الأصول الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً، ما يتسبب في انخفاض قيمة العملات المحلية في تلك الأسواق، ويفاقم معدلات التضخم لديها.
· تباطؤ النمو الاقتصادي: تهدف البنوك المركزية (شأنها شأن الاحتياطي الفيدرالي) من رفع الفائدة إلى كبح التضخم. ولكن الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترات طويلة يرفع تكلفة التشغيل للشركات، ما قد يدفعها لتقليص حجم العمالة والاستثمار، وصولاً إلى مخاطر الركود.
ت- تقييم المستثمرين لمخاطر السوق:
· تراجع شهية المخاطرة: ينظر المستثمرون الآن إلى عوائد السندات كبديل قوي للمخاطرة، حيث لم تعد هناك حاجة لتحمل تقلبات أسواق الأسهم لتحقيق مكسب رأسمالي. وهذا يخلق بيئة تتسم بالحذر الشديد.
· مراقبة البيانات الاقتصادية: يتفاعل سوق السندات بشدة مع تقارير التضخم والبطالة ومعدلات النمو، إلخ، حيث تؤدي البيانات القوية إلى توقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يدفع العوائد للارتفاع مجدداً.
عوائد السندات وأسعار الفائدة
لا شك في أن العلاقة بينهما وثيقة جداً ويؤثر كل منهما في الآخر. فعندما يقوم البنك المركزي برفع أسعار الفائدة، فإن ذلك يجعل القروض الجديدة أكثر تكلفة. ما يدفع المستثمرين للمطالبة بـ "عوائد أعلى" عند شراء سندات حكومية جديدة لتعويضهم عن تكلفة الفرصة البديلة. وعلى الجانب الآخر، غالباً ما ينظر المستثمرون والاقتصاديون إلى عوائد السندات طويلة الأجل، بوصفها مؤشراً استباقياً لتوجيهات البنك المركزي (الاحتياطي الفيدرالي).
هناك 3 مستويات لـ"منحنى العائد" هي:
- المنحنى الطبيعي: وهو صاعد وذلك عندما تكون الفوائد على السندات القصيرة أقل من العوائد على السندات الطويلة. مثلاً سنتان = 3%، بينما 10 سنوات = 5%. فيطلب المستثمرون عائداً أعلى مقابل إقراض أموالهم لفترة أطول، وهو الأمر الطبيعي الذي يدعم الإقراض والاستثمار والنمو. ويكون التضخم هنا معتدلاً، ولا يواجه الاقتصاد خطر الركود.
- المنحنى المسطح: ويكون الفرق بين العوائد القصيرة والطويلة صغيراً جداً. مثلاً سنتان = %4.5، بينما 10 سنوات = 4.7%. فنكون في مرحلة انتقالية. حيث قد يرفع "الاحتياط الفيدرالي" سعر الفائدة لكبح التضخم. فينمو القلق وعدم اليقين ما يفتح أبواب الركود.
- المنحنى المقلوب أو السلبي: حيث العوائد القصيرة أعلى من الطويلة الأمد. مثلاً سنتان = 5.5%، بينما الطويلة = 4.5%. وهو دليل لدى المستثمرين على أن السياسة النقدية "متشددة جداً" وستتجه الأموال نحو القروض القصيرة الأجل، ما يوقف النمو ويهدد بالانكماش. يرافقه قلق من أن "الاحتياط الفيدرالي" سيصحح الوضع برفع سعر الفائدة على السندات الطويلة الأجل ما يولد فوضى اقتصادية عارمة، وتباطؤاً حاداً قد يتحول إلى ركود عميق.
لهذا يلتقي العائد وسعر الفائدة في لحظة معينة (إذا بقي سعر السند نفسه وكان متحصله الوحيد هو سعر فائدته)، ويختلفان في مسار عمر كل منهما، عندما يرفع العرض والطلب أو توقعات السوق من عائد السند بيعاً أو شراءً، إضافة ما يتحقق له من مردود من سعر فائدته.
وعندما يحدد "الاحتياطي الفيدرالي" موقفه تجاه السندات، فإنه يعبر عن الأمر بـ "معدل الفائدة" Interest Rate المستهدف، والذي يبقى ثابتاً طوال حياته. بينما تستخدم الأسواق مصطلح "العائد"/Yield، وهو إجمالي الربح الفعلي الذي سيحصل عليه المستثمر إذا اشترى السند بسعره الحالي في السوق واحتفظ به حتى تاريخ الاستحقاق.
ويتغير "العائد" بشكل يومي وعكسي مع سعر السند في السوق بناءً على قرارات "الفيدرالي" والطلب والعرض. وهكذا يحدد "الفيدرالي" سعر الفائدة الأساسي للاقتراض قصير الأجل. وهذا القرار هو ما يدفع "عائد" سندات الخزانة في السوق للارتفاع أو الانخفاض.
الحالة الحرجة ونقطة الخطر
عندما تبلغ أسعار الفائدة على السندات الطويلة الأجل 5%، فإن البنوك سترفع أسعار فائدتها (1.5 - 3%) نقطة فوق ذلك، ما يقود إلى صعوبات توفير الائتمان والسيولات المطلوبة. وهو ما يقود إلى ارتفاع تكاليف الدين ما يدفع بالمقترضين (شركات وأفراداً) إلى التخلف عن السداد. وهو ما سيقود في النهاية إل الانتقال من الانكماش الاقتصادي (انخفاض الناتج الإجمالي لفصل أو فصلين Recession) إلى احتمالات الكساد الاقتصادي الشامل (انهيار وانخفاض الناتج لسنوات Depression).
فالخلاصة أن المستثمر العادي سيرى أن الوصول إلى 5% كسعر فائدة على السند الطويل الأجل، ليس حكماً بالانهيار فوراً، لكنه إنذار أحمر. يعني أن السوق تتوقع صعوبات اقتصادية خطيرة. وسيراقب المحللون:
- استمرار ارتفاع العوائد والأسعار أم استقرارها؟
- تصريحات الاحتياطي الفيدرالي، والبنوك المركزية الأخرى
- معدلات البطالة والتضخم الأساس.
ما يلاحظه المحللون:
- إذا ارتفع العائد بسرعة كبيرة (مثل زيادة 0.5% في أسبوع) سيحدث ذعر في الأسهم، لأن السوق لم يحدد سعر المخاطرة الجديد بعد.
- إذا تجاوز العائد حاجزاً نفسياً (5% مثلاً) مع استمرار التضخم، فهذا يعني أن البنك المركزي سيضطر لرفع الفائدة أكثر، ما يزيد الضغط على الأسهم.
خلاصة: عندما يرتفع عائد سندات الـ10 سنوات بشكل ملحوظ، فإن السوق بشكل عام يتحول من شراء الأسهم ("وضع المخاطرة" لأن الشركات تربح وتخسر، لكنها تحرك النمو الاقتصادي) إلى شراء السندات ("وضع الأمان" لأن السندات ديون حكومية مضمونة الفوائد لكنها –عموماً- استهلاكية). وتكون أسهم التكنولوجيا الأكثر تضرراً لأنها طويلة الأجل، وتكون القطاعات الدفاعية والرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الأساسية أقل تأثراً نسبياً.
2- الوضع الراهن لسندات الخزينة الطويلة الأجل وتأثيرها على مجمل النشاط الاقتصادي
إجمالي حجم الدين العام الأميركي يبلغ حوالى 39 تريليون دولار، حيث تشكل السندات الحكومية القابلة للتداول الجزء الأكبر منها بقيمة تتجاوز 31 تريليون دولار. وتمثل هذه السندات ما نسبته 100% إلى 125% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، والذي يبلغ قرابة 29-31 تريليون دولار. وهذه السندات، تصدرها وزارة الخزانة الأميركية:
أ- أنواع السندات الأميركية: تصدر وزارة الخزانة الأميركية أنواعاً مختلفة من السندات ويتحدد العائد عليها على قوى العرض والطلب في السوق ضمن مزادات علنية على الجمهور والمؤسسات المالية والحكومات الأجنبية. وبعد الإصدار الأولي، تتداول البنوك والمستثمرون هذه السندات في السوق الثانوية. وتتقلب أسعارها وعوائدها صعوداً وهبوطاً بشكل يومي بناءً على حركة البيع والشراء. إلا أن هذا العائد يتأثر بشكل مباشر بأسعار الفائدة التي يحددها البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي) وتنقسم حيازتها إلى شقين:
- السندات المملوكة للجمهور وهي السندات التي يمتلكها المستثمرون الأفراد والمؤسسات والحكومات الأجنبية وتبلغ قيمتها حوالى 31.2 تريليون دولار.
- حيازات الحكومة الفيدرالية وهي السندات المحتفظ بها داخل حسابات الحكومة الأميركية نفسها وصناديقها الائتمانية مثل صناديق الضمان الاجتماعي، وتبلغ حوالى 7.6 تريليونات دولار.
ب- نسبة السندات إلى الناتج المحلي الإجمالي:
- نسبة الدين العام الإجمالي (السندات) للناتج المحلي تتجاوز 134%
- نسبة السندات المملوكة للجمهور للناتج المحلي بلغت مؤخراً أكثر من 100% إلى 103%. وفي ألمانيا مثلاً تبلغ 60% تقريباً، وفي مصر بحدود 80%، وفي الهند 81%. وتعد النسبة في الولايات المتحدة قياسية حيث لم يسبق أن تجاوزت حجم الاقتصاد الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية.
ت- من يمتلك هذه السندات: تتوزع استثمارات الديون والسندات الأميركية القابلة للتداول بين جهات محلية وأجنبية:
- المستثمرون المحليون: يمتلكون الحصة الأكبر وتشمل الأفراد، صناديق التقاعد، البنوك الأميركية، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي.
- المستثمرون الأجانب: يمتلكون نحو (7.4- 9) تريليونات دولار. وتتصدر اليابان وتليها المملكة المتحدة ثم الصين.
الاتجاه الحالي لسندات الخزانة الأميركية
وعليه فإن الاتجاه الحالي للسندات الطويلة الأجل لـ10 سنوات يميل إلى الصعود. إذ كان سعر الفائدة (العائد) 0.55%، في آب/أغسطس 2020. وارتفع إلى 4.2% في بداية 2026. وإلى 4.61% في ل18 من أيار/مايو 2026. وسبب ذلك، المخاوف من ارتفاع التضخم وتوقعات السوق بأن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وأن تأثير الارتفاع على سهولة الاقتراض سلبي ومباشر. خصوصاً على الشركات، والحكومات، والمؤسسات المالية والقروض الخدمية والعقارية والفردية.
- ارتفاع تكاليف الاقتراض: إذ تتحمل الحكومات والشركات تكاليف تمويل لموازناتها، ما يهدد استثماراتها وتوسعها وتنافسيتها.
- يواجه الأفراد فائدة أكبر على القروض الفردية والرهون العقارية والخدمية: إذ ترتبط أسعار الفائدة لهذه القروض (خاصة لأجل 30 عاماً، وبالذات العقارية المتعلقة بقطاع واسع من الاستثمارات والعمالة) بعوائد السندات لأجل 10 سنوات، ما يعني أن ارتفاع عوائد السندات يدفع فائدة الرهون العقارية للارتفاع (سنشرح ذلك لاحقاً).
- تأثير غير مباشر على السياسة النقدية: فارتفاع العوائد قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي مرتفعاً لتجنب التأثيرات التضخمية، ما يزيد من صعوبة الاقتراض بشكل عام.
حقائق عن هيكلية الاقتصاد الأميركي
أ- قطاع الخدمات: يعد المساهم الأكبر بحصة تتجاوز 76% من الناتج المحلي الإجمالي. ويشمل القطاع المالي، التأمين، العقارات، التكنولوجيا والمعلومات.
ب- قطاع إنتاج السلع ويسهم بنسبة تقارب 18% وتشمل الصناعة التحويلية، التعدين، التشييد والبناء.
ت- قطاع الزراعة ويمثل حصة صغيرة جداً تبلغ حوالى 1.2% من إجمالي الناتج.
طبيعة الشركات الأميركية
أ- الشركات الصغيرة والمتوسطة: تشكل نسبة 99.9% من إجمالي الشركات الأميركية وتسهم بنحو 43.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
ب- الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية: على الرغم من أن نسبتها تمثل أقل من 0.1% من إجمالي عدد الشركات، إلا أن حصتها من إجمالي المبيعات والناتج المالي الضخم تفوق 50%.
كما تضم الولايات المتحدة مقراً رئيسياً لنحو ثلث إجمالي الشركات متعددة الجنسيات عالمياً. وهذه بعضها:
· إنفيديا رائدة صناعة الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
· آبل، وألفابت (Alphabet – Google) في صناعة الإلكترونيات والبرمجيات. ومايكروسوفت، رائدة أنظمة التشغيل وبرمجيات المؤسسات والحوسبة السحابية، وميتا، (Meta, Facebook) الشركة الأم لأكبر منصات التواصل الاجتماعي.
· أمازون، أضخم شركة للتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية.
· تسلا، الشركة الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية وتقنيات الطاقة النظيفة.
· جيه بي مورجان تشيس، وأميريكان اكسبريس، وبلاك روك، في الخدمات المالية والمصرفية.
· اكسون مومبيل، وشيفرون، في الطاقة والنفط.
· جونسون آند جونسون، وفايزر، في الرعاية الصحية والأدوية.
· كوكا كولا وماكدونالدز، في السلع الاستهلاكية والأغذية.
· جنرال موتورز وبوينغ. في الصناعة والسيارات والطيران.
3- التأتيرات المتبادلة بين سندات الخزينة وأسهم الشركات
أ- حقائق تأثير ارتفاع سعر فائدة السند على أسواق أسهم الشركات.
الحقيقة الأولى: تكلفة الاقتراض (أثر مباشر على أرباح الشركات): الشركات الكبرى تقترض أيضاً عبر إصدار سنداتها الخاصة. وتسمى سندات الشركات أو سندات القرض. وتستخدم كأداة مالية للاقتراض المباشر من المستثمرين. وتعمل "كصكوك دين" تلزم الشركة بسداد قيمة السند عند تاريخ محدد مع دفع فوائد دورية. وعادة ما يكون سعر الفائدة على سندات الشركات = عائد سندات الحكومة لأجل 10 سنوات + علاوة مخاطرة حسب تصنيف الشركة.
وعندما يرتفع عائد السندات الحكومية من 3% إلى 5% فإن المقام في معادلة التقييم يصبح أكبر. كل شيء آخر ثابت فإن سندات الشركة ترتفع من 5% مثلاً إلى 7% أو أكثر. والنتيجة تزيد تكلفة خدمة الديون القائمة، وتصبح إصدارات الديون الجديدة لتمويل التوسع أو إعادة الشراء مكلفة جداً. فتنخفض أرباح الشركات بعد سداد الفوائد، وبالتالي ينخفض سعر السهم.
الحقيقة الثانية: التقييم (نموذج خصم التدفقات النقدية Discounted Cash Flow): وهو طريقة تقييم مالي تُستخدم لتحديد القيمة الحالية لشركة أو أصل استثماري بناء على ما يُتوقع أن يدرّه من أموال في المستقبل. فسعر السهم هو القيمة الحالية لجميع أرباحه المستقبلية المتوقعة. وأن عامل الخصم الأساسي هو "معدل خالٍ من الخطورة" + علاوة مخاطرة. وعادة ما يُستخدم عائد سندات الخزينة لـ 10 سنوات كبديل للمعدل الحالي من المخاطرة.
- عندما يرتفع عائد سندات الخزينة من 3% إلى 5% فإن المقام Denominator، وهو الرقم في أسفل معادلة التقييم يصبح أكبر. وعندما يكون كل شيء آخر ثابتاً، فإن قيمة السهم تنخفض حسابياً.
- تأثير غير خطي: الأسهم ذات النمو المرتفع (مثل شركات التكنولوجيا) تتأثر أكثر. لأن معظم أرباحها متوقعة في المستقبل البعيد. وخصمها بمعدل أعلى يقلص قيمتها الحالية بشدة. بينما الأسهم التي توزع أرباحاً حالية تتأثر أقل.
الحقيقة الثالثة: المنافسة على السيولة تحدد اختيار الأصول: فالمؤسسات المستثمرة (صندوق تقاعد، شركة تأمين، صندوق سيادة) تستثمر أموالها في الأسهم أو السندات بناءً على العائد النسبي لكل منهما.
- فعندما يصبح عائد السندات الحكومية 5% بأمان شبه كامل، فإن العديد من المستثمرين يبيعون الأسهم ويشترون السندات. وهذا يضغط على أسعار الأسهم للهبوط ويقود إلى انكماش اقتصادي.
- ويُعرف ذلك بـ There is no Alternative, TINA فعندما كانت السندات تغطي 1-2% كان المستثمر مجبراً على شراء الأسهم. لكن مع 5%، سيفضل المستثمرون البدائل الآمنة الجذابة.
بعض الاستنتاجات على سوق الشركات:
- الأسهم المالية (البنوك): قد تستفيد نسبياً من ارتفاع العوائد الطويلة لأنها تقترض قصيراً وتقرض طويلاً، لكن هذا يتوقف على شكل منحنى العائد. فتستفيد، إذا كان منحنياً موجباً. لكن إذا كان انعكاساً (عوائد قصيرة أعلى من طويلة) تعاني البنوك بشدة.
- الأسهم العقارية: تتأثر سلباً جداً لأنها تعتمد على الديون لتمويل شراء العقارات، وارتفاع العوائد يخفّض قيمة أصولها ويزيد كلفة تمويلها.
- الأسهم المرتفعة النمو (تكنولوجيا، طاقة متجددة): تعاني أكثر من غيرها، لأن تقييمها يعتمد على أرباح بعيدة المدى. وفي عام 2022 عندما قفز عائد سندات 10 سنوات من 1.5% إلى 4% هبط مؤشر ناسداك (التكنولوجيا) بأكثر من 30% بينما هبط مؤشر داو جونز الصناعي بحوالى 10-15%.
ب- تأثير ارتفاع سعر الفائدة على الأنشطة العقارية والخدمية
العلاقة بين سندات الـ10 سنوات والديون الخدمية الطويلةن خصوصاً الرهون العقارية وقطاع الخدمات والقطاعات الاستهلاكية، مباشرة ووثيقة. وهي تشرح لماذا ارتفاع عائد السندات يؤلم المواطن العادي.
الآلية باختصار شديد: سعر الفائدة على الرهن العقاري طويل الأجل (مثلاً 30 سنة في أميركا) لا تحدده قرارات البنك المركزي المباشرة (مثل سعر الفائدة لليلة واحدة)، بل يحدده سوق السندات، وتحديداً عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات. والسبب هو:
- أن متوسط العمر الفعلي للقرض العقاري أقل من مدته القانونية، لأن الناس إما يبيعون المنزل أو يعيدون التمويل كل 7-10 سنوات في المتوسط.
- تحتاج البنوك وصناديق الرهن العقاري إلى "معيار تسعير" يغطي هذه الفترة الزمنية، وسندات الحكومة لأجل 10 سنوات هو أكثر المعايير سيولة وأماناً. فإذا كان عائد السندات الحكومية الطويلة 4.57% من دون أي مجهود، فلن يقرضك البنك بفائدة 5% فقط. بل سيطلب علاوة كافية مثلاً (6.5%-7%) ليجعله يفضل المجازفة بإقراضك بدلاً من الشراء الآمن للسندات.
كيف يعمل التسعير؟
عندما تطلب قرضاً عقارياً من البنك فإنه يحسب التالي: فائدة الرهن العقاري = عائد سندات 10 سنوات الحكومية + فارق السعر الذي يعوض البنك عن مخاطر عدم السداد، وتكاليف الإدارة، وهامش الربح. والذي يراوح عادة بين 1.5% إلى 2.5% حسب جودة الائتمان للمقترض.
مثال عملي:
- إذا كان عائد سندات 10 سنوات = 3%، فإن فائدة الرهن قد تكون 4.5% (سهلة نسبياً)
- إذا ارتفع عائد سندات 10 سنوات إلى 4.57%، فإن فائدة الرهن تصبح حوالى 6.2% - 6.8% (صعبة ومكلفة).
فالبنك لا يستيطع تجاهل عائد السندات. لأن البنك نفسه لديه خياران بديلان لأمواله: أن يقرضك أنت لشراء منزل (مخاطر أعلى)، أو أن يشتري سندات حكومية لأجل 10 سنوات (مخاطرة صفر تقريباً). وبالتالي لن يقرضك البنك.
التأثير على الاقتصاد والمستهلك
- كل ارتفاع بمقدار 1% في عائد سندات 10 سنوات يترجم إلى ارتفاع مماثل تقريباً في فوائد الرهن العقاري بعد بضعة أسابيع.
- هذا يعني أن القدرة الشرائية للباحثين عن منزل تنخفض. فالشخص الذي كان مؤهلاً لقرض بقيمة 300000 دولار عندما كانت الفائدة 4.5%، قد يصبح مؤهلاً فقط لـ 240000 دولار عندما تصبح الفائدة 6.5%.
- يؤدي ذلك إلى انخفاض مبيعات المنازل، وهبوط الأسعار في النهاية. وتراجع قطاع البناء والتشييد الذي يوظف ملايين العمال.
خلاصة: لهذا تُعتبر سندات الـ10 سنوات وتقلّبات عوائدها على أنها المحرّك الخفي (صعوداً أو هبوطاً) للاقتصاد، وتأثير ذلك على حياة المواطنين، ليس في الولايات المتحدة فقط، بل في العالم أجمع، لارتباط الاقتصاديات بنسب مختلفة بالاقتصاد الأقوى، أي الاقتصاد الأميركي.
4- اختلاف النظرة الرأسمالية النيوليبرالية الراهنة عن النظرة التقليدية الكينزية
من منطق "كينزي" -وهو ما وسم الاقتصاديات الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية- كان الانفاق يمثل محركاً أساسياً للاستثمار. وكان الادخار سيتحول بالضرورة إلى استثمار. وعليه فإن اللجوء إلى سندات الخزينة الطويلة الأمد كان سيعني -حسب المنطق "الكينزي"- زيادة الاستثمارات، وليس كما يحصل الآن من انكماش واحتمالات ركود طويل الأمد. وسبب هذا الالتباس هو الخلط بين آليات مختلفة تماماً:
أ- قلنا بداية البحث (النقاط التمهيدية) أن في الاقتصاد الكلاسيكي، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، كان محور الاقتصاد الرأسمالي للاستثمار والنمو هو المدخرات وعالم الأسهم المرتبطة مباشرة بالاستثمارات. بينما محور الاقتصاد الرأسمالي اليوم هو عالم السندات المرتبط مباشرة بالديون وتقلّب أرقام البورصات التي لا تقابلها أصول حقيقية. فكانت المديونية تعتبر ثلمة في الاقتصاديات، بينما هي اليوم مدعاة فخر بأن المؤسسة على درجة من المتانة والقوة بحيث تمنحها المؤسسات المالية القروض. لهذا يتجاوز إجمالي الدين العالمي (الديون العامة والخاصة مجتمعة) حالياً حاجز 250 تريليون دولار، منها حوالى 100 تريليون دولار تمثل ديوناً عامة (ديون حكومات). بالمقابل، يمثل سوق الأسهم العالمي الحالي حوالى 137-152 تريليون دولار. ويختلف الرقم حسب المؤسسات التي تقيسه. بالمقابل يبلغ الناتج المحلي الإجمالي العالمي World GDP لجميع بلدان العالم مجتمعة حوالى 110 تريليون دولار أميركي. أي ما يمثل القيمة السوقية الإجمالية لكافة السلع والخدمات النهائية التي يتم إنتاجها على مستوى العالم في عام واحد. فليتخيل القارئ الكريم التحول العظيم الذي أصاب الاقتصاد الرأسمالي وابتعاده عن الواقع وتوجهه نحو الوهم والرقمية والأدوات القسرية، بعيداً عن الديناميكيات الحيوية والأصول الحقيقية.
ب- ارتفاع سعر الفائدة على السندات الطويلة سيعني التخلي عن الأسهم التي هي دليل النشاط، وتحمل مخاطرة الربح والخسارة الضابطة للسلوك الرصين الواقعي. فإن أُحسن القرار فالفائدة المرجوة، وإن أُسيء القرار فالضرر المحدود والمطوق. وأن التوجه نحو السندات كدليل للأمان، والثقة بوعود ومبانٍ تراجعت مرتكزاتها، وقد تخذلها الوقائع، وينهار البنيان بأكمله.
- عندما يهرب المستثمرون إلى الملاذ الآمن، أي شراء السندات (خوفاً من انهيار الأسهم مثلاً) فإن ذلك سيرفع أسعار السندات ويخفض عائدها (العلاقة عكسية).
- إذا كان العائد يرتفع إلى 5%، فهذا يعني أن الأسعار تهبط، أي إن المستثمرين يبيعون السندات. وغالباً ما يكون البيع بسبب توقعات بارتفاع التضخم أو رفع الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي، وليس بسبب البحث عن أمان.
- إذاً: ارتفاع العائد = انخفاض سعر السند = بيعه = عكس الملاذ الآمن. فالملاذ الآمن يخفض العائد.
ت- العائد المرتفع لا يحفز الاستثمارات الطويلة، بل يثبطها بشدة. وتفكير البعض بأن الادخار في السندات يوفر أموالاً يمكن استثمارها في الاقتصاد -وفق النظرية الكينزية- بأن الادخار يساوي الاستثمار، هو تفكير قد ينسجم مع اقتصاد كلاسيكي قديم، وليس الاقتصاد المعاصر القائم على الديون:
- الشركات تقترض عبر إصدار سنداتها الخاصة. عندما يكون عائد السندات الحكومية 5%، فإن عائد سندات الشركات يجب أن يكون أعلى. هذا يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات، فتؤجل بناء المصانع والتوظيف.
- المستهلكون يرون أن فائدة الرهن العقاري والقروض الشخصية (لشراء السيارة أو لتجديد المنزل أو لأي مشروع آخر) أصبحت مرتفعة جداً (لأنها مرتبطة بسندات 10 سنوات)، فيقل شراء المنازل والسيارات والتفكير بمشاريع لتحسين مستويات الحياة وقضاء العطل، ما يقلل الطلب على العمالة، والنتجية: ارتفاع العائد يخفض الاستثمار الخاص والتوظيف، وليس العكس.
ث- وسيحصل العكس، إذ سترتفع البطالة ويزداد التضخم:
- عندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الفائدة لخفض التضخم، فإنه يزيد البطالة وهذه سياسة متعمدة لخفض النفقات، والتي من المفترض أن تكون مؤقتة. فالعلاقة في الأجل القصير ستكون كالآتي: تضخم مرتفع يقود إلى رفع الفائدة، وهذا يقود إلى بطالة أعلى وإنفاق أقل، ثم تضخم أقل. لكن هذه الدورة القصيرة التي كان يتبعها الاقتصاد، إذا ما طالت -كما هي اليوم- فإنها ستعبّر عن أزمة بنيانية عميقة. وهو ما أشرنا إليه في البداية بأن الاقتصاد لا يسيطر على نفقاته التي تتجاوز باستمرار موارده، فيضطر للاقتراض المستدام، ولأعمال النهب العلنية والخفية.
- ارتفاع عوائد السندات الطويلة هو انعكاس لسياسة الاحتياطي الفيدرالي المتوقعة. أي إن السوق يتوقع أن البنك المركزي (الفيدرالي) سيرفع الفائدة بشكل أكبر، ما يسبب ركوداً وارتفاعاً في البطالة لاحقاً.
ج- في النموذج الكلاسيكي (الكينزي) كان ارتفاع العائد يقود إلى تشجيع الادخار، والذي يقود بدوره إلى تمويل استثمارات طويلة، وبالتالي إلى نمو الاقتصاد لأن الادخار (وليس الديون) كان هو المصدر (الأساس) للاستثمار. لكن في الاقتصاد الرأسمالي النيوليبرالي الحديث:
- الادخار في السندات الحكومية لا يذهب مباشرة للاستثمار الخاص، بل يذهب لتمويل عجز الحكومة، الذي يذهب عموماً لاستهلاك جارٍ، لا لاستثمار منتج.
- الاستثمار الخاص يعتمد على تكلفة الاقتراض، فاذا ارتفعت، يقل الاستثمار.
- البنك المركزي (الاحتياط الفيدرالي) يتحكم في أسعار الفائدة القصيرة. ويعكس منحنى العائد الطويل توقعات الركود أو التضخم. لهذا سيبقى المقياس الأكثر متابعة هو الفرق بين سندات الـ2 سنة، وسندات الـ10 سنوات.
5- الحبل السري لارتباط الاقتصاديات المالية والنقدية العالمية بالأم الأميركية
أ- يحتل الناتج المحلي الإجمالي الأميركي المركز الأول عالمياً بقوة اقتصادية تتجاوز 31 تريليون دولار، حيث تشكل وحدها ما يقرب من ربع الاقتصاد العالمي. الاقتصاد الأميركي هو "المحرك" وليس مجرد "متغير". وأسواق أسهمها تساوي 50-60% من القيمة السوقية العالمية لإجمالي الأسهم. ويتم تداول الدولار في 88% من معاملات الصرف. وكمثال تعتبر القرارات المحلية في تركيا أو الهند أو غيرهما من البلدان، مكيفات للأثر الخارجي، وليست جدراناً عازلة.
- التكنولوجيا وقطاع الخدمات: تستحوذ الشركات الأميركية على حصة الأسد في الثورة الرقمية، الذكاء الاصطناعي، الحوسبة السحابية، قطاع الترفيه العالمي.
- الأسواق المالية والاستثمار: تعتبر وول ستريت المركز المالي الأهم في العالم. وتستقطب الولايات المتحدة الجزء الHكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة عالمياً.
- الدولار كعملة عالمية: يُستخدم الدولار في تسوية غالبية المعاملات التجارية الدولية. وتشكل الأصول المقومة به أكثر من نصف الاحتياطيات الأجنبية للبنوك المركزية حول العالم.
ب- رغم التراجع التاريخي والبنيوي، ما زال الاقتصاد الأميركي في المركز الأول كأكبر اقتصاد في العالم. فهو يمثل حوالى 26% من الناتج الإجمالي العالمي، ويهيمن على نصف سوق الأسهم العالمي بقيمة 75 تريليون دولار، ويعد أكبر مستورد للسلع، وثالث أكبر مصدر عالمي. وتتجاوز قيمة تجارته الخارجية السنوية حاجز الـ 4.5 ترليون دولار. أما الدولار، فبعد أن كان يسيطر على 70.5% في عام 2000 من الاحتياطيات الأجنبية لدى البنوك المركزية العالمية، ما زال يسيطر على 56.92% في الربع الثالث من عام 2025، أو 7.41 تريليون دولار حسب بيانات صندوق النقد الدولي.
ت- سندات الخزينة، هي المعيار الاقتصادي بلا منازع لحركة الأسواق والأسهم في الاقتصاد الأميركي.
ث- أسواق الأسهم العالمية ترتبط فعلياً بالسوق الأميركية.
ج- قرارات الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) ووزارة الخزانة يختلفان لكنهما أصحاب بيت واحد. وتؤثر قراراتهما على أسعار الفائدة وسعر الدولار والسيولة العالمية. وهذا يترجم إلى تأثير على قدرة كل دولة على الاقتراض والاستثمار.
ح- الديون الأميركية كسلاح هيمنة: الدين الضخم (يقترب من 40 تريليوناً) هو من أهم أدوات ضبط العالم مالياً ونقدياً، بالولايات المتحدة، وأن من يملك أقساماً مهمة من هذا الدين هي صناديق التقاعد اليابانية، البنك المركزي الصيني، صناديق الثروة السيادية الخليجية، البنوك الأوروبية وغيرها. هؤلاء ليسوا دائنين بل رهائن أيضاً. فهؤلاء يدركون أن انهيار السندات الأميركية يعني انهيار مدخراتهم. لذلك يواصلون شراءها والسعي لعدم انهيارها، ما يخلق طلباً دائماً يسمح للحكومة الأميركية بالاقتراض بأسعار فائدة أقل مما تستحق. وهذه دائرة مفرغة للآخرين. وهي أيضاً محرّك دائم لأميركا.
خ- القوة العسكرية والشرطية كداعم أخير: النظام الاقتصادي لا يقوم على الأسواق فقط. فخلف كل سند دولاري حاملتا طائرات أميركيتان في الخليج، وقواعد عسكرية في أوروبا وآسيا. ونظام "سويفت" المالي الخاضع للعقوبات الأميركية. قدرة أميركا على قطع أي دولة عن النظام المالي العالمي (كما فعلت مع روسيا جزئياً وإيران كلياً) هي تجسيد مادي "لـ"الدين" و"الشرطي" وهذا لا تملكه الصين ولا الهند أو روسيا، أو غيرها.
د- بالطبع سيكون هناك اختلاف في حجم المساحة المتاحة للحركة في مختلف الاقتصاديات الوطنية. لكن ذلك لا يمس بجوهر وجود الهيمنة الأميركية. فالبرازيل –مثلاً- في 2024 خفضت الفائدة وشهدت تدفقات رأسمالية موجبة، لأن لديها فوائض تجارية ضخمة مع الصين واحتياطيات كبيرة. واستطاعت الهند جذب استثمارات أجنبية مباشرة بنسبة 3.5% من ناتجها المحلي رغم تشديد "الفيدرالي الأميركي"، لأن الشركات متعددة الجنسيات تريد بديلاً للصين.
ورفعت دول الخليج الفائدة تماهياً مع الولايات المتحدة، لكنها لم تعانِ من أزمة سيولة بفضل صناديقها الثرية وسعر النفط. هذه حالات جانبية، لكنها تثبت أن القرارات المحلية يمكن أن تنشئ مناطق عازلة مؤقتة، من شأنها أن تقود عندما تتسع إلى مناطق مستقلة ومؤثرة.
ذ- الدين العام الأميركي لا يمكنه الاستمرار بعملية الابتزاز الراهنة. وإن وصول الدين العام الأميركي إلى الحافات الخطرة، وتراجع مكانة الدولار، وغرق الاقتصاد الأميركي في قطاع الخدمات على حساب القطاعات الإنتاجية الحقيقية، وتباطؤ معدلات النمو أمام معدلات عالمية أخرى صاعدة، وتآكل البنى التحتية للاقتصاد الأميركي، وضخامة النفقات، ستقود في لحظة معينة إلى إنهيار بنياني كبير، أو ما يُعبّر عنه بـ"القشة التي تقصم ظهر البعير". وهذا أمر باتت تتلمسه الاقتصاديات كافة. وبدأت بأخذ حذرها، وتبني سياسات لحماية اقتصادياتها، ما سيقلّص من حصة الولايات المتحدة في الكعكة الاقتصادية العالمية، ويقود بدوره إلى تراجع في الاقتصاد الوطني، وبالتالي في مركز الولايات المتحدة العالمي.
ر- ويقيناً هناك اقتصاديات كالصين مثلاً، حررت جزءاً عظيماً من اقتصادها. كما سارت دول أخرى كروسيا وإيران وغيرهما في مسارات مشابهة، وإن كان في مساحات أقل. فالبلدان تسعى بدرجات مختلفة للتخلص من قيود المديونية والهيمنة على اقتصادياتها. وتتجه لبناء اقتصاديات مستدامة وسليمة تقوم على مرتكزات موضوعية وذاتية وحقيقية، وليس على المرتكزات الوهمية التي يستند إليها الاقتصاد المهيمن اليوم.
في الختام: يمثل الاقتصاد الأميركي –في هذه المرحلة- مركز جاذبية تدور في فلكه الكثير من الكواكب. فإن حاول بعضها أن يخرج عن المدار، فهناك العقوبات والحصار والشيطنة، إلخ. والدين الأميركي ليس مجرد نقطة ضعف، بل هو أيضاً الحبل الذي يربط الكثير من الماليات والاقتصاديات العالمية إلى عنق أميركا. والنظام الرأسمالي العالمي لا يزال أحادي القطب وظيفياً. ويشهد تحولات بطيئة على صعيد بناه الفوقية، بينما تتراجع بناه التحتية بخطوط بيانية واضحة، مؤكدة انهيار القطبية الأحادية ونظام الهيمنة، وقيام الأقطاب المتعددة، والحقوق الندّية المتكافئة.