سيد البحار لا يحكم قبضته على المضائق
مضيقا هرمز وباب المندب تحولا إلى أدوات ردعٍ استراتيجية، وتراجعُ قدرة القوة البحرية الأميركية على فرض هيمنتها، وصعودُ فاعلين أصغر إلى التأثير في حركة التجارة وموازين القوة العالمية.
-
سيد البحار لا يحكم قبضته على المضائق
في مطلع عام 2024، غيّرت ناقلات نفط وسفن شحن عملاقة مساراتها فجأة، مضيفة إلى رحلاتها ما يزيد على 4000 كيلومتر، هربا من ممرّ مائي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترا. وخلف هذا القرار الاقتصادي المكلف، الذي رفع أسعار الشحن البحري العالمي بما يتراوح بين 175 و275% في ذروته، قوةٌ هي، في موازين القوة العالمية، لا تكاد تُذكر.
في عمقه الجيوسياسي، يختزل هذا المشهد تحولا عميقا في بنية القوة الدولية، ذلك أن القوّة البحرية الأضخم في تاريخ البشرية وجدت نفسها أعجز من أن تحل معادلة استراتيجية بالأدوات التقليدية ذاتها التي أرست بها هيمنتها على أعالي البحار طوال عقود.
أمريكا إمبراطورية البحار: أرقام تبهر وتظلّل في آن واحد
تمتلك الولايات المتحدة اليوم 11 حاملة طائرات نووية الدفع، في حين تمتلك بقية دول العالم مجتمعة ما بين 10 و12 حاملة. كما تنتشر قواعدها العسكرية في أكثر من 70 دولة، وتتمتع أساطيلها بقدرة فريدة على الانتشار وإسقاط القوة عبر مختلف المسارح البحرية، مدعومة بشبكة عالمية من القواعد والمنشآت اللوجستية لا تضاهيها قوة بحرية أخرى. وعلى امتداد عقود، صاغ هذا التفوّق ما اصطلح عليه المنظّر البحري ألفريد ماهان بـ«قيادة البحار»، أي القدرة على التحكم في خطوط التجارة والإمداد العالمي بوصفها شرطا أوليا للهيمنة الكونية.
غير أن الأرقام الباهرة تحجب سؤالا جوهريا ملحا: إذا كانت هذه الهيمنة البحرية حقيقية وشاملة، فلماذا عجزت عن ضمان حرية الملاحة في ممرّين مائيين (هرمز وباب المندب) تعبر عبرهما في الحالات العادية نحو 40% من تجارة النفط العالمية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تبيّن أن الجغرافيا تفعل في المضائق ما يعجز عنه الأسطول الأضخم في الفضاء المفتوح.
هرمز.. أو الجغرافيا الرادعة
يقع مضيق هرمز في قلب الساحل الإيراني، محاطا بمنظومة دفاعية متشعّبة من الصواريخ الساحلية من طراز «نور» و«خليج فارس» و«هرمز»، وبأسراب من الغواصات الصغيرة والزوارق السريعة المسلحة، فضلا عن مخزونات ألغام بحرية قادرة على تحويل الممرّ إلى منطقة رفض وصول شاملة في غضون ساعات. أمام هذه المنظومة، تغدو حاملة الطائرات، تلك القلعة العائمة التي كلّف بناؤها 5 مليارات دولار، هدفا مكشوفا في فضاء ضيق تسوده صواريخ رخيصة وموجّهة بدقة.
إن ما أنجزته إيران في مضيق هرمز هو حرفيا ما يعرّفه المنظّرون الاستراتيجيون بـ«الردع اللا متماثل». فبموجب الأخير، لا تحتاج القوّة الأصغر إلى مضاهاة القوّة الأعظم في ميزان القوّة الكلي، طالما أنّ بمقدورها رفع تكلفة أي تدخل مباشر إلى مستوى يجعله غير مقبول سياسيا وأخلاقيا واقتصاديا بالنسبة إلى القوة الأعظم.
وقد وفّقت إيران في هذا توفيقا كبيرا، حين حوّلت مضيقا جغرافيا إلى ورقة ضغط جيوبوليتيكية تتمسك بها بشدة وتلوّح بها كلما اشتدت الأزمات الدبلوماسية، دون إطلاق رصاصة واحدة في كثير من الأحيان.
في المحصلة، صارت التكلفة الفعلية لأيّ حرب شاملة تستغرق هرمز تتجاوز حسابات القوة العسكرية وتلتمس تداعياتها في الارتفاع الفوري لأسعار النفط، والتهديد المباشر للقواعد الأمريكية في الخليج بضربات صاروخية، ناهيك باحتمالية تسببها في انفتاح جبهات إقليمية أخرى.
بالنتيجة، تبقي هذه المعادلة القوة الأمريكية الهائلة في حالة تربّص دائم دون أن تقدر على القيام بتدخل حاسم.
باب المندب: ثورة في البحر الأحمر بتكلفة بسيطة
في باب المندب، تأخذ المفارقة أبعادا مدهشة أكثر. فحركة أنصار الله، التي تفتقر إلى مقومات الدولة التقليدية، أحدثت منذ أواخر عام 2023 أكبر اضطراب في الملاحة الدولية منذ أزمة قناة السويس عام 1956.
وتكشف أرقام حركة الشحن عمق هذا الأثر. فقد تراجعت حركة العبور عبر قناة السويس بما يتراوح بين 45 و50%، وعودة آلاف السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، مما أضاف إلى متوسط الرحلة الواحدة ما يتراوح بين 10 و14 يوما، علاوة على التكاليف التشغيلية الإضافية المترتبة عن ذلك بمئات الملايين من الدولارات.
إنّ سر هذا التأثير يكمن في ثورة أسلحة باتت تجعل «ديمقراطية العنف الاستراتيجي» أمرًا واقعًا؛ فطائرة مسيّرة من طراز "شاهد"( Shahed-13) تكلّف ما بين 20 و30 ألف دولار، تتطلب اعتراضا صاروخيا لها بصاروخ "إس إم 2" (SM-2) تتراوح كلفة تصنيعه بين مليون ومليوني دولار. واستتباعًا، حين تتضاعف الضربات لتبلغ المئات، يتحوّل الأسطول الأمريكي إلى آلة احتواء تستنزف مخزوناته الصاروخية بوتيرة مقلقة.
حتى عندما أطلقت واشنطن عملية «حارس الازدهار» في ديسمبر 2023، معبّئة تحالفا من 14 دولة، في محاولة لاستعراض الإجماع الغربي على أهدافها، استمرت ضربات أنصار الله، وتآكل التحالف تدريجيًا، وفضح التناقض بين ضخامة الاستجابة ومحدودية أثرها الميداني.
في المقابل، رفع الفاعل الأصغر، المحاصر والمنهك من سنوات الحرب، رفع سقف تحمّله للضغط إلى حدّ يفوق ما أدركته الحسابات الاستراتيجية الغربية.
ما الذي تغيّر في عالم ما بعد أزمتي هرمز وباب المندب؟
قد يبدو هرمز وباب المندب، للوهلة الأولى، مسرحين مختلفين لأزمتين مختلفتين، غير أن كليهما يكشف المعضلة ذاتها، معضلة قدرة فاعل محدود على تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة لرفع تكلفة القوة المتفوقة إلى مستويات تتجاوز العائد الاستراتيجي الذي تتوقعّه.
ثمة مستويان للقراءة في هذه الظاهرة المزدوجة. المستوى الأول عسكري تقني، تجسّده منظومات وقدرات منع الوصول وحرمان الخصم من حرية الحركة (A2/AD) التي طوّرت إيران أجزاءً منها ومنحتها لحلفائها، والتي أثبتت قدرتها على تحييد التفوق الكمي للقوة البحرية التقليدية في الفضاءات الضيقة. كما أن المضيق، بطبيعته الجغرافية، يعيد توزيع الأوراق لصالح القوة الساحلية الأقل حجماً، لأنه يبطل ميزة الحجم ويحوّل قرب الشاطئ من نقطة ضعف إلى موقع إطلاق نار متقدّم.
أمّا المستوى الثاني، الأعمق والأكثر دلالةً، فيتمثّل في كون الكسر الذي أحدثه المشهدان في هرمز وباب المندب كسراً معرفياً قبل أن يكون عسكرياً. إن منطلق هذا الحكم هو تزعزع الإطار «الماهاني» الكلاسيكي الذي بنى عليه الغرب فهمه للقوة البحرية طوال قرن وثلث القرن تقريباً، إذ اشترط هذا الإطار أن تكون الهيمنة في أعالي البحار مساوية للسيطرة على ممرّات التجارة الدولية. واليوم تبيّن أنّ الفاعل الساحلي المحدود، المسلّح بتكنولوجيا رخيصة وإرادة سياسية راسخة، قادرٌ على تقويض هذه المعادلة في الفضاءات الجغرافية المحددة.
يستحضر بول كينيدي في كتابه الشهير «صعود القوى الكبرى وسقوطها» مفهوم «الإفراط في التمدّد الإمبراطوري»، وهو الحالة التي تكتشف فيها القوّة الكبرى أنّ التزاماتها الاستراتيجية تتجاوز قدرتها على إدارتها في آنٍ واحد. ربما هذا ما وجدت واشنطن نفسها أمامه وهي تواجه بؤر اشتعال متزامنة: توتر بحر الصين الجنوبي مع بكين، والدعم العسكري لأوكرانيا، والحضور في الشرق الأوسط، والالتزامات تجاه حلف الناتو. في هذا السياق، أصبح هرمز وباب المندب مكثّفين لأزمة التمدّد، لأنهما تستحثان استنزافاً لموارد الولايات المتحدة وانتباهها الاستراتيجي في جبهات هي أصلا مستعصية الحسم عسكرياً.
إعادة رسم الخرائط:
بناءً على ما سبق من تحليل، لا مبالغة في القول إنّ ما يجري في هرمز وباب المندب هو أحد التعبيرات الأكثر بلاغة عن عالم تتفكّك فيه أحادية القطبية البحرية، وتثبت فيه قوى متوسطة وفاعلون من غير الدول أنّ الهيمنة الشاملة فكرة أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع الاستراتيجي.
فبدل السعي خلف بناء أسطول منافس ومناهز للأسطول الأمريكي، بنت إيران منظومة ردع جعلت مواجهتها مكلفةً سياسياً واقتصادياً بما يكفي لإرجاء أيّ قرار حربي من «سيد البحار»، فكسبت بذلك رهاناً جيوسياسياً كبيراً.
وكذلك أنصار الله، حتى وهم يخوضون الحرب من موقع الطرف المحاصر والمستنزف، حوّلوا ضعفهم الكلاسيكي إلى ورقة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي، مُثبتين أن إرادة القتال المرتفعة تعادل في بعض السياقات التفوق التقني.
وعليه، فإنّ العالم الذي كان فيه من يملك أكبر أسطول يملك مفاتيح التجارة الدولية، يمرّ اليوم بإعادة تأسيس صامتة. فحين تعجز أضخم قوة بحرية في التاريخ عن ضمان أمن ممرّين مائيين حيويين، فتلك إشارة بالغة الدلالة إلى أن خريطة القوة العالمية يُعاد رسمها ببطء... ومن أضيق المضائق!