صور الإعلام الحربي تهزّ "إسرائيل".. ماذا يحدث؟

بينما يواصل الاحتلال استعراض مشاهد التدمير، تُظهر تسجيلات المقاومة استمرار قدرتها على الاستهداف والمبادرة.. كيف نجح حزب الله في تحويل الإعلام الحربي إلى سلاح موازٍ للميدان؟

0:00
  • بالصورة والدليل: حزب الله يُسقط الرواية الإسرائيلية.
    بالصورة والدليل: حزب الله يُسقط الرواية الإسرائيلية.

انتصرت المقاومة الإسلامية في حرب الرواية والسردية أمام جمهورها، وحتى أمام جمهور العدو، إذ أثبتت أغلب بياناتها بالصورة، لتكون دليلاً على كذب العدو وإخفاقه في إخفاء خسائره المادية والبشرية. حتى وصل الأمر إلى استشهاد إعلام العدو بالمواد التي تنشرها المقاومة، لمحاججة قادة الكيان بكذبهم وإخفاقهم.

لعلّ أبرز نجاحات المقاومة الإسلامية في حرب الصورة والرواية يتمثّل في تهشيم الصورة التي أراد العدو أن يجعلها إنجازاً له أمام جمهوره، حيث عمد إلى نشر صور لآلياته وجنوده عند إحدى ضفاف نهر الليطاني، في محاولةٍ عبثية للتمركز فيها والسيطرة على المنطقة ضمن عمليات كرّ وفرّ، ولكن من دون جدوى.

وقد تحوّلت هذه الضفاف إلى مستنقع أعاد كوابيس الماضي إلى من كان يوماً في لبنان من جنرالات العدو، حيث تستنزفه مُحلّقات المقاومة ومدفعيتها يومياً، وتُوقع في صفوف قواته خسائر فادحة.

وما هذه الصور التي نشرها العدو إلا محاولة لإثبات أنه بات قريباً من تحقيق هدف أعلنه قادته، وهو الوصول إلى الليطاني والسيطرة على منطقة جنوب النهر. وقد جاء هذا الهدف في سياق ما يصفه ببسط الأمن والأمان عند الحدود اللبنانية الفلسطينية ومستوطنات الحافة. لكن بصورة واحدة، تمكّنت المقاومة من تهشيم هذا الهدف، حيث عرضت توثيقات لعمليات حديثة استهدفت مواقع العدو عند الحدود اللبنانية، بأسرابٍ من المُحلّقات الانقضاضية، استهدفت آليات وجنوداً وتجهيزات.

وأثبتت هذه الصور مقولة الصهاينة بأنّ جنودهم كالبط في ساحة الرماية، فتراهم يفرّون أمام مُحلّقات المقاومة ولكن من دون جدوى، فهدف المُحلّقة لم يخبْ وحقّق مبتغاه. فيما يتباهى العدو بصور التدمير واستعراض تفجير المنازل والأبنية، ولكنه يعجز عن مواجهة مُحلّقة تقتل له جنوداً وتعطب له آليات.

عندما بدأت الحرب، تغنّت "إسرائيل" بأنّ حزب الله انتهى، وظهر لنا نتنياهو عشرات المرات ليخبرنا أنّ قدرات الحزب العسكرية لن تعود للعمل قريباً، في المقابل، أكّدت المقاومة الإسلامية اليوم انكفاء القوات الإسرائيلية فجراً من حداثا باتجاه بلدة رشاف، بعد مواجهة بطولية خاضها مجاهدوها مع قوات الاحتلال منذ أيام. وأقرّ "جيش" الاحتلال اليوم أيضاً، بأنّ قائد اللواء "401" المدرّع أُصيب بجروح خطرة، بالتوازي مع إصابة ضابط مقاتل وجندي من قوات الاحتياط بجراح، وذلك من جرّاء انفجار مُحلّقة مفخخة في جنوب لبنان.

كذلك بثّ الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية قبل أيام، مشاهد لعملية تنكيس علم الاحتلال الإسرائيلي فوق مقرّ اللواء 226 في بلدة البياضة جنوبي لبنان، بعد سلسلة استهدافات للموقع أدّت إلى إخلائه. عدا عن جملة الاستهدافات التي ينشرها الحزب كلّ يوم، وليس آخرها تدمير قبّتين حديديتين واستهداف تجمّعات الاحتلال أينما وُجدت.

هذا السرد اليومي للمقاومة، مع التوثيق بالصور غالباً، شكّل سلاحاً جديداً يدحض كلّ سرديات العدو التي تقول إنّ المقاومة انتهت، فالوقائع الميدانية تُظهر صورة مختلفة تماماً. فالمقاومة، رغم حجم العدوان والاغتيالات والاستهداف المكثّف للبنية العسكرية واللوجستية، ما زالت تحتفظ بقدرتها على المبادرة والمناورة وإيلام العدو. والأهمّ أنها نجحت في تحويل الإعلام الحربي إلى جزء أساسي من المعركة، ووسيلة توثيق ميداني تُسقط الرواية الإسرائيلية لحظة بلحظة.

فكلّ مشهد يُبثّ لعملية نوعية، أو لاستهداف موقع عسكري، أو لتراجع قوات الاحتلال تحت النار، يحمل في طيّاته رسالة مزدوجة: أوّلاً إلى الجمهور الإسرائيلي الذي وُعد بـ"حسم سريع" لم يتحقّق، وثانياً إلى البيئة الحاضنة للمقاومة بأنّ زمام المبادرة لم يُنتزع كما حاولت "إسرائيل" الإيحاء منذ الأيام الأولى للحرب.

ولعلّ أكثر ما يُربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية اليوم هو قدرة حزب الله على الحفاظ على وتيرة الاشتباك وإنتاج مشاهد ميدانية دقيقة رغم كلّ محاولات العزل والاستهداف. وهذا بحدّ ذاته يعكس أنّ بنية المقاومة لم تنهَر، وأنّ الحديث الإسرائيلي المتكرّر عن "القضاء على قدرات الحزب" لم يكن سوى جزء من حرب نفسية سبقت نتائج الميدان.

"إسرائيل" لم تنجح في فرض روايتها، وتجد نفسها اليوم أمام مقاومة لا تزال قادرة على القتال، والتوثيق، والتأثير في آن واحد.

ورد في كتاب القوة الناعمة أنّ "المنتصر والقوي في الحرب هو من تفوز روايته للأحداث". وبناءً لهذه المقولة، ومع جولة على شاشات التلفزة، ومقالات كبار المحللين العسكريين، وصولاً إلى ما يُكتب ويُقال في كبريات وسائل الإعلام الصهيونية، فإنّ المقاومة الإسلامية في لبنان أثبتت، من خلال صدق روايتها المدعومة بالمشهدية، أنها المنتصر والقوي في هذه الحرب.