انكشاف الملعب الأميركي الأردني امام التهديف الإيراني: رسائل لـ"تل أبيب" بقضاء الجغرافيا
انخراط عمّان في المجهود الحربي الأميركي - الإسرائيلي يضع النظام الأردني أمام أزمة داخلية ومخاطر استراتيجية متصاعدة.
-
انكشاف الملعب الأميركي الأردني امام التهديف الإيراني: رسائل لـ"تل أبيب" بقضاء الجغرافيا
"كان الجنود الأميركيون يرعون الغنم ويتنعمون في صحاري الأردن، لأنه ليست هناك قواعد أميركية في الأردن". يعيدنا هذا التصريح الفكاهي المنسوب إلى وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى المشهد نفسه، عندما قتلت المقاومة الإسلامية في العراق 3 من الجنود الأميركيين وأصابت أكثر من 40، مطلع عام 2024، عبر طائرة مسيّرة استهدفتهم في قاعدة "البرج 22" العسكرية، في أقصى شمال شرقي الأردن، قرب المثلّث الحدودي مع سوريا والعراق.
كان البيان الرسمي الأميركي في ذلك الوقت، الذي اعترف بمقتل جنود أميركيين على يد المقاومة العراقية إسناداً لغزة الذبيحة، والصادر عن الرئيس الأميركي جو بايدن، يؤكّد أنّ تلك القاعدة موجودة في الأردن، لكنّ المصادر الأردنية الرسمية والمقرّبة منها ظلت تنفي أنّ هذه أرض أردنية.
كان المشهد في ذلك الوقت مستوعَباً، وإن بصورة نسبية، لأنّ غزة كانت تنزف بغزارة، ولم ينجدها إلا بضعة رجال من النشامى، بدأوا باستهداف القوات الأميركية والإسرائيلية المغروسة كالخنجر المسموم في الأرض العربية.
ولم تكن القواعد الأميركية في الأردن مكشوفة للعامّة، داخل الأردن أو خارجه، فتطلّب الأمر أردنياً التستر على الفضيحة.
والحقيقة التي تؤكّدها الصحافة الأميركية مراراً، وذكرت بعضها مصادر أميركية رسمية، أنّ الأردن يضمّ القواعد العسكرية ومراكز الاحتجاز المنسوبة إلى الولايات المتحدة الآتية:
أولاً: القواعد والمنشآت العسكرية
بحسب تقارير أميركية رسمية وتقارير صحافية، مثل تقارير "خدمة أبحاث الكونغرس" (CRS)، و"نيويورك تايمز"، و"رويترز"، ووزارة الدفاع الأميركية، فإنّ من أبرز المواقع:
1. "البرج 22" (Tower 22): وهو قاعدة تقع في أقصى شمال شرقي الأردن، يستخدمها الجيش الأميركي ضمن عمليات ما يسمى دعم التحالف الدولي ضد تنظيم "داعش"، وقد انكشفت رسمياً بعد هجوم عام 2024.
2. قاعدة موفق السلطي الجوية (Muwaffaq Salti Air Base) في الأزرق: وهي أكبر موقع تستخدمه القوات الجوية الأميركية في الأردن، وقد شهدت توسّعات بتمويل أميركي كبير لاستقبال الطائرات المقاتلة وطائرات الاستطلاع. وهي تضم نحو 50% من التحشيد الأميركي المستحدث بعد حرب حزيران/يونيو من العام الماضي ضد إيران، نظراً إلى بُعد الأردن عن الاستهداف الإيراني مقارنة بقرب دول الخليج.
3. مركز الملك عبد الله الثاني لتدريب العمليات الخاصة (KASOTC): وهو مركز تدريب أردني يستضيف تدريبات مشتركة مع القوات الأميركية ودول أخرى؛ أي إنه ليس قاعدة أميركية بالمطلق، لكنه يُستخدم بصورة متكرّرة في التعاون العسكري.
4. قاعدة الأمير حسن الجوية (Prince Hassan Air Base): تقع في شمال شرقي الأردن، وتُعدّ من أهمّ القواعد الجوية الأردنية. وهناك أدلة قوية، من مصادر أميركية وتقارير استخباراتية مفتوحة المصدر، على استخدامها من جانب القوات الأميركية لتشغيل طائرات من دون طيار من طراز "MQ-9 Reaper" وطائرات استطلاع. وتؤكّد تقارير الكونغرس الأميركي ومصادر دفاعية مفتوحة وتحليلات صور الأقمار الاصطناعية هذه الحقيقة.
ثانياً: مراكز الاحتجاز السرية المنسوبة إلى "CIA" في الأردن
بحسب تقرير مجلس الشيوخ الأميركي بشأن برنامج الاحتجاز والتحقيق عام 2014، وتقارير "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية"، وتحقيقات "واشنطن بوست" وشبكة "ABC News"، فإنّ الأردن كان من الدول التي ارتبط اسمها ببرنامج "الترحيل الاستثنائي" (Extraordinary Rendition) بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر.
وكان أبرز ما ورد في المصادر بشأن هذه المراكز:
1. مركز احتجاز تابع لدائرة المخابرات العامة الأردنية (GID): تحدّثت تقارير أميركية ومنظمات حقوقية عن نقل معتقلين إليه لاستجوابهم.
2. برنامج الترحيل الاستثنائي: نُقل من خلاله عدد من المشتبه بهم من جانب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى الأردن لاستجوابهم، ويُذكر الأردن ضمن عدة دول شاركت في هذا البرنامج، إلى جانب مصر والمغرب وأفغانستان وغيرها.
يصرّ الأردن، وجهاز الإعلام الموجّه من نظامه، على نفي وجود هذه القواعد، على الرغم من تأكيده مشاركته في التصدّي للصواريخ الإيرانية التي استهدفت الكيان الإسرائيلي خلال العامين الماضيين، وذلك عبر منظومة "باتريوت" أميركية.
وهو ما دفع إيران إلى تحذير الأردن مراراً من هذه المشاركة، التي تجعل منه عدواً لها، وخصوصاً بعدما بدأت هذه القواعد تؤدّي دوراً رئيسياً، أكثر من بعض القواعد الموجودة في الخليج، في استهداف إيران منذ عدوان شباط/فبراير الماضي حتى الآن.
جاء الاعتراف الأميركي الرسمي الراهن بمقتل 3 جنود أميركيين وإصابة العشرات كلطمة في وجه المضيف الأردني، وتكذيباً لسرديته المضحكة طوال أعوام، وهي سردية شطحت في عقول قطيعها، حتى جعلت من هؤلاء الجنود القتلى والجرحى مجرّد رعاة أغنام في الصحراء.
والمحرج أكثر لهذه السردية أنّ حرس الثورة الإيراني بات أقرب إلى الشعب الأردني من النظام الأردني، ما يجعل هذا النظام في دائرة مخاطر وجودية:
أولاً: دعوة حرس الثورة الشعب الأردني إلى التصدّي للوجود الأميركي
دعا حرس الثورة الشعب الأردني إلى التصدّي للوجود الأميركي في الأردن، ثم أكد أنّ استهداف الوجود الأميركي في ميناء العقبة مؤخراً، والذي دمّر عدة طائرات أميركية بعد نقلها من القواعد المدمّرة في قاعدة موفق السلطي وغيرها، إنما جاء بمساعدة نشامى الأردن وأحراره الذين زوّدوا الحرس بالمعلومات الدقيقة.
ثانياً: دقة الاستهداف الإيراني
في الوقت الذي بات مؤكّداً مقتل وإصابة جنود أميركيين في الأردن، لم يتعرّض أيّ مواطن أردني لأذى من القصف الإيراني حتى الآن، وإن كان ذلك محتملاً في ميدان معركة يجري فيه القصف عبر مسافات بعيدة قد تصل إلى 2000 كيلومتر.
وقد يحصل ذلك نتيجة شظايا الدفاعات الأميركية الأرضية، أو نجاح اعتراض الصواريخ الإيرانية لتسقط فوق رؤوس الأردنيين، لكنه لم يحصل حتى الآن، ما يؤكّد دقة المعلومات الإيرانية ودقة التصويب الإيراني.
ثالثاً: تفاعل الشعب الأردني مع عمليات القصف
شارك عامة الشعب الأردني في تسجيل مقاطع مصوّرة لعمليات القصف الإيراني، وهي مقاطع يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتدحض البيانات الأردنية الساذجة التي تزعم التصدّي لكلّ الصواريخ، فيما تُشاهد وهي تصيب أهدافها على الأرض. وهي مشاركة شعبية تعكس عمق عاطفة الغالبية الأردنية مع إيران، وهي تقاتل نيابة عن كلّ عربي ومسلم.
رابعاً: استدعاء القائم بالأعمال الإيراني
استدعت وزارة الخارجية الأردنية القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية في عمّان، وبلّغته رسالة احتجاج شديدة على استمرار ما أسمته "الاعتداءات الغاشمة". ويأتي هذا الأمر عقب مقتل الجنود الأميركيين وجرحهم، وليس في سبيل حماية الشعب الأردني.
خامساً: مشاركة الدفاعات الإسرائيلية داخل الأجواء الأردنية
شاركت الدفاعات الجوية في الكيان الإسرائيلي في التصدّي للقصف الإيراني داخل الأردن، حيث أعلنت منصات المستوطنين في إيلات، المقابلة للعقبة والتي لا تبعد عنها سوى نحو 10 كيلومترات، مشاهدة هذه المشاركة.
وهو ما حصل سابقاً أيضاً عبر دفاعات انطلقت من شمالي فلسطين المحتلة، ما يجعل الأرض الأردنية مستباحة لشتى أنواع الصواريخ من كلّ الاتجاهات.
سادساً: إخلاء المطارات والمنشآت
أخلى "جيش" الاحتلال الإسرائيلي مطار رامون جنوبي فلسطين المحتلة، عقب إعلان مصادر أميركية رسمية وأخرى إسرائيلية إعلامية أنّ الأردن أخلى مطار عمّان الدولي وميناء العقبة، فيما نفى الأردن ذلك رسمياً.
وهو ما يؤكّد، في مجمله، أنّ الأردن بات جزءاً طبيعياً من المجهود الحربي الأميركي - الإسرائيلي، وكأنّ الأرض الأردنية محتلة فعلياً من جانب الولايات المتحدة وربيبتها "إسرائيل".
يمثّل النجاح الإيراني في تدمير القواعد العسكرية الأميركية في الأردن انكشافاً تاماً للانتشار العسكري والأمني الأميركي في دول التطبيع العربي، وخصوصاً مع النظر إلى الأردن باعتباره ساحة أميركية آمنة في ميزان النار الإقليمي. وهو انكشاف يدفع الحرب نحو خيارات وخطط بديلة، أو نحو تراجعات حادة في الجموح الأميركي في هذه المرحلة.
والأهمّ أردنياً أنه يضع النظام الأردني أمام مخاطر وجودية قد تفاجئ العالم، فيما توجد في عمق نسيجه الاجتماعي قبائل عربية أصيلة باتت تستشعر مسؤوليتها التاريخية الملحّة.