بنك أهداف كبير لـ "داعش"... لماذا الآن؟

إذا كانت الإدارة الأميركية تمتلك هذا الكمّ من المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، فلماذا لم تُستثمر في وقت سابق؟ ولماذا تُركت هذه البنى قائمة بما أتاح للتنظيم إعادة الانتشار والتكيّف ميدانياً؟

0:00
  • لم يعد
    لم يعد "داعش" بحاجة إلى دولة ولا إلى حدود، بقدر حاجته إلى بيئة هشّة.

شنّت الولايات المتحدة مؤخّراً هجوماً جوياً واسعاً في سوريا استهدف ـــــ بحسب تصريحات مسؤوليها ـــــ نحو 70 موقعاً قالت إنها تابعة لتنظيم "داعش"، وذلك ردّاً على مقتل جنديين أميركيين ومترجم مدني في مدينة تدمر وسط البلاد. ولم يستبعد مسؤولون عسكريون أميركيون استمرار هذه الهجمات لعدة أسابيع مقبلة.

التحرّك العسكري الأميركي، الذي جاء بمشاركة مقاتلات حربية أردنية، أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً حول طبيعة الحرب التي يقودها التحالف الدولي ضدّ التنظيم. فقد أظهر حجم العملية أنّ لدى التحالف قاعدة بيانات واسعة عن البنية العسكرية لـ "داعش"، تشمل بنى تحتية، ومستودعات أسلحة، ومواقع لوجستية وعسكرية موزّعة على مناطق جغرافية مختلفة داخل سوريا. وهو ما دفع كثيرين إلى التساؤل:

إذا كانت الإدارة الأميركية تمتلك هذا الكمّ من المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، فلماذا لم تُستثمر في وقت سابق؟ ولماذا تُركت هذه البنى قائمة بما أتاح للتنظيم إعادة الانتشار والتكيّف ميدانياً؟

ثلاثة احتمالات… وسؤال القرار

للإجابة عن هذا السؤال، يمكن طرح ثلاثة احتمالات رئيسية، مع الإقرار بأنّ الواقع قد يكون مزيجاً منها جميعاً.

الاحتمال الأول يتمثّل في أنّ المعلومات الاستخباراتية المتعلّقة بالأهداف جُمعت حديثاً، بالتزامن مع هجوم تدمر، وأنّ واشنطن سارعت إلى استثمارها فوراً. غير أنّ هذا التفسير يصطدم بحجم بنك الأهداف المُعلن عنه، إذ يصعب افتراض أنّ تنظيماً يعمل تحت مراقبة جوية واستخباراتية لصيقة تمكّن خلال فترة قصيرة من إعادة بناء عشرات المواقع ذات الطابع العسكري من دون رصد مسبق.

وإذا صحّ هذا الاحتمال، فإنه يشير إلى أنّ "داعش" لا يزال يمتلك قدرة معتبرة على المناورة، واستغلال الثغرات، وربما تنفيذ اختراقات أمنية إضافية مشابهة لما حدث في تدمر. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مصادر في قوات سوريا الديمقراطية أنّ التنظيم نفّذ 117 هجوماً في شمال شرق سوريا حتى نهاية آب/أغسطس الماضي، مقارنة بنحو 73 هجوماً طوال عام 2024، ما يعكس تصاعداً في نشاطه العملياتي رغم تراجع قدراته التقليدية.

الاحتمال الثاني يفترض أنّ بنك الأهداف لم يكن وليد اللحظة، بل جُمِع على مدى أشهر وربما سنوات، في إطار عمليات الرصد المستمرة التي ينفّذها التحالف عبر الطائرات المسيّرة، والاستطلاع الجوي، والمداهمات المحدودة. ووفق هذا السيناريو، فإنّ هجوم تدمر شكّل ذريعة سياسية وأمنية لاستخدام هذا البنك دفعة واحدة، في عملية ذات طابع ردعي وإعلامي، أكثر من كونها تحوّلاً جذرياً في استراتيجية المواجهة.

ويعزّز هذا الطرح التباين الواضح بين عدد الأهداف المُعلنة وحصيلة القتلى، التي لم تتجاوز ـــــ بحسب البيانات الرسمية ـــــ خمسة أشخاص. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه الأهداف:

هل كانت مواقع نشطة فعلاً تشكّل عقد دعم وقيادة للتنظيم؟ أم مستودعات مهجورة ونقاطاً قديمة لم تعد تؤدّي دوراً مركزياً في بنيته العملياتية؟

أما الاحتمال الثالث، والأكثر تركيباً، فيرتبط بطبيعة الاستراتيجية الأميركية نفسها في التعامل مع التنظيمات الجهادية. فبدلاً من السعي إلى إنهاء هذه التنظيمات بشكل كامل، تبدو المقاربة الأميركية أقرب إلى سياسة "إدارة الخطر"، أي إبقاء التنظيم في حالة إنهاك دائم، من دون السماح له بالتحوّل إلى كيان مسيطر على الأرض، وفي الوقت نفسه من دون الذهاب إلى حسم نهائي قد يفرض أعباء سياسية وأمنية، أو يعيد تشكيل موازين القوى المحلية والإقليمية بصورة غير مرغوبة.

هذه المقاربة تفسّر نمط الضربات المتقطّعة، وعدم استدامتها، كما تفسّر استمرار الوجود العسكري الأميركي في سوريا والعراق، تحت عنوان مواجهة تهديد لم يُقضَ عليه رغم مرور أكثر من 11 عاماً على تشكيل تحالف دولي يضمّ 88 دولة لمحاربته.

ما وراء السردية العسكرية

إلى جانب العملية العسكرية نفسها، تبرز إشكالية أخرى تتعلّق بالسردية الإعلامية الأميركية للهجوم، إذ جرى التركيز على عدد الأهداف ونوعيّة الذخائر المستخدمة، من دون تقديم معلومات واضحة حول مستوى نشاط هذه المواقع أو أهميتها العملياتية. وهو نمط يتكرّر في كثير من العمليات العسكرية الحديثة، حيث تُستخدم الأرقام لإدارة الرأي العامّ، أكثر من توصيف الواقع الميداني بدقة. إذ لم يتمّ توضيح ماهية هذه الأهداف. هل هي مثلاً مستودعات مهجورة ومراكز قديمة عائدة للتنظيم؟ أم هي مراكز نشطة ونقاط دعم لوجستي؟

لا شكّ أنّ تنظيم "داعش"، الذي أعاد هيكلة نفسه ليعمل عبر خلايا عنقودية شبه مستقلة في حركتها وتمويلها وعملياتها، لا يزال يشكّل تهديداً أمنياً لدول المنطقة. غير أنّ الخطر الأعمق لم يعد محصوراً في قدراته العسكرية، بل في الانتشار المتزايد لأفكاره ونموذجه العملياتي وسرديته القائمة على المظلومية والعنف.

فما شهدته دول غربية، مثل أستراليا وغيرها، يعكس انتقال التهديد من الجغرافيا إلى الفكرة، ومن السيطرة على الأرض إلى استغلال البيئات الهشّة اجتماعياً وسياسياً. وهذا الانتشار لا يرتبط فقط بتنامي الأفكار المتطرّفة، بل يتغذّى أيضاً على السياسات الغربية في التعامل مع دول العالم الثالث، وما أنتجته من فقر وتهميش ونزاعات طويلة الأمد، ودعم مباشر أو غير مباشر لحروب وانتهاكات واسعة طالت ملايين المدنيين.

وما دامت هذه السياسات قائمة، وما دامت جذور الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من دون معالجة حقيقية، فإنّ تنظيمات مثل "داعش" ستظلّ قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، حتى من دون الحاجة إلى السيطرة على الجغرافيا.

بيئة هشّة فقط!

باختصار، لم يعد "داعش" بحاجة إلى دولة ولا إلى حدود، بقدر حاجته إلى بيئة هشّة، وشعور بالظلم، وسردية اضطهاد قابلة للتوظيف. وهو ما يطرح سؤالاً مفتوحاً يتجاوز حدث تدمر والهجوم الأخير:

هل تخوض الدول الغربية حرباً حقيقية ضدّ التطرّف، أم تكتفي بإدارة نتائجه، من دون مراجعة السياسات التي أسهمت في إنتاجه وإعادة إنتاجه؟ وهل يمكن القضاء على تنظيم، من دون معالجة الشروط التي سمحت بظهوره واستمراره؟