سوريا و"قواتها الديمقراطيّة": هندسة السيادة أم إعادة إنتاج العقدة؟

استيعاب قيادات "قسد" في مؤسسات الدولة، يفتح سؤالاً أعمق من مجرّد المناصب: هل باتت هذه القيادات جزءًا كاملًا من سلسلة القيادة المركزية في دمشق؟

  • ما تشكّل في شماليّ شرق سوريا طوال سنوات الحرب، لم يكن قوة عسكرية بالمعنى التقليدي.
    ما تشكّل في شماليّ شرق سوريا طوال سنوات الحرب، لم يكن قوة عسكرية بالمعنى التقليدي.

لا يمكن التعاطي مع ملفّ تسوية "قوات سوريا الديمقراطية"، باعتباره عملية إعادة دمجِ أو توزيعِ عدّة آلاف من المقاتلين، على قوائم وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، وتعيين قادتهم في مناصب حكومية أو عسكرية جديدة أو مستحدثة لأجلهم.

فما تشكّل في شماليّ شرق سوريا طوال سنوات الحرب السورية، لم يكن قوة عسكرية بالمعنى التقليديّ، بل منظومة كاملة مؤلفة من أجهزة أمنية، وإدارات محليّة، ومؤسسات خدميّة، وسيطرة على حقول النفط والغاز، وشراكة عسكريّة وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة وقوى غربيّة أخرى، وامتداد قوميّ عمليّ مع البلدان المجاورة.

وتفكيك هذه البنية ودمجها في مؤسسات الدولة السورية، يُعَدّ من أكثر استحقاقات ما بعد الحرب تعقيداً، وربما أكثرها التباساً. وقد بدأ العمل عليه مبكراً من خلال اتفاق 10 آذار/مارس 2025، بين رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وقائد "قوات سوريا الديمقراطية"، الجنرال مظلوم عبدي، حيث جرى وضع الإطار السياسي العامّ: دمج المؤسسات العسكرية والمدنية، وضمان مشاركة سياسية بلا تمييز. لكنّ التفاصيل التنفيذيّة، بقيت مُعلّقة حتى الآن في كثير من جوانبها الهامة.

فقد تمسّكت دمشق منذ البداية، بأمر تفكيك الهياكل القائمة واستيعاب أفرادها "فُرادى" داخل مؤسسات الدولة، بينما حاولت قيادة "قسد" انتزاع صيغةٍ تحفظ لها حدّاً أدنى من التماسك الداخليّ والشبكات المحلية أثناء الاندماج. وقد استمرّ هذا التباين طوال العام 2025 من دون حسم. إلى أنْ جاءت معارك كانون الثاني/يناير بداية هذا العام، لتقلب موازين القوى تماماً.

فبعد السيطرة الحكومية على حيّ "الشيخ مقصود" في حلب، تابعت قوات وزارة الدفاع تقدّمها، واستعادت مناطق واسعة بشكل سريع، لتبلغ تخوم مدينتَي الحسكة والقامشلي، وتسيطر على معظم مناطق نفوذ "قسد"، وتُقلّص هامش المناورة أمام الأخيرة، بشكل حادّ.

ومع الصمت الأميركي حيال هذا التقدّم العسكريّ لدمشق، بدا واضحاً أنّ قواعد اللعبة قد تغيّرت، وما كان بالأمس غير قابل للتفاوض، أصبح اليوم مطلوباً تنفيذه بإلحاح.

وفي 25 آب/أغسطس 2026، أُعلن رسميّاً عن حلّ "قسد"، بعدما انتقلت عدة قيادات خلال الأشهر الفائتة، إلى مواقع رسميّة حكومية، مثل تعيين الجنرال سيبان حمّو، نائباً لوزير الدفاع في المنطقة الشرقية، وتسمية الجنرال مظلوم عبدي، مستشاراً لرئيس الجمهورية للشؤون الكردية، وتعيين القيادية إلهام أحمد في مجلس الشعب المُعيّن مؤخّراً. لينتهي بذلك، وجود قوة عسكرية مستقلّة، سيطرت على مدى سنوات على مساحة واسعة من الأرض السورية.

لكنّ نهاية الإطار العسكري شيء، ونهاية البنية التي نشأت حوله، أمر آخر تماماً. فاستيعاب قيادات "قسد" في مؤسسات الدولة، يفتح سؤالاً أعمق من مجرّد المناصب: هل باتت هذه القيادات جزءاً كاملاً من سلسلة القيادة المركزية في دمشق، أم أنّ مراكز قوة وشبكات نفوذ في سنوات الحرب، ستستمر بالعمل من داخل المؤسسات الرسمية؟

والقضية هنا، ليست عدد العناصر أو أماكن انتشارهم، بل طبيعة هذه القوة نفسها، وبنيتها التنظيمية. فدمشق رفضت مقترح الإبقاء على "وحدات حماية المرأة" ضمن لواء أو كتيبة مستقلة، بينما تبحث قيادة الوحدات عن مخرج يتيح انضمامها إلى تشكيلات تابعة لوزارة الداخلية، خصوصاً وحدات "العمليات الخاصة".

وهذا ينطبق على جهاز "الأسايش" (الأمن الداخلي) أيضاً. فهذه الأجهزة لم تمارس عملاً أمنيّاً تقليديّاً فحسب، بل أدارت لسنوات، ملفات الاعتقال وجمع المعلومات والأمن المحليّ في مناطق الإدارة الذاتية بأكملها. وإخضاع هذه الأجهزة الكامل لوزارة الداخلية والقضاء السوري سيكون تحدّياً كبيراً أمام سلطة دمشق، واختباراً صعباً لمدى قدرتها على منع حدوث ازدواجيّة أمنية داخل مؤسساتها.

وتزداد الحساسية أكثر، مع ملفّ سجون ومخيّمات تنظيم "داعش"، التي تضمّ آلاف المعتقلين وعائلات مقاتلي التنظيم. وأيّ اضطراب في انتقال المسؤولية الأمنية أو القضائية، قد يُنتج فراغاً تستغلّه خلايا التنظيم النائمة، التي يبدو أنها تستغلّ كلّ ثغرة، ولا سيما في المناطق الشرقية، لتثبت وجودها بشكل عمليّ ومؤلم.

والواقع، أنّ جزءاً من هذه المواقع قد دخل في سيطرة الدولة السورية بالفعل، خلال معارك كانون الثاني/يناير، لكنّ نقل إدارتها، هو الاختبار العملي المباشر لقدرة المؤسسات الحكومية السورية على إدارة أحد أشدّ الملفات الأمنية تعقيداً في المنطقة كلّها.

ومع أنّ الملف العسكري، ثقيل جدّاً، لكنّه ليس سوى جزء من  المعادلة. فالبنية التي تشكّلت في مناطق الإدارة الذاتية طوال سنوات الحرب، تطرح إشكالية قائمة، فهناك مؤسسات محلية تولّت التعليم والخدمات والسجلات المدنية والضرائب والموارد، وتحوّلت مع الوقت إلى جزء من الحياة اليومية للسكان. ولا يمكن إنهاء هذه المؤسسات أو دمجها بقرار إداري سريع، لأنّ ذلك يمسّ بأوضاع آلاف الموظفين، ومصير السجلات الرسمية، واستمرارية الخدمات خلال مرحلة انتقالية هشّة أصلاً.

ولا يقلّ الجانب الاقتصاديّ تعقيداً عن سواه، فالإدارة السابقة لم تقم على مؤسسات رسمية وحدها، بل نشأت حولها شبكات تجارة ونقل وتوريد وخدمات فرضتها ظروف الحرب وطبيعة الاقتصاد المحلي حينها. ونقل هذه الملفات إلى الدولة، يستدعي مراجعة دقيقة للأنظمة المالية والرقابية، فالمسألة هنا ليست بقاء موظف أو استبدال إدارة، بل طريقة إدارة الموارد العامة والرقابة عليها.

أمّا ملفّ المُلكيّات العقارية والمعاملات المدنية فربما يكون الأكثر حساسية على الإطلاق. فقد شهدت مناطق الإدارة الذاتية موجات نزوح واسعة وتغيّرات سكانية تركت أثراً مباشراً على السجلات العقارية وحقوق التصرّف بالممتلكات. وأيّ مراجعة لهذه السجلات تحتاج إجراءات قانونية وقضائية واضحة، خصوصاً في قضايا ممتلكات الغائبين والمهجّرين. وتأجيل هذا الملف لن ينهيه؛ بل سيعيد إنتاجه لاحقاً، مع عودة السكان وبروز خلافات الملكية والتعويض وشرعية التصرّفات التي جرت خلال سنوات الصراع. والأمر لا يتوقّف عند الجوانب القانونية والإدارية، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه. فمحافظات الحسكة والرقة ودير الزور، تضمّ مزيجاً من العشائر العربية والمكوّنات الكردية والسريانية والآشورية وغيرها، وقد راكمت سنوات الحرب توترات محلية وصلت لمراحل الصدام المسلح.

وهذا ما تأكّد عند عودة الأهالي إلى مدينة "رأس العين" كجزء من تنفيذ الاتفاق، والتي كشفت جانباً من هذه الهشاشة مع وصول أولى قوافل العائدين في آب/أغسطس 2026، والتي ترافقت مع حوادث إطلاق نار واعتداءات، وسط أجواء متوترة بين العائدين وبعض المجموعات الموجودة في المنطقة. وأيّاً كانت الرواية الدقيقة للمسؤولية المباشرة، فإنّ هذه الحوادث تكشف أنّ البيئة الأمنية التي يُفترض أن تستقبل السكان بعد سنوات من النزوح، لا تزال هشّة جدّاً.

ومن المؤكّد أنّ أيّ استقرار دائم، لن يحدث أو يُبنى إذا ظلّ الكرد يشعرون بأنّ أمنهم غير مضمون، أو إذا استمرت العشائر العربية في اعتبار أنّ مطالبها بالتمثيل المحلي وإدارة مناطقها، بلا استجابة كافية. فنجاح التسوية لن يقاس فقط بالتفاهمات بين دمشق والقيادات السابقة لـ"قسد"، بل بقدرة السلطة على إشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها ضمن الإطار القانوني السوري، وبشكل  يمنع احتكار القرار المحلي من أيّ طرف، وهذا يبقي الوضع مفتوحاً أمام الاحتمالات.

كلّ ما سبق، لم يخرج عن مستوى القراءة المحليّة للمشهد، وإنْ كانت قراءة متشائمة. ولكنْ، إذا نظرنا إلى الملفّ من زاويةٍ أوسع قليلاً، سنجد عوامل إقليمية تعمل في الخلفيّة على إعادة رسم هذا المشهد.

وأوّل ذلك، مسار عبد الله أوغلان وحزب العمال الكردستاني، وما تبعه من إعلان الحزب حلّ نفسه، الأمر الذي غيّر البيئة الإقليمية التي تحرّكت فيها "قسد" طوال السنوات الماضية، وجعل من بقائها قوة مسلحة مستقلة، أصعب سياسيّاً وميدانيّاً.

ومن جهتها، رحّبت تركيا بقرار حلّ "قسد"، واعتبرته خطوة نحو وحدة سوريا، مع حساسية مستمرة تجاه أيّ بنية عسكرية كردية مستقلة قرب حدودها. أمّا واشنطن، فقد انتقلت من شراكة عسكرية طويلة مع "قسد"، إلى التعامل مع واقع سياسي جديد في دمشق. وخلال مرحلة الانتقال، ركّز الموقف الأميركي على تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع الفراغ الأمني، والحفاظ على القدرة على مواجهة د"اعش"، مع دعم ضمنيّ لمسار دمج القوات داخل مؤسسات الدولة. من دون أن نغفل هنا، انحياز المبعوث الأميركي، توم برّاك، بشكل واضح إلى الرؤية التركية.

وممّا سبق، يمكن القول إنّ الحكم على هذه التسوية الآن، سابق لأوانه. مع أنها  نجحت في إنهاء الشكل العسكري المستقل لـ"قسد"، ونقل جزء مهم من قياداتها وقواتها إلى إطار الدولة، لكن هذا لا يثبت بعد، أنها فكّكت البنية السياسية والأمنية والإدارية والاجتماعية التي نشأت حولها على مدى سنوات.

وبافتراض حصول التفكيك، فهل تستطيع السلطة ملء هذا الفراغ في منطقة تشهد واقعاً اقتصاديّاً صعباً، وتوتّراً بين مكوّناتها؟ لأنه، وإذا اقتصر الأمر  على تغيير الهياكل والأسماء، ونقل مراكز النفوذ إلى داخل المؤسسات الرسمية، فستكون الدولة قد استعادت الخريطة فقط، من دون أن تحسم العقدة التي صنعتها سنوات الحرب.