توم برّاك .. مفوض سامٍ أم وزير مستعمرات!

توم برّاك الذي ورث  ما حقّقه عملاء بريطانيا في الشرق الأوسط يبدو أنه يحلم بالمزيد ليسير على طريق وزير المستعمرات البريطاني تشرتشل.

0:00
  •  سبق لبرّاك أن دعى الأتراك
    سبق لبرّاك أن دعا الأتراك "للعودة إلى الذكريات العثمانية".

بعد النجاحات التي يعتقد أنه حققها على صعيد علاقاته مع القيادات السورية والتركية واللبنانية وجعلها تأتمر بأوامر أو تعليمات وفي الحد الأدنى توصيات الرئيس ترامب، حيث عيّنه سفيراً في أنقرة وفي الوقت نفسه مبعوثاً خاصاً له في سوريا ولبنان، أراد توم برّاك أن يثبت لصديقه ترامب أنه يستطيع  أن يفعل أكثر من كل هذا في المنطقة وربما أكثر من الوزير كسينجر.

وبالتذكير بعلاقاته الوطيدة والمتشابكة منذ أكثر من عشرين عاماً مع حكام الخليج، ولا سيما الإمارات والسعودية وقطر،  وهي الأطراف الفاعلة في كل أزمات المنطقة، وخصوصاً سوريا والعراق، توجّه برّاك الأسبوع الماضي  إلى بغداد لينقل للمسؤولين فيها ما أراد الرئيس ترامب أن يقوله لهم جميعاً.

وجاءت الزيارة بعد الإعلان رسمياً عن نتائج الانتخابات البرلمانية التي  أثبتت من جديد تصدّر الشيعة للمشهد السياسي في العراق، على الرغم من محاولات أعدائهم في الداخل والإقليم والخارج عرقلة ذلك بالأساليب السرية والمعلنة.

وفي مقدمة هذه الأساليب الحملات الإعلامية ومساعي تمزيق وحدة الصف الشيعي مقابل مساعي مماثلة من الإمارات  والسعودية وقطر والأردن وتركيا  لتوحيد وحدة الصف السني، بعد أن فشلت مساعي توحيد الصف الكردي الذي يمثله الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة عائلة مسعود البارزاني المقربة من أنقرة وواشنطن والعواصم الغربية.

ومع تناقض المعلومات عن مضمون المباحثات التي أجراها برّاك مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني فقد كان واضحاً أن برّاك قد أوصى "صاحب المنزل" بضرورة ترتيب أمور المنزل الداخلية، وفق المزاج الأميركي أي الإسرائيلي الذي يخطط منذ فترة للتخلص من سلاح الحشد الشعبي في العراق، كما يخطط منذ فترة للتخلص من سلاح حزب الله في لبنان.

وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري، وهو من عائلة البارزاني، علّق على زيارة برّاك بأن"أميركا تقول إنها لن تتدخل، لكن لديها سياسة وشروط تجاه تشكيل الحكومة القادمة، ولا تخفي هذه الشروط، ومنها أن تكون الحكومة الجديدة مستقلة ولها سيادتها وبعيدة عن التأثيرات السلبية لإيران، ويجب ألا يكون للجماعات المسلحة دور سياسي في الحكومة القادمة.

 وفي هذا الإطار، قالت الأوساط السياسية في بغداد إن برّاك لم يهمل تحذير السوداني من "مغبة المزيد من التقارب والتحالف مع إيران"، الهدف الأخير في مخططات التحالف الأميركي- الإسرائيلي - الإقليمي الذي يهدف إلى إبعاد طهران من مجمل السيناريوهات الإقليمية وحتى يتسنى للتحالف المذكور أن يحسم ملف التطبيع العربي والإسلامي مع الكيان العبري.

ومع أن التحالف المذكور أصيب بخيبة أمل واضحة بنتائج الانتخابات العراقية، حيث حققت الأطراف الشيعية بمختلف انتماءاتها السياسية فوزاً كبيراً عندما حصلت على 197 مقعداً مقابل 67 مقعداً للأطراف السنية و 56 مقعداً للفصيلين الكرديين.

أراد التحالف الصهيو/ أميركي أن يجرب حظه مع نوع جديد من الاستفزاز الكردي-الإقليمي ضد طهران  عندما وجّه الكثيرون أصابع الاتهام إلى إيران، وقالوا إنها المسؤولة عن الهجوم الذي استهدف حقل كورمور للغاز بمحافظة السليمانية شمال العراق.

وصادف كل ذلك أحاديث المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين بل وحتى الأوروبيين عن  "اقتراب" موعد العدوان الإسرائيلي الجديد على إيران.

ومن دون أن تعني كل هذه التطورات أن توم برّاك الذي رافق قداسة البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته إلى إسطنبول  وقال إن الرئيس ترامب مهتم بها جداً، لم يهتم بأمور أخرى خارج المنطقة التي يبدو أنه قد تحوّل فيها إلى "وزير مستعمرات" بعد أن كان "مندوباً سامياً" لأميركا في سوريا ولبنان وعبر تركيا وريثة الدولة العثمانية التي حكمت الدولتين ودول المنطقة لمدة 400 عام.

وربما لهذا السبب سبق لبرّاك أن دعا الأتراك "للعودة إلى الذكريات العثمانية" بعد أن تحدث عن "نهاية حقبة الجمهوريات الوطنية في الشرق الـوسط"، داعياً الجميع "للمصالحة والعمل المشترك من أجل مستقبل جديد للجميع".

وهذا ما فعله برّاك عندما تحدث لصحيفة كاثيميريني اليونانية (2-12) إذ أكّد "ضرورة المصالحة بين اليونان وتركيا" وقال عنهما "إنهما دولتان مهمتان جداً بالنسبة إلى الحسابات الأميركية لأنهما حلقة متواصلة للمصالح الأميركية تمتد من بحر قزوين الغني بالبترول  والغاز  إلى الأبيض المتوسط وعبر بحر إيجة المشترك".

توم برّاك الذي ورث  ما حققه عملاء بريطانيا في الشرق الأوسط من أمثال لورنس في سوريا ولبنان و بيرسي كوكس في السعودية والخليج وغيرترود بيل في العراق يبدو أنه الآن يحلم بالمزيد ليسير على طريق وزير المستعمرات البريطاني تشرتشل، وبعد أن حظي بالثقة المطلقة التي منحها له صديقه وشريك عمله الرئيس ترامب وسلاحه الأقوى في المنطقة هو حكامها الذين يأتمرون بأوامره وهم الآن رهن إشارة براك صديق الثنائي الرئيس ترامب وجيفري  ابستين!