تونس: حراك "تصحيح المسار" الشارع يستعيد صوته
هل هل يذهب النظام السياسي في تونس إلى تصحيح المسار؟ أم سيبقى حتى يتدحرج المشهد باتجاه الانفجار؟
-
تقف تونس الآن على قارعة منطقة رمادية حرجة.
شهدت العاصمة التونسية في الـ 17 من تشرين الأول/ أكتوبر 2026 تدفقاً لآلاف المتظاهرين إلى الشوارع في احتجاج حاشد يُعد الأكبر من نوعه منذ إطاحة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وقد تداعت الجماهير التونسية للمطالبة باستعادة الديمقراطية والحريات، في تحرّك يعكس تزايد الغضب من سياسات الرئيس قيس سعيّد، وسط اتهامات له بفرض حكم استبدادي وفشل ذريع في معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. والسؤال هل يذهب النظام السياسي في تونس إلى تصحيح المسار؟ أم سيبقى حتى يتدحرج المشهد باتجاه الانفجار؟
في سابقة من نوعها جاء الحراك الميداني الواسع الذي شهدته تونس بقيادة ائتلاف نقابي وحقوقي عريض تشكّل في إطار "هيئة تنسيقية" تضم 9 منظمات وطنية ومدنية كبرى، في مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونقابة الصحافيين.
وتجاوزت الهبّة الجماهيرية البُعد النقابي، عندما قدّمت مشهداً منفرداً ونادراً لوحدة الصف السياسي والمطالب الجماهيرية، وقد شاركت أحزاب المعارضة من مختلف الأطياف والأيديولوجيات في الحراك الجماهيري، مُعلنة تجاوز الخصومات السابقة؛ وقد تجمّع المحتجّون في ساحة محمد علي الحامي، المعقل التاريخي لاتحاد الشغل، مردّدين ومستدعين شعارات ثورة الياسمين التونسية مثل "الشعب يريد إسقاط النظام" و"شغل، حرية، كرامة وطنية" و "لا خوف لا رعب... الشارع ملك الشعب". قبل أن يتوجهوا إلى شارع الحبيب بورقيبة الذي أُطلقت منه شرارة ثورة الياسمين قبل 15 عاماً.
هذا الحراك الجماهيري يعني أن الشارع استعاد صوته، ويعكس تحولاً جوهرياً في حيثيات المشهد السياسي التونسي، وينقل الصراع بين الشارع التونسي ورأس النظام من الغرف المغلقة ومواقع التواصل الاجتماعي والميادين الافتراضية إلى الميدان الحقيقي المفتوح على كل الاحتمالات، الأمر الذي يضع نظام الرئيس قيس سعيّد أمام تحديات كبيرة وغير مسبوقة منذ استئثاره بالسلطة في صيف 2021 تحت شعار تصحيح المسار.
ويكتسب هذا الحراك الجماهيري أهميته الاستراتيجية من طبيعة مكوّناته والقوى المحرّكة له. فخلافاً للموجات الاحتجاجية السابقة التي كانت تتّسم بالانقسام الحزبي أو تقتصر على فصيل سياسي بعينه، جاء هذا الحراك نتاج عمل تنسيقي مُنظم أُعلن عنه في الـ 29 من أيلول/ سبتمبر الماضي، عقب توقيع بيان مشترك بين 9 منظمات مدنية ونقابية.
وبالتالي، فإن التقاء هذه القوى والأحزاب السياسية المعارضة يُعد محاولة لتأسيس ما يمكن وصفه بـ"الكتلة التاريخية" التي تجاوزت مبدئياً خلافاتها وحساباتها الضيقة ونزلت إلى الشارع، وقد أخذت على عاتقها تصحيح المسار، لتصبح استعادة الحقوق الوطنية خياراً لا رجعة عنه. صحيح أن الإطار التنسيقي لم تتضح الرؤية لديه بعد ويرفع شعارات مركزية وكبيرة وفضفاضة، إلا أنه يُعتبر نافذة مهمة لمواجهة تغوّل السلطة التنفيذية ومحاولة لدق جدران الخزان لإسقاط الخوف وإعلان انتهاء تجريم الاحتجاج وشيطنة النزول إلى الشارع.
في قراءة مآلات المشهد التونسي ومستقبل السلطة على بوابة الخريف، فإن الحراك الحاصل لن يتوقف أو يتراجع، ذلك أن أسبابه ومحرّكاته والروافد التي تغذّيه مستمرة، وهي الانسداد السياسي والانهيار الاقتصادي، وكلاهما أفضى إلى تمدد القمع السياسي وتآكل هوامش الديمقراطية. وبالتالي، فإن حالة الغضب الجماهيري الحاصلة ستستمر حتى تنتهي إلى حل جذري بعيداً عن الصفقات والمحاصصة والوعود والحلول المبسترة.
والشاهد أنه منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في الـ 25 من تموز/ يوليو 2021، والتي حلّ بموجبها البرلمان المنتخب وعزل مجلس القضاء وبدأ الحكم بمراسيم وصياغة دستور جديد، سارت تونس نحو مركزية مطلقة للسلطة. وتحوّل المشهد السياسي في تونس إلى حملة قمع متصاعدة استهدفت المجتمع المدني والصحافيين وقادة المعارضة وزجّ العشرات خلف القضبان في قضايا تتعلق بالتآمر على أمن الدولة والتضييق على الحريات العامة والعمل النقابي.
والرئيس –قيس سعيّد- الذي ادعى أن إجراءاته الاستثنائية من أجل تصحيح المسار، لم يُقدم مشروعاً سياسياً واضحاً ومحدد الملامح والمعالم، ولم تظهر بوادر أي تنمية اقتصادية، وتردّت الأوضاع وأصبح المواطن التونسي يُعاني من غلاء معيشي حاد، وتراجع في القدرة الشرائية غير مسبوق، فضلاً عن نقص الأدوية والسلع الأساسية وانقطاع المياه والكهرباء. ووفق المعطيات المالية، لا يوجد في أجندة النظام السياسي التونسي أي انفراجة مالية او اقتصادية، نظراً للعجز المالي وشحّ التمويل الخارجي واستنزاف البنك المركزي، الأمر الذي يُهدد بتضخم مالي كبير يصعب احتواؤه.
المفارقة أنه رغم كل التردي السياسي والاقتصادي الحاصل في تونس وانسداد الأفق وانغلاق الأبواب، يرفض الرئيس قيس سعيّد وأنصاره الذهاب باتجاه تفكيك الأزمة وإيجاد الحلول، متمسّكين بسردية تصحيح المسار، وفي عُرفهم وتقديرهم بأنه لا مكان للأحزاب السياسية والنقابات؛ حتى حراك تشرين الأول/ أكتوبر الحاصل بدلاً من التقاطه ومحاورته والاستماع إليه، تجري عملية شيطنته وتخوينه، وقطع آخر شعرة بين الحراك وبين النظام وأذرعه السياسية والاجتماعية؛ وبالفعل هُوجم الحراك الجماهيري وجرى التشكيك في نزاهة الحراك وخلفيته ومكوّناته، واتُهم اتحاد الشغل بأنه شريك في المسؤولية عن الأزمات الاقتصادية، وأن حركة النهضة تحرّك الشارع للهروب من المحاسبة القضائية، بينما تختبئ الجمعيات الحقوقية المشارِكة في الحراك الجماهيري وراء التمويل الأجنبي لتمرير أجندات تمسّ بالسيادة الوطنية. وهذا يعني أن الصدام آتٍ لا محالة، وأن المشهد سيذهب إلى الحسم لا إلى الحوار.
عند إجراء قراءة نقدية لمسار الأحداث في تونس منذ عام 2021 وحتى حراك أكتوبر/ تشرين الأول 2026، يتضح أن سردية تصحيح المسار نجحت بالفعل، ولكن في تفكيك النظام البرلماني، وإقصاء الأحزاب السياسية عن مركز القرار، وتحييد الهياكل الوسيطة، واتساع المسافة بين النظام والشارع، واختلاف الخطاب السياسي الرسمي عن الواقع السياسي والوقائع الاقتصادية، وأن الحاضنة الشعبية لا تحمي ولا تنحاز إلى نظام سياسي لا يمتلك القدرة على تلبية الحد الأدنى من المطالب الحياتية للمواطنين. حتى لو استمر في مضغ الماء وشيطنة المعارضة وتجريم التظاهر، لأنه عندما يأتي حراك الخريف تسقط الأوراق والحصون معاً.
عطفاً على ما سبق، وبناء على المعطيات الميدانية والسياسية والاقتصادية التي تعصف بالمشهد التونسي، فإننا أمام السيناريوهات التالية: الأول: استدامة الاستبداد واستمرار الوضع الحالي، أي قدرة النظام على التعافي ومواجهة الحراك بالاستعانة بالأجهزة الأمنية والتنفيذية من جهة، وضعف المعارضة عن تقديم مشروع بديل، ويراهن هذا السيناريو على استسلام الشارع.
السيناريو الثاني: الانفجار الشامل والذهاب باتجاه الفوضى، ولا سيما إذا عجزت الحكومة عن توفير الحد الأدنى من متطلّبات السلع الأساسية، وتدحرج التضخم وتراجعت القوة الشرائية، وبالتالي انفجار الشارع التونسي ضد الجميع، النظام والأحزاب. أما السيناريو الثالث: فهو متفائل ويعني الوصول إلى تسوية حقيقية وتأسيس الجمهورية الثالثة، وذلك أن ينجح حراك الهيئة التنسيقية ليصبح إطاراً ذا قاعدة شعبية جماهيرية قادراً على الضغط على النظام السياسي وإجباره على الذهاب إلى الحوار وإنهاء سياسة الانفراد بالقرار؛ وبالتالي الوصول إلى توافق مشترك يؤسّس لشراكة سياسية حقيقية بين النظام والمعارضة، شرط أن ينعكس هذا التوافق على انفتاح سياسي وانفراجة اقتصادية يشعر بها المواطن التونسي.
ختاماً، تقف تونس الآن على قارعة منطقة رمادية حرجة، فالحراك الحاصل يحمل رسالة قوية، مفادها أن الترهيب والشيطنة والاعتقال لم تنجح في ترويض الشارع وتأميمه، وأنه مثلما يتبنّى النظام شعار تصحيح المسار، فإن الشارع هو أيضاً له رؤيته في تصحيح المسار، وأن إصرار النظام على فرض رؤيته وموقفه وشيطنته لكل من يخالفه يعني أن تونس قاب قوسين أو أدنى من الثورة، وأن الشارع التونسي قد يكتب فصلاً جديداً من تاريخه ونضاله إذا لم يُنصَت لصوته.