حسام حسن وفلسطين.. أمةٌ تبحثُ عن بطلٍ لروايتها وحلمها

الإنجاز التاريخي لمنتخب مصر في "مونديال" 2026 اكتسب قيمته الأكبر من موقف حسام حسن الداعم لفلسطين، الذي حوّله من بطل رياضي إلى رمز إنساني وقومي يجسّد تعطش الأمة إلى قيادة تجمع بين الانتصار والموقف.

0:00
  • حسام حسن وفلسطين.. أمةٌ تبحثُ عن بطلٍ لروايتها وحلمها
    حسام حسن وفلسطين.. أمةٌ تبحثُ عن بطلٍ لروايتها وحلمها

في الزمن العربي الرديء، الذي عزّت فيه انتصارات قادة الحرب، وندرت فيه بطولات زعماء السياسة، برزت انتصارات نجوم الرياضة، وظهرت بطولات فرسان المواقف. وهذا ما فعله الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم في بطولة كأس العالم هذا العام، بعدما قاد فريقه إلى دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخ كرة القدم المصرية، وبعدما صعد ببلده، منتصراً لفلسطين، إلى منصة الموقف الإنساني والقومي في البطولة، حين رفع بنفسه العلم الفلسطيني، وأهدى الفوز إلى الشعب الفلسطيني، وعبّر عن تضامنه مع ضحايا حرب الإبادة في غزة وجرائم الاحتلال في كل فلسطين.

إنجاز المنتخب المصري الكروي، بقيادة "العميد" حسام حسن في "مونديال" 2026، حدث مهم وغير مسبوق، لكن الحدث الأهم منه هو الموقف الشجاع لحسام حسن تجاه فلسطين، ومعاناة شعبها، وعدالة قضيتها، ووحشية محتليها.

ولم يكن موقف حسام حسن حدثاً شاذاً ناتجاً من فعل عشوائي، أو كلام ارتجالي، أو انفعال طارئ، بل كان موقفاً جوهرياً عبّر عنه بفعل منهجي، وكلام مقصود، وانفعال أصيل؛ موقف إنساني وأخلاقي يعبّر عن صرخة احتجاج صادقة، وكلمة حق خالصة، وحركة تعاطف مرهفة، ووقفة عز شامخة، تضامناً مع الشعب الفلسطيني المظلوم وسائر مستضعفي العالم، واستنكاراً لجرائم الكيان الصهيوني الظالم والمعتدي وسائر مستكبري العالم، واستهجاناً لمعايير الغرب المزدوجة والعنصرية والاستعلائية.

بطولة رياضية وموقف وطني

إن بطولة موقف حسام حسن، في بعدها الإنساني، هي جزء من الصورة الكلية التي تكتمل ببعديها الوطني والقومي. فعلى المستوى الوطني، أصبح حسام حسن رمزاً للبطولة المصرية رياضياً ووطنياً. ففي مجال الرياضة، نجح في قيادة منتخب مصر لكرة القدم إلى أعلى مستوى وصل إليه منتخب مصري في تاريخ مشاركات مصر في نهائيات كأس العالم، محققاً بذلك إنجازاً كروياً صنع فرحة للشعب المصري، كما أراد بقوله: "عايز أفرّح الغلابة"، وصنع أملاً للمصريين بوصول منتخبهم إلى مستويات أعلى ومنافسة المنتخبات الكبرى.

أما في المجال الوطني، فقد نجح في تسجيل موقف بمضمون إنساني في مرمى الإعلام العالمي، مسلطاً الضوء على القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني. ورأى المصريون فيه، لهذين السببين، الرياضي والوطني، واحداً منهم، ورجلاً يمثلهم، وبطلاً يشبههم. فكان بحق نبعاً صافياً لقيم العزة والكرامة والأصالة، وبحراً زاخراً بمعاني الرجولة والفروسية والتحدي، وتعبيراً صادقاً عن روح الشعب وضميره ووجدانه.

بطولة الموقف القومي

وتتجسد البطولة، في بعدها القومي، في موقف حسام حسن الشجاع مع فلسطين، وضد الإبادة والعدوان والاحتلال؛ ذلك الموقف الذي تجسد في رفع العلم الفلسطيني في الملعب في لحظة فارقة، وإهداء الفوز إلى الشعب الفلسطيني في خطوة مفصلية، وتصريحاته الإنسانية المتضامنة مع المأساة الفلسطينية في وقفة حاسمة.

وكان بذلك الموقف القومي من القضية الفلسطينية، إلى جانب الرسالة الإنسانية القوية التي أرسلها إلى العالم من البوابة الرياضية، معبّراً عن موقف جماهير الأمة العربية وكل أحرار العالم. ومثّل بهذا الموقف صورة البطل الكامنة في الوجدان الشعبي والعقل الجمعي والمخيال العربي المشترك، بوصفه رمزاً لقيم النجدة والمروءة والنخوة ونصرة المظلوم، ومثالاً لصفات المسؤولية والتحدي والروح القتالية. فجدد بتلك القيم والصفات الروح في الجسد العربي، في لحظة جميلة مقتطعة من خارج سياق الزمن العربي الرديء.

التعطش العربي إلى البطل

وفي قراءة متأنية لما وراء اللحظة الجميلة التي صنعها حسام حسن، أو في دراسة متأملة لما بعد ظاهر الحدث والموقف الذي أبدعه، يمكن الاستنتاج أن التقدير العربي لرمز رياضي كبير، وهو تقدير يستحقه بالفعل، يأتي في ظل غياب رموز الأبطال في المجالات المصيرية المحددة لحركة الأمة ومسار التاريخ.

وفي ذلك دلالة على تعطش الشعب والأمة إلى البطل المخلّص والزعيم المنقذ، وإشارة إلى حاجتهما إلى البطل المفقود والزعيم الغائب. كما قد يكون هذا التقدير معبّراً عن حيلة جماعية لا شعورية، لتعويض حالة الإحباط السياسي، والقهر السلطوي، والبؤس الاقتصادي، والاغتراب الثقافي، والتيه الحضاري. وربما يمثل فرصة لتحقيق انتصارات في مجالات متاحة، عوضاً عن انتصارات بعيدة المنال، أو فرصة للهروب الجماعي من ضغوط الواقع ومكبوتات النفس وتراكمات البؤس، أو فرصة للمشاركة في قضية واحدة، وهدف جماعي، وحلم مشترك.

إن غياب رموز الأبطال العرب في المجالات المصيرية المُحدثة للتحولات الجذرية والتغييرات الثورية، أو ندرتهم في الوطن العربي، أدى إلى تحويل المفهوم الكلي للبطولة إلى مفاهيم جزئية مشتتة، توزعت بين فرسان الرياضة، ونجوم الفن، وأثرياء المال، ومشاهير "وسائل التواصل الاجتماعي"، بدلاً من قادة الفكر الحضاري، والسياسة الأخلاقية، والاقتصاد المنتج، والحرب العادلة.

كما أدى إلى تحويل المفهوم الجماعي للبطولة، الذي يؤدي فيه الشعب أو الأمة دور البطولة في التغيير والثورة، إلى مفهوم فردي للبطولة، فتظل الجماهير في حالة انتظار للبطل "السوبرمان" الخارق، أو البطل "المخلّص".

حين تتوّج بطولة الملعب ببطولة الموقف

وبعيداً عن مأزق البطولة العربية، أثبت حسام حسن أن البطل الذي يحقق الفوز، ويحصد الميداليات، وينتزع الألقاب، لا تكتمل بطولته ولا تسمو رمزيته إلا ببطولة الموقف، بأبعادها الإنسانية والأخلاقية والقومية.

وبذلك يحقق الاحترام، ويحصد التقدير، وينتزع التبجيل من شعبه وأمته وأحرار العالم. إنها بطولة نقلته من كونه هدافاً أسطورياً، ومدرباً مبدعاً، ومديراً فنياً ناجحاً، إلى أن يكون رمزاً حياً لطموح شعب يأبى الانكسار، وكفاح أمة ترفض الهزيمة.

أمة يبدو أنها لم تكن تبحث عن بطل في ملعب الرياضة بقدر ما كانت تبحث عن بطل في ملعب الحياة، ليكتب فصلاً سعيداً ينهي روايتها المأساوية، ويبدع حلماً مشرقاً يوقف كابوسها المظلم؛ بطل لرواية كتبها الشعب، وبطل لحلم أبدعته الأمة.