سامي العريان يكتب للميادين نت: حماس بعد الطوفان: حين تتحول المرونة التكتيكية إلى تراجع استراتيجي

لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمناً باهظاً للغاية منذ السابع من أكتوبر. والتحدي الآن هو الحفاظ على أوراق القوة السياسية، والثوابت الاستراتيجية، واستقلالية المقاومة، بدلاً من التنازل على طاولة المفاوضات عما لم يتمكن العدو من انتزاعه في ميدان المعركة.

0:00
  • من يقرر مستقبل المقاومة؟
    من يقرر مستقبل المقاومة؟

ثمة لحظات في تاريخ حركات التحرر تتطلب الشجاعة للإقدام، ولحظات أخرى تتطلب قدراً مماثلاً من الشجاعة للانتظار.

لا شك في أن عملية طوفان الأقصى كانت قراراً جريئاً. فقد حطّمت افتراضات حكمت القضية الفلسطينية لسنوات، وأعادت فلسطين إلى مركز السياسة العالمية، وكشفت وهم إمكانية إدارة القضية الفلسطينية أو تجاوزها ببساطة، بل ووضعت الكيان الصهيوني وداعميه الغربيين أمام صراع كانوا قد أقنعوا أنفسهم بأنه يمكن تجاهله أو احتواؤه إلى أجل غير مسمّى. كما لا يمكن لأي شيء تلا ذلك أن يبرر تحميل مسؤولية تدمير غزة  من الذين دمروها إلى الذين قاوموهم.

فمسؤولية الخراب الذي حلّ بغزة، وقتل المدنيين، وتدمير المنازل والمستشفيات والجامعات والمدارس والبنية التحتية، تقع على عاتق من ارتكب هذه الجرائم.

ولا ينبغي أبداً أن يتحول النقد الاستراتيجي للقيادة الفلسطينية إلى وسيلة غير مباشرة لتبرئة الجُناة وداعميهم. إن حجم هذه التضحيات وحده يفرض نظرة أكثر صرامة إلى الكيفية التي يجري بها التعامل معها سياسياً.

تواجه حماس اليوم ربما أصعب مرحلة انتقالية في تاريخها. فالحركة التي دخلت طوفان الأقصى بوصفها حركة مقاومة مسلحة تواجه الآن ضغوطاً هائلة للخروج من الحرب كشيء مختلف جذرياً: منزوعة السلاح، ومبعدة عن حكم غزة، ومدمجة في نظام سياسي فلسطيني يُعاد تشكيله، ومعتمدة بصورة متزايدة على ترتيبات يتم تصميمها أساساً من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بدعم ضمني من الوسطاء الإقليميين.

فالمرونة في حد ذاتها ليست استسلاماً.

فحركات المقاومة لا بد أن تناور وتفاوض، وتقدم تنازلات تكتيكية، وتقبل وقف إطلاق النار، وتتكيف مع موازين القوى المتغيرة.

لكن ثمة أربعة تطورات على وجه الخصوص ينبغي أن تثير قلق كل من يؤمن بضرورة حفاظ المقاومة الفلسطينية على استقلاليتها الاستراتيجية: بدءاً من المسار السياسي الذي أشارت إليه وثيقة عام 2017، حتى طريقة إدارة مفاوضات ما بعد الحرب، والضغوط المتزايدة لنزع السلاح وتحويل حماس إلى حركة سياسية تقليدية، إضافة إلى العلاقة الناشئة مع رئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في غزة محمد دحلان.

إنذار وثيقة 2017

بدأ هذا المسار قبل طوفان الأقصى بسنوات. فقد فُهمت وثيقة المبادئ والسياسات العامة التي أصدرتها حماس عام 2017 على نطاق واسع بوصفها محاولة لتقديم وجه أكثر براغماتية للمجتمع الدولي. ولقد قبلت الوثيقة إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 باعتبارها صيغة توافق وطني، وإن كانت قد رفضت صراحة الاعتراف بشرعية الدولة الصهيونية وتمسكت بحق المقاومة.

وفي عام 2009، قال خالد مشعل، الرئيس السابق لحماس والرئيس الحالي لإقليمها في الخارج، لصحيفة  نيويورك تايمز إن حركته قبلت "دولة فلسطينية على حدود 1967 بما فيها القدس الشرقية، وتفكيك المستوطنات، وحق العودة، على أساس هدنة طويلة الأمد." هذا التمييز مهم. فلم تكن وثيقة 2017 اعترافاً "بإسرائيل"، ولم تكن "أوسلو حماس". لكنها كانت رهاناً سياسياً: أن يؤدي الاعتدال السياسي في نهاية المطاف إلى الاعتراف السياسي. وهذا لم يحدث.

بدا حينها أن الحركة تراهن  على أن إظهار الاعتدال والمرونة السياسية قد يكسر عزلتها الدولية ويفتح لها أبواباً في أوروبا وغيرها. ولم يكن هذا الأمل من نسج الخيال. فقد ناقشت شخصيات سياسية أوروبية صراحة ما إذا كانت الوثيقة تبرّر الانفتاح على حماس، فيما ذهب محللون لاحقاً إلى أن التيار المعتدل داخل حماس كان يتوقع أن تشجّع الوثيقة الجديدة الاتصالات الأوروبية. لكن الخطوات المقابلة لم تتحقق إلى حد كبير.

ولهذه القصة مقدمات مهمة. فبعد مغادرته منصبه مبعوثاً للرباعية الدولية، أجرى توني بلير اتصالات متكررة مع قادة حماس، بمن فيهم خالد مشعل وإسماعيل هنية، لاستكشاف ترتيبات محتملة تتعلق بغزة. واعترف بلير لاحقاً بأن المقاطعة الدولية التي فُرضت بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006 كانت خطأ، وأنه كان ينبغي للغرب أن يحاول إدخال حماس في مسار الحوار. وهنا تحديداً يكمن الدرس.

ينبغي لحركة التحرر أن تميز بين المرونة السياسية التي تقدَّم مقابل مكاسب سياسية ملموسة، والتنازلات التي تقدَّم أملاً في الحصول على قبول غربي.

فالخطر لا يكمن في المرونة ذاتها، بل في بدء مسار يصبح فيه كل تنازل نقطة انطلاق للتنازل الذي يليه.

لقد سارت فتح في هذا الطريق قبل عقود. كان كل تنازل يقدَّم بوصفه بوابة لاختراق دبلوماسي جديد. وكان يُفترض أن يؤدي الاعتراف إلى المعاملة بالمثل، وأن تقود المفاوضات إلى الدولة، وأن يبني التعاون الأمني الثقة. وفوق كل ذلك، كان يُفترض أن تكون أوسلو مرحلة انتقالية. لكن الانتقالي تحول إلى دائم، فيما توسعت المستوطنات، وتعمّق الاحتلال، وظلت السيادة الفلسطينية بعيدة المنال. أما فتح اليوم فقد أصبحت صورة باهتة لما كانت عليه في السابق.

على حماس أن تدرس هذه التجربة، لا لكي ترفض الدبلوماسية بالضرورة، بل لكي تستوعب درسها الأساسي: أن لا تتخلَّى أبداً عن موقع استراتيجي مقابل وعد بمعاملة بالمثل في المستقبل. فالقبول الغربي ليس في حد ذاته هدفاً وطنياً فلسطينياً. 

التفريط بأوراق القوة التفاوضية 

المشكلة الثانية أكثر إلحاحاً وهي طريقة إدارة حماس للمفاوضات منذ دخول حرب غزة مرحلتها الدبلوماسية. فالمفاوضات ليست تمريناً في إظهار حسن النية، بل هي صراع على المصالح يجري من خلال القوة التفاوضية. ومع ذلك، بدت حماس في أكثر من مناسبة مستعدة للتخلّي عن أوراق قوة قبل الحصول على مكاسب مقابلة قابلة للتنفيذ.

قُدِّم إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي-الأميركي عيدان ألكساندر في مايو/أيار 2025 كبادرة حسن نية هدفها تسهيل استئناف المفاوضات. وربما كان الدافع بالفعل فتح مجال دبلوماسي جديد. لكن حسن النية لا تكون له قيمة تفاوضية إلا عندما يتعامل الطرف الآخر معه باعتباره شيئاً ينبغي أن يقابله بالمثل.

ولقد برزت المسألة الأكبر مع مبادرة الرئيس دونالد ترامب بشأن غزة في سبتمبر/أيلول 2025، حيث تضمّن الرد الأولي لحماس تمييزاً استراتيجياً مهماً، حيث وافقت الحركة على إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، الأحياء والأموات، وفق صيغة التبادل، وأبدت استعدادها للتفاوض حول التنفيذ.

كما وافقت على نقل إدارة غزة إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية مستقلة. لكنها أصرت، في ما يتعلق بمستقبل غزة الأوسع والحقوق الفلسطينية الأساسية، على أن هذه المسائل يجب أن تندرج ضمن إطار وطني فلسطيني شامل. كان هذا هو النهج المفاهيمي الصحيح. ولقد دعوتُ حينها إلى هذا الموقف تحديداً قبل أيام قليلة من إصدار حماس ردها في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

كان بوسع حماس أن تفاوض بشأن ما يقع مباشرة في يدها. لكن القضايا التي تمسّ مستقبل الشعب الفلسطيني، بما في ذلك الوضع السياسي لغزة، وفوق كل ذلك مستقبل المقاومة، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها مسؤولية حصرية لفصيل واحد. فبمجرد تبادل الأسرى ووفاء حماس بهذا الجزء من التزاماتها، كان ينبغي لها أن تنظر بجدية في التراجع عن التفاوض المباشر بشأن تلك القضايا الأكبر. ولا عيب في ذلك.

فالقيادة السياسية أو قيادة المقاومة ليست مضطرة إلى إجراء كل مفاوضات بنفسها. مسؤوليتها هي تحديد الأهداف ورسم الخطوط الحمر.

كان بإمكان حماس أن تعهد بالمفاوضات الفعلية إلى مفاوضين فلسطينيين مستقلين ذوي خبرة بالقانون الدولي والدبلوماسية والسياسة الأميركية وأساليب التفاوض الإسرائيلية والخرائط والترتيبات الأمنية واللغة الإنجليزية، على أن تبقى الحركة خلفهم، تحدد ما يمكن وما لا يمكن التنازل عنه.

ومن مآسي التجربة التفاوضية الفلسطينية منذ ثمانينيات القرن الماضي الخلط المتكرر بين الشرعية الثورية والكفاءة التفاوضية. وكان هذا، في تقديري، أحد الأخطاء المكلفة التي ارتكبتها فتح في عهد عرفات: إذ كان يُفترض في كثير من الأحيان أن الشرعية السياسية والثورية تمنح صاحبها تلقائياً الخبرة التفاوضية. لكن الشرعية لا تعني بالضرورة امتلاك هذه الخبرة.

لقد قال أحد أعضاء فريق التفاوض الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 إنه خلال عملية أوسلو، ولا سيما في الترتيبات الإقليمية، تلاعب الإسرائيليون بالفلسطينيين إلى حد كبير. واعترف قائلاً: "لقد خدعناهم. لم يكن لدى الوفد الفلسطيني محامٍ يضاهي المهارات القانونية لجول سينغر، كما لم يكن لديهم خبراء في الخرائط. وقد استغل الإسرائيليون أوجه القصور لدى الفلسطينيين".

قد تمتلك حركة ما قادة سياسيين أكفاء، وقادة عسكريين ومنظمين، من دون أن تمتلك أشخاصاً مدربين على المفاوضات الدولية المعقدة. التفاوض مهنة، والاعتراف بهذا النقص ليس إقراراً بضعف سياسي، أما رفض الاعتراف به فقد يكون بالغ الكلفة.

لقد فهم الفيتناميون ذلك جيداً. ففي مفاوضات باريس الطويلة، تعاملت هانوي مع الدبلوماسية باعتبارها جزءاً من استراتيجيتها السياسية والعسكرية الأشمل، لا مساراً منفصلاً عنها، حيث كان المكتب السياسي يحدد الأهداف الاستراتيجية والتنازلات التي يمكن تقديمها، فيما يتولى مفاوضون ذوو خبرة عملية المساومة.

في عام 1972، سمحت القيادة صراحة بالتحول نحو "استراتيجية السلام"، بما في ذلك تقديم تنازلات ضرورية لضمان الانسحاب الأميركي مع الحفاظ على ما عدّته مصالحها الأساسية. وحين تجاوزت المفاوضات لاحقاً حدود المواقف التي كانت هانوي مستعدة لقبولها، أصدر المكتب السياسي تعليماته للمفاوضين المخضرمين لي دوك ثو وشوان ثوي بالعودة إلى الاتفاق السابق أساساً للتسوية.

لم يكن الدرس هو التصلب، بل معرفة ما يمكن التفاوض عليه، وما يجب الحفاظ عليه، ومتى تكون التسوية في خدمة الاستراتيجية الأكبر.

وهذا مهم بصورة خاصة اليوم، لأن حماس انتقلت من مناقشة الحكم إلى بحث صيغ تتعلق بسلاحها. وقد تضمّنت المفاوضات الأخيرة مقترحات تقضي بتخزين أسلحة حماس أو تسليمها في إطار ترتيبات أوسع لنزع السلاح مرتبطة بانسحاب "إسرائيل". لكن "إسرائيل" نفسها رفضت هذه الترتيبات وأصرت على نزع سلاح كامل قبل الانسحاب. فهل يُعقل أن يسلّم الفلسطينيون سلاحهم فيما لا تزال الدبابات على الحدود؟

وهنا يكمن الخطر تحديداً. يدخل التنازل الفلسطيني في السجل الدبلوماسي؛ ثم ترفض "إسرائيل" الترتيب باعتباره غير كافٍ؛ ثم تبدأ الجولة التالية من المفاوضات من نقطة التنازل الفلسطيني، لا من الموقف السابق. وهذا نمط مألوف ومؤلم منذ سنوات أوسلو. يجب ألا تنسى حركة مقاومة أن مكافأة التنازل الذي لا يقابله تنازل مماثل غالباً ما تكون مطالبة جديدة. لقد علمتنا أوسلو هذا الدرس المؤلم.

من يقرّر مستقبل المقاومة؟

إن نزع السلاح ليس مجرد بند تفاوضي آخر. إنه يمسّ هوية حماس نفسها وغايتها الاستراتيجية. وهذا لا يعني أن على حماس استئناف المواجهة العسكرية غداً، أو الشهر المقبل، أو حتى في المستقبل المنظور.

فالمقاومة ليست مرادفاً لإطلاق النار بصورة مستمرة، وقد يكون ضبط النفس الاستراتيجي في حد ذاته شكلاً من أشكال المقاومة.

كما لا ينبغي لحماس بالضرورة أن تسعى للعودة إلى حكم غزة. بل إن التخلي عن الإدارة الحكومية المباشرة قد يحرر الحركة من عبء خلق مراراً تناقضات بين إدارة مجتمع محاصر والعمل كتنظيم مقاومة. لكن مغادرة الحكم والتخلّي عن المقاومة أمران مختلفان تماماً.

الخطر هو أن تتحول حماس تدريجياً، بعد أن أنهكتها الحرب وأخضعتها لضغوط استثنائية من الوسطاء والقوى الدولية، من حركة مقاومة إلى مجرد فصيل سياسي فلسطيني آخر يسعى إلى مكان داخل نظام سياسي وضع الآخرون معالمه. وهنا تصبح المقارنة مع فتح أكثر أهمية.

فلم تتخلَّ فتح عن مواقفها التاريخية في لحظة دراماتيكية واحدة، بل جاء التحول تدريجياً: تنازل بُرر بأنه تكتيكي، أعقبه آخر قيل إنه ضروري للحفاظ على العملية السياسية، ثم ثالث طُلب لإثبات الجدية، إلى أن أصبحت المنظمة التي تأسست لتحرير فلسطين المكوّن الحاكم الرئيس لسلطة تعمل تحت الاحتلال. نادراً ما يعيد التاريخ نفسه بالطريقة ذاتها، لكن الآليات السياسية تتكرر كثيراً.

لقد شاركت حماس بصورة منتظمة في الحياة السياسية الفلسطينية. والانتخابات أداة مشروعة للتمثيل الشعبي. لكن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تعني التخلي عن هوية الحركة كمقاومة، أو القبول بإطار سياسي صُمم لتحقيق هذه النتيجة. والمؤسسات الفلسطينية في أمس الحاجة إلى التجديد بعد سنوات من الجمود وتآكل الشرعية الديمقراطية.

لكن كل ذلك يثير سؤالاً أكثر جوهرية:

أي نوع من الحركات تريد حماس أن تكون بعد هذه الحرب؟

المشاركة في الانتخابات شيء، والسماح لها بإعادة تعريف علاقة الحركة بالمقاومة شيء آخر.

على حماس أن تحدد بوضوح ما تعتبره اليوم ثوابتها الاستراتيجية، وكيف تندرج أشكال المقاومة المسلحة والشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية ضمنها.

لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بصورة غير مباشرة من خلال اتفاقات مجزأة يجري التفاوض عليها تحت الضغط.

سؤال دحلان

أما مصدر القلق الرابع، وربما الأكثر غرابة، فهو العلاقة المتطورة بين حماس ومحمد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية في غزة.

المشكلة ليست ببساطة أن دحلان كان في يوم من الأيام خصماً لحماس، بل في الدور الذي لعبه مراراً. فلا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد طرف آخر في المصالحة الفلسطينية. لقد دعمته واشنطن في السابق تحديداً لأنها اعتقدت أنه قادر على مواجهة حماس، فيما ارتبط مساره السياسي اللاحق ارتباطاً وثيقاً بالأجندة الإقليمية لدولة الإمارات العربية المتحدة.

قد تتغير الظروف السياسية، لكن التاريخ لا يمكن محوه ببساطة.

والسؤال الذي ينبغي لحماس أن تطرحه ليس ما الذي يستطيع دحلان أن يقدمه لها اليوم، بل ما الغرض من إعادته إلى مركز السياسة الفلسطينية، ولصالح من يخدم هذا الغرض في نهاية المطاف.

فاستناداً إلى وثائق سرية ومقابلات مع مسؤولين أميركيين وفلسطينيين وإسرائيليين، في عام 2008، وصف تحقيق ديفيد روز في مجلة Vanity Fair، كيف دعمت إدارة بوش خطة لتعزيز قوات فتح المرتبطة بدحلان بعد فوز حماس في انتخابات 2006.  

كان الهدف، وفق المسؤولين الذين نقل عنهم روز، منح فتح قدرة قسرية كافية لمواجهة حماس. لكن المحاولة ارتدّت على أصحابها بصورة مدوية، وانتهت بسيطرة حماس على غزة في يونيو/حزيران 2007. 

أما اللغة التي قيل إن المسؤولين الأميركيين قد استخدموها فهي تكشف الكثير. فقد ذكر روز أن ثلاثة مسؤولين أميركيين قالوا إن الرئيس جورج دبليو بوش كان يشير إلى دحلان بوصف "رجلنا"، كما وصفه بوش علناً بأنه "قائد جيد وصلب".

ووثّق روز كذلك علاقة دحلان الوثيقة بمدير وكالة الاستخبارات المركزية حينها جورج تينيت وتعاونه مع مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات المركزية. ونقل التحقيق عن مسؤول أميركي قوله إن واشنطن كانت تعتقد أن دحلان وحده يمتلك القدرة اللازمة لهزيمة حماس عسكرياً.

وهذا تحديداً ما يجعل دحلان خطراً بصورة خاصة على حماس اليوم.

فهو ليس مجرد خصم فلسطيني سابق يسعى إلى المصالحة، بل شخصية سياسية ذات علاقات طويلة الأمد مع قوى إقليمية ودولية قوية سعت إلى إضعاف حماس أو احتوائها.

وقد تجعل عودته إلى موقع مركزي في السياسة الفلسطينية منه أداة فلسطينية مقبولة خارجياً لإعادة تشكيل غزة بعد الحرب، مع تهميش المقاومة من داخل النظام السياسي الفلسطيني نفسه. وسيكون تسهيل حماس لهذه العودة مغامرة استراتيجية بالغة الخطورة.

أما إن كان دحلان "عميلاً" أميركياً بالمعنى الرسمي فليس هذا هو المهم. المهم أن واشنطن كانت تنظر إليه باعتباره أداتها المفضلة لمواجهة حماس، وتحديداً بسبب استعداده للقيام بهذا الدور.

البديل: الصبر الاستراتيجي

سيسأل المدافعون عن المسار الحالي، ومن حقهم ذلك: ما البديل؟ الجواب ليس حرباً بلا نهاية. البديل هو الصبر الاستراتيجي.

ثمة لحظات يصبح فيها رفض تقديم التنازلات استراتيجية بحد ذاته. لا يتعين على حركة واقعة تحت ضغط هائل أن تحسم كل مسألة فوراً. تستطيع حماس الوفاء بالاتفاقات المحدودة التي عقدتها، مع رفض التفاوض على قضايا تخص الشعب الفلسطيني بأكمله. كما تستطيع استخدام الفترة الفاصلة لإعادة تنظيم صفوفها وانتظار اتضاح البيئة الاستراتيجية.

فالشرق الأوسط في 2026 ليس كالشرق الأوسط في 2023. فقد أدخلت المواجهة الإقليمية التي تشمل إيران والكيان الصهيوني والولايات المتحدة عناصر من عدم اليقين لم تستقر نتائجها بعد.

بل ذهب عدد متزايد من الخبراء إلى أن الوضع الاستراتيجي لإيران قد  تعزز بصورة كبيرة، فيما ضعف الوضع الأميركي والإسرائيلي بدرجة ملحوظة.

لا تزال غزة نفسها تحت إطار هش لوقف إطلاق النار، فيما يبقى الخلاف حول ترتيب الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حماس من دون حل. وحتى الآن رفض الكيان الصهيوني بصورة قاطعة المقترحات التي تربط نزع السلاح على مراحل بالانسحاب. فلماذا، إذاً، تفاوض حماس وكأن ميزان القوى القائم اليوم دائم؟

المقصود ليس التنبؤ بدقة بمآل المواجهة الإقليمية، بل إدراك أنه لا يوجد سبب يدفع حماس إلى تقديم تنازلات لا رجعة فيها فيما النظام الإقليمي نفسه لا يزال في حالة سيولة. لقد أنفقت الولايات المتحدة و "إسرائيل" قدراً هائلاً من رأسمالهما العسكري والسياسي والدبلوماسي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما لم تتضح بعد النتائج الكاملة لمواجهتهما مع إيران.

ويذهب عدد متزايد من المحللين الأميركيين والدوليين إلى أن هذه المواجهة قد تترك إيران أقوى استراتيجياً مما كان متوقعاً في البداية. ولا تحتاج حركة مقاومة إلى معرفة شكل ميزان القوى غداً بالتحديد لكي تدرك أنه لا ينبغي لها أن تتخلى بصورة دائمة عن أوراق قوتها اليوم.

الصبر الاستراتيجي يعني إدراك أن الزمن هو أيضاً أداة من أدوات القوة. وتقدم التجربة الفيتنامية درساً آخر هنا.

فالمفاوضات كانت جزءاً من استراتيجية أكبر، لا غاية في حد ذاتها. وكانت قيمة الاتفاق تُقاس بمدى خدمة توقيته وشروطه لتلك الاستراتيجية، لا بمجرد إمكانية التوصل إليه.

ويحتاج الفلسطينيون اليوم إلى التمييز نفسه. فثمة وقت للقتال، ووقت للتفاوض، ووقت للمناورة، ووقت لمجرد الثبات على الموقف.

والثبات على الموقف ليس استسلاماً ولا التزاماً باستئناف القتال؛ فقد يكون أحياناً مجرد رفض لتقديم تنازلات لا رجعة فيها تحت ضغط مؤقت.

ولا يعني أي من ذلك أن على حماس أن تحكم غزة إلى ما لا نهاية أو أن تلتزم بحرب دائمة. كما لا ينبغي أن يمنع الفلسطينيين من السعي إلى الانتخابات والمصالحة الوطنية وبناء مؤسسات سياسية فلسطينية تمثيلية بحق. الأمر يتطلب شيئاً أبسط: لا تتخلَّ اليوم عما قد تكون في أمسّ الحاجة إليه غداً.

لقد جاء طوفان الأقصى بكلفة بشرية على غزة تكاد تفوق التصور. فلا يجوز أبداً استخدام هذه الكلفة لنزع الشرعية عن المقاومة الفلسطينية أو لنقل المسؤولية بعيداً عن الذين دمروا القطاع. لكن حجم التضحيات الفلسطينية لا ينبغي كذلك أن يعفي القيادات الفلسطينية من المساءلة الاستراتيجية. بل على العكس، إنه يفرضها.

فعلى حركة المقاومة أن تفعل أكثر من مجرد المقاومة. عليها أيضاً أن تحمي القيمة السياسية للتضحيات التي قُدمت باسمها. وما تحتاجه حماس الآن، قبل كل شيء، هو الوضوح الاستراتيجي.

يمكن لحماس أن تترك حكومة غزة من دون أن تتخلى عن دورها كحركة مقاومة. بل إن التخلي عن الإدارة الحكومية المباشرة قد يخدم مصالح الحركة في نهاية المطاف، لأنه يحررها من التناقض بين إدارة أرض محاصرة والحفاظ على استقلاليتها كتنظيم مقاومة.

ويمكنها المشاركة في الانتخابات إذا توافرت الظروف المناسبة، والتفاوض عندما تقتضي الظروف ذلك. ولا يتطلب أي من ذلك أن تنسى الحركة تاريخها أو تسمح لتنازلات تكتيكية، قُدمت تحت ضغوط استثنائية، بأن تعيد تعريف مبادئها الاستراتيجية. وحيث تكون قدراتها التفاوضية الذاتية غير كافية، ينبغي أن تتحلى حماس بالثقة اللازمة لإسناد المفاوضات إلى محترفين، مع احتفاظها بسلطة تحديد الخطوط الحمر.

ولعل الخطر الأكبر الذي يواجه حماس اليوم ليس الهزيمة العسكرية، بل أن تنتهي، بعد أن صمدت في واحدة من أكثر الحروب تدميراً في التاريخ الحديث، إلى تقديم تنازلات تدريجية على طاولة المفاوضات عما عجز خصومها عن انتزاعه في ميدان المعركة.

البديل ليس التشدد الأقصى وليس حرباً أخرى. بل هو الصبر، والحوار الوطني الحقيقي، والتمييز الواضح بين ما يمكن التفاوض عليه وما يعود القرار فيه إلى الشعب الفلسطيني بأسره.

باختصار، ما عجز الكيان الصهيوني عن القضاء عليه بالقوة العسكرية والإبادة الجماعية، لا ينبغي الآن التفريط به في ثنايا اتفاق مجحف تمت صياغته في واشنطن.