انهيار معبد الديمقراطية الأميركية
بين ضغوط الداخل والخارج والأزمات المتفاقمة، تحوّل النموذج الديمقراطي الأميركي إلى مسخ يثير غضب الشعوب والحكومات.
-
تحوّل النموذج الديمقراطي الأميركي إلى مسخ يثير غضب الشعوب والحكومات.
أكثر لقب يحبه الأميركيون عند وصف بلدهم هو "بلد الأحرار" الذي يتضمنه نشيدهم الوطني، رغم أن الكاتب البريطاني جورج برنارد شو سخر من وصف أميركا ببلد الحرية عندما قال: "إن تمثال الحرية موجود في الولايات المتحدة بالذات، ودون أي مكان آخر في العالم؛ لأن البشر عادة لا يقيمون التماثيل إلا للموتى".
في ولاية منيسوتا الأميركية تقع مدينة مينيا بولس التي شهدت واحداً من أشهر أعمال القمع القائمة على التمييز العنصري عندما قام أحد رجال الشرطة عام 2020 بقتل المواطن الأميركي الأسود جورج فلويد، الذي تحولت قضيته إلى قضية عالمية للاحتجاج على التمييز العنصري.
جريمة جديدة وضحية بيضاء
يوم الأربعاء 7/1/2026 ارتكب عملاء إدارة الهجرة عملية إعدام للناشطة الحقوقية "رينيه نيكول جود" بإطلاق رصاصة على رأسها وهي داخل سيارتها.
وقعت الجريمة على بعد أقل من 2 كلم من موقع الجريمة التي ارتكبت بحق جورج فلويد. الجريمة الجديدة ليست معزولة عن سلسلة من الجرائم التي ارتكبت بحق معارضي سياسات ترامب الداخلية المتعلقة بالهجرة بشكل خاص، وكذلك سياساته الخارجية المتعلقة بالعدوان على الدول ودعمه لجريمة الإبادة التي يرتكبها العدو الصهيوني في غزّة.
شهد عام 2024 إعدام النائبة الديمقراطية ميلسا هورتمان وزوجها داخل سيارتهما في ولاية منيسوتا، واغتيال عاملة في الخدمات الصحية في مراكز اللاجئين في ولاية نيويورك، وكذلك إعدام الناشط في حركة "ماغا" تشارلي كيرك بعد وقوفه ضد سياسة ترامب في غزّة.
رينيه جود، سيدة في السابعة والثلاثين، وأم لثلاثة أطفال أصغرهم في السادسة، معروفة بمعارضتها لسياسة ترامب تجاه المهاجرين، لكنها حسب وصف والدتها لم تتورط طوال حياتها في نشاط غير قانوني من أي نوع.
حرب الداخل تهز المجتمع
تعليقاً على ما حدث في مينيا بولس، تساءل أحد المعلقين "هل أصبحنا نعيش قمعاً يشبه قمع دول العالم الثالث؟" ويضيف معلق آخر "يكفي أن توجد في المكان والزمان الخاطئين لتعتقل أو تقتل حتى لو لم تكن مهاجراً".
في مفارقة تشير إلى الطبيعة العنصرية للإجراءات، اعتقل عملاء دائرة الهجرة مواطنة من السكان الأصليين وحاولوا ترحيلها، السبب أن بشرتها ليست بيضاء، احتاج الأمر لتوقيفها ليلة كاملة لتثبت أنها مواطنة. مشهد ينتمي إلى مسرح اللامعقول، مهاجر وصل أجداده إلى تلك الأرض قبل مئتي سنة، يعمل على ترحيل أصحاب الأرض الذين سكنوها آلاف السنين.
لم تبد وزيرة الأمن الداخلي الأميركية "كريستي نوم" تعاطفاً مع الضحية، "رينيه جود"، إذ صرحت بأن ما قام به العميل الفيدرالي "مبرر، لأنه كان في حالة دفاع عن النفس"، وتبنى الرئيس ترامب السلوك نفسه عندما وصف القتيلة بأنها "محترفة شغب"، ونسج نائب الرئيس جي دي فانس على المنوال نفسه بقوله: "لا شك أن مقتل هذه السيدة يشكل مأساة لكنها مأساة صنعتها بنفسها".
منذ بداية الحملة، طردت الولايات المتحدة 2.1 مليون مهاجر، منهم 1.6 تم ترحيلهم بالقوة، واستعملت الإدارة الأميركية قضية الهجرة غير الشرعية للضغط على دول أميركا الجنوبية وبشكل خاص المكسيك وكولومبيا وفنزويلا. من جانب آخر، تقول إحصائيات دائرة الهجرة إن الهجمات على عملائها ازدادت بنسبة 1000% خلال عام 2024. بالمقابل، دعت جماعات حقوق الإنسان إلى 1000 مظاهرة في مختلف المدن الأميركية احتجاجاً على سياسات إدارة ترامب في الداخل الأميركي.
لماذا قضية "رينيه جود"؟
ما فعلته رينيه جود لم يكن حادثاً منعزلاً، بل جزءاً من حملة واسعة يقوم بها الناشطون المعارضون لسياسات ترامب. في حال ظهور مركبات دائرة الهجرة، يقوم هؤلاء الناشطون بإعاقة السير وإطلاق أبواق سياراتهم تحذيراً للمهاجرين لكي يغادروا مواقع العمل أو المنازل، والأهم محيط المدارس حيث ينتظر عملاء دائرة الهجرة عائلات المهاجرين التي تحضر أبناءها إلى المدرسة. هذه الشبكات آخذة بالاتساع وبدأت تحقق نجاحات مهمة في إعاقة عمل العملاء الفيدراليين.
أكثر ما تخشاه إدارة ترامب تحول القضية إلى حالة احتجاج شعبي كتلك التي حدثت بعد مقتل جورج فلويد، وأن تتدخل حركات احتجاجية مثل حركة "حياة السود مهمة BLM" التي تتبنى سياسات مناهضة للقمع البوليسي، وتعقد مقارنة بين ممارسات القمع التي تعتمدها الشرطة الأميركية وسياسة الإبادة الجماعية التي يرتكبها "جيش" العدو الصهيوني في فلسطين.
لقد تم التركيز على منع العملاء الفيدراليين الأطباء من الوصول إلى رينيه ومحاولة إسعافها، وممارسات "جيش" الاحتلال تجاه الفلسطينيين. تمتلك حركة" حياة السود مهمة" التي تأسست عام 2014، وترفع إلى جانب شعارها الرئيس شعارات من قبيل "فلسطين حرة" و "نقف مع فلسطين" أكثر من 30 فرعاً في المدن الأميركية، وتشكل قلقاً لإدارة ترامب بإعادة إطلاق حركات احتجاج تشابه تلك التي انطلقت إبّان العدوان على غزّة، وأن تتحد هذه الاحتجاجات مع مثيلتها التي تعارض سياسة ترامب في فنزويلا، لتشكل مجتمعة ضغطاً سياسياً داخلياً مهماً على فرص الحزب الجمهوري في انتخابات الكونغرس النصفية القادمة.
كما أن حركة الاحتجاج والإدانة التي تتعرض لها الولايات المتحدة في الخارج خاصة من حلفائها الأوروبيين حول قضية غرينلاند، وكذلك في أميركا الجنوبية حول عملية اختطاف الرئيس مادورو، التي توصف على أنها إرهاب دولة تجعل أميركا مكروهة في العالم بشكل لم يسبق له مثيل، ما قد يدفع بعض المنظمات أو الأفراد إلى القيام بعمليات تستهدف المصالح والأهداف الأميركية حول العالم.
هل ينهار المعبد؟
بين ضغوط الداخل والخارج والأزمات المتفاقمة، تحوّل النموذج الديمقراطي الأميركي إلى مسخ يثير غضب الشعوب والحكومات. هنا، يتساءل أحد الصحفيين: هل أميركا مهددة بالتقسيم؟ سؤال يبدو غبياً في ظل استعراض القوة الذي يقوم به ترامب، لكن هذا الاستعراض نفسه قد يكون السبب المباشر لاندلاع مواجهات بين السلطات المحلية والسلطة الفيدرالية قد تنتهي باختفاء أميركا التي نعرفها.