حرب الصورة ورمزية التاريخ بين عينيّ زوجة الشهيد المهندس

يصرّ هذا الكيان المأزوم منذ السابع من أكتوبر 2023، على استهداف الرمزية التاريخية لشعبنا وأمتنا، حتى وهو في أوج غطرسته يدمر البشر والحجر بكل اتجاه في ظل حماية أميركية غربية.

0:00
  •  تجربة المهندس يحيى عياش التي أنعش حروفها عبث المحتل أطلقت رمزيته من جديد.
     تجربة المهندس يحيى عياش التي أنعش حروفها عبث المحتل أطلقت رمزيته من جديد.

قبل أشهر عدة، نشر إيتمار بن غفير مقطع فيديو، حاول من خلاله إهانة الأسير القائد مروان البرغوثي في زنزانته، فانقلب السحر على الساحر، وقد تحوّل المشهد للسخرية من سفاهة المسمى وزيراً للأمن القومي، حتى في الإعلام الإسرائيلي على ما فيه من جنوح وغياب للوعي، ليتكرر المشهد مع زوجة الشهيد المهندس يحيى عياش، ما يشير إلى عمق أزمة هذا الكيان، وأنه بالحقيقة انعكاس لصبيانية بن غفير وطيشه.

 يصر هذا الكيان المأزوم منذ السابع من أكتوبر 2023، على استهداف الرمزية التاريخية لشعبنا وأمتنا، حتى وهو في أوج غطرسته يدمر البشر والحجر بكل اتجاه في ظل حماية أميركية غربية، وخضوع عربي إسلامي غير مسبوق، ويعكس إصراره هذا على مستوى سطحية إعلامية تداعب مخيلة قياداته المريضة، وهذه المرة يتورط فيها قادة جهاز الشاباك و"جيش" الاحتلال.

اقتحم رجال الشاباك بيت السيدة الفلسطينية هيام عياش، وهي زوجة الشهيد المهندس والقائد البارز يحيى عياش، اعتقلوها رداً على استذكارها ارتقاء زوجها في ذكراه الثلاثين، عبر منشور بثته في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد اعتبره جهاز الشاباك عملية تحريض، في وقت تمادى هؤلاء المجرمون وهم ينشرون للأسيرة صورة وهي معصوبة العينين تقف وسط جنديين يشمتان بها.

تحمل هذه الصورة التي حرص إعلام الاحتلال على نشرها في صحافته، وسط تفاخر لا مبرر له عبر التنكيل بسيدة لا حول ولا قوة لها، ولا ذنب لها إلا أنها استذكرت زوجها في ذكراه، ما أطلق حملة تنديد فلسطينية عربية بهذا السلوك الإسرائيلي الوحشي، وهو لا يتجاوز في حقيقته عمق عبثية هذا الاحتلال في مستوى انحطاط إجراءاته، التي تكشف كل يوم جانباً من جوانب ضعفه حتى وهو في أوج جنونه العسكري الأمني.

ليس ثمة عاقل يرى في سلوك إعلامي كهذا للاحتلال، أدنى أثر في تحسين صورة "إسرائيل" في العالم، ولا في مواجهة ما يعتبره الاحتلال تحريضاً ضد جرائمه، ولكن هذا المحتل في متاهة سياساته ربما يهدف من خلال نشر صورة كهذه تحقيق الأهداف التالية:

أولاً: المس بالرمزية التاريخية للشهيد المهندس، باعتقال زوجته والتنكيل بها من دون رادع يردعه، ما يشير إلى مستوى خضوع الضفة الغربية لعمليات الاحتلال الأمنية، حتى وهو يستهدف مكانة هذا الرمز في قلوب الملايين من محبيه، بما يمثله من شرعية القوة التي خلقت الرعب في المدن والشوارع والحافلات الإسرائيلية سنوات عدة.

ثانياً: قهر الشعور الجمعي للشعب الفلسطيني ومعهم مئات الملايين من المسلمين، وهو يستهدف امرأة ويبث صورتها وهي معصوبة العينين، وسط جنود ذكور يتلهون في إهانتها، وما يمثله غياب الرد الفلسطيني والعربي والإسلامي والعالمي، على سلوك عابر لكل الخطوط الحمر الأخلاقية والقانونية، من سطوة إسرائيلية تتحدى المعايير الدولية، وتضرب بعرض الحائط كل المواثيق الأممية.

ثالثاً: قمع حرية التعبير ومعها قهر عوائل الشهداء والأسرى، ليتخلوا عن شعورهم بالفخر بما قدمهم ذووهم، وهو ما يراد منه الخضوع لإرادة المحتل بإخفاء هذا الشعور بالعزة والكرامة، وما يعنيه على المستويين الديني والوطني.

رابعاً: نشر ثقافة الخوف في عمق الشرائح الاجتماعية والحواضن الشعبية الداعمة للمقاومة، ما يعطي مساحة أوسع للنخب المرتهنة والدعوات الهابطة، لتسيطر على المشهد الشعبي في ظل غياب الاحتفاء بالشهداء والأسرى، خاصة مع قطع رواتب عوائلهم من قبل السلطة الفلسطينية عقب ضغط عالمي هائل.

خامساً: إحداث قطيعة بين واقع عوائل الشهداء وماضيهم من خلال رمزية ذويهم، عبر الخضوع لعمليات قهرية وحشية كهذه، وخلق فجوة بين عامة الشعب وبين عوائل الشهداء والأسرى.

يمكن للمحتل أن يظن أنه بسياساته الطائشة، قد يفلح في قهر الجماهير الفلسطينية وقمع حريتها، لكنه بالتأكيد لن يحصد على المديين المتوسط والبعيد، إلا الشعور بالكبت الداخلي ما يلبث أن ينفجر بعنف هائل، خاصة في واقع قضية فلسطين التي كانت وما زالت وستبقى جوهر الصراع العالمي من إيران حتى فنزويلا، لأن اعتقال سيدة فضلاً عن زوجة قائد كبير نجح في تركيع الإسرائيليين ومنع تجوالهم في شوارعهم، ربما تكون له ردود أفعال في استلهام ما كان يمثله هذا الرمز الناجح.

وربما لو كان ثمة عقلاء الآن في الكيان الإسرائيلي، لتمت محاكمة الضباط والمسؤولين عن هذا السلوك الساذج، و التباهي بإنجاز أمني بحق سيدة تستذكر زوجها بعد ثلاثين سنة من اغتياله، وهو الذي تلاعب بذكاء حاد بمنظومة الاحتلال الأمنية لسنوات طويلة، ولم يصلوا إليه إلا عبر خيانة شخصية فلسطينية في غزة هربت منذ ذلك الوقت ولم يعد يسمع لها ذكر.

إن النبش في حروف التاريخ المفخخ، لن يعود على صاحبه إلا بزيادة المخاطر الأمنية، وهي مخاطر تتعاظم مع اللعب على وتر حساس، وليس ثمة حساسية في المجتمع الفلسطيني والعربي أكثر من إهانة النساء خاصة زوجات الشهداء، فكيف والحال أنها زوجة رمز يجمع عليه الشعب الفلسطيني برمته، ليس بسبب انتمائه السياسي والتنظيمي بالتأكيد، على أهمية هذا الانتماء وهو الأوسع على المستوى التنظيمي، ولكن خصوصية عياش أنه جسد نموذجاً انتصر على مجموع القوة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بذكائه وعلمه.

 تجربة المهندس يحيى عياش التي أنعش حروفها عبث المحتل وقصر نظره، أطلقت رمزيته من جديد وما يمثله من مصدر إلهام للأجيال، فيما لم يجد "جيش" الاحتلال بعد ثلاثين سنة على تجدد حضوره الرمزي، إلا أن يحاول السخرية من زوجته التي ظهرت رغم جبروته تقف شامخة في ظل هيبة زوجها، حتى وبريق عينيها يحجبه الظلام، لأن الظلام زمن يتبدد، فكيف والحال مع وهج المهندس وذكراه التي لا تغيب.