النزعة اليابانية العسكرية كيف تخطئ أميركا في إيقاظ الوحش الذي حاولت قتله سابقاً؟

المؤكّد أنّ من أسقط القنبلتين الذريّتين على هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، ومن قام بإذلال اليابان وإمبراطورها عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية هي أميركا وليس أيّ بلد آخر.

  • هل بلغت الأزمة في أميركا حداً يدفعها لإيقاظ وحش حاولت قتلة سابقاً، كي يحميها من الصين؟
    التطوّرات في الوضع العسكري باليابان أثارت حالة من الجدل بين المحللين الأميركيين.

هل بلغت الأزمة في أميركا حدّاً يدفعها لإيقاظ وحش حاولت قتله سابقاً، كي يحميها من الصين؟

في العام 2023 أقرّت اليابان موازنتها العسكرية للسنوات الخمس التالية (2023-2027)، وقد مثّلت قفزة تاريخية في مضاعفة الإنفاق العسكري إلى 2% من الناتج القومي بما سيصل إجمالاً لنحو 320 مليار دولار، بعد أن ظلّ لعقود من الزمن عند حدّ 1%.

هذه الزيادة الجديدة والتي تمّت بتحريض من الحكومة الأميركية جعلت اليابان ثالث أكثر الدول إنفاقاً عسكرياً في العالم بعد أميركا والصين، ويرجع السبب لاختيار العام 2027 كمحطة زمنية فارقة في خطط التسلّح اليابانية، أنه العام الذي يتوقّع أن يميل فيه ميزان القوة في شرق آسيا لصالح الصين، بحسب تصريح البروفيسور تاكاشي كاواكامي بجامعة تاكوشوكو في طوكيو لوكالة رويترز في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2022.

بل إنّ النقاشات في اليابان بلغت حدّ المطالبة بضرورة امتلاك السلاح النووي في مواجهة القوى النووية المحيطة كالصين وروسيا وكوريا الشمالية.

ومع تحريضات إدارة ترامب لليابان بضرورة إعادة التسلّح، وتصريحها بأنّ القيود الدستورية المفروضة منذ عام 1947 لم تعد مقبولة، تسعى الحكومة اليابانية لمحاولة التغلّب على الفقرة الثانية من المادة التاسعة من دستور اليابان التي تقف عائقاً أمام تأسيس جيش ياباني قوي، وصياغة تعديل دستوري رسمي، بهدف تأسيس جيش دفاع وطني كامل الصلاحيات لتمكين حقّ الدفاع الجماعي الشامل، مستغلّة ضغوط إدارة ترامب والتهديدات الإقليمية.

هذه التطوّرات في الوضع العسكري باليابان أثارت حالة من الجدل بين المحلّلين الأميركيين، والذين بدورهم انقسموا لفريقين: 

1- يبدي عدد من المؤرّخين الأميركيين كأليكسيس دودون ومحلّلين سياسيين كبروس أكرمان، إضافة إلى محلّلين في مراكز أبحاث أميركية مثل Cato Institute، من أنّ الضغط الأميركي على اليابان لمضاعفة إنفاقها العسكري، بالتوازي مع التشكيك المستمر في مدى جدية أميركا في حماية حلفائها خاصة مع عودة شعارات "أميركا أولاً"، يمكن أن يعيد النزعة العسكرية اليابانية مرة أخرى لتصدّر المشهد السياسي، وصعود قادة يابانيين قوميين يطالبون بتعديل الدستور السلمي والتخلي عن قيود الحرب العالمية الثانية، وهو ما لن يستهدف الصين فحسب، بل سيستهدف بالأساس التخلّص من إرث الهزيمة الأميركي وإعادة السيادة المطلقة لليابان.

وهذا الإحياء للنزعة العسكرية سوف يساهم في تآكل التجربة الديمقراطية الليبرالية اليابانية المعاصرة، ودفع طوكيو حتماً لامتلاك سلاح نووي مستقل، وهو خط أحمر ينهي السيطرة الأميركية في المحيط الهادئ تماماً.

2- في المقابل يرى أغلب محلّلي البنتاغون في واشنطن، مثل معهد بروكينغز ومجلس الأطلسي وخبراء المعهد البحري الأميركي، أنّ هناك مبالغة في تقدير خطورة إعادة تسليح اليابان، وأنّ انفصالها عن أميركا هو أمر مستحيل تقنياً وجيوسياسياً، حتى لو امتلكت اليابان جيشاً جراراً. ويستند هؤلاء لبعض المعطيات. 

فخبراء المعهد البحري الأميركي، يعتقدون أنّ الجيش الياباني تمّ تصميمه هيكلياً ليكون بمثابة الدرع والجيش الأميركي الرمح. مشيرين إلى أنّ اليابان تعتمد كلياً على أميركا في تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية، منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات (C4ISR)، ومقاتلات F-35، وصواريخ التوماهوك.

وفكّ هذا الارتباط التقني وبناء منظومة مستقلة يحتاج إلى عقود من الزمن. بينما يرى المحلّلون في مجلس الأطلسي أنّ إحياء العسكرية اليابانية سيؤدّي تلقائياً إلى رفع مستوى التوتر والعداء مع الصين وكوريا الشمالية وروسيا إلى درجات قياسية.

هذا الحصار الجغرافي العدائي سيجعل اليابان أكثر احتياجاً للاعتماد على قوة خارجية كبرى كأميركا لحمايتها، ولن يسمح لها برفاهية التمرّد. أما المحلّلون الاقتصاديون فيشيرون إلى أنّ اليابان جزيرة تفتقر للموارد وتستورد أكثر من 90% من طاقتها من الشرق الأوسط، ولا تملك القدرة على حماية خطوط الملاحة البحرية الطويلة عبر المحيطات بمفردها، وتحتاج دائماً إلى الأسطول الأميركي السابع لضمان تدفّق النفط والتجارة، مما يجعل فكرة الاستقلال التامّ انتحاراً اقتصادياً.

لكن ثمّة عناصر ضعف أخرى في اليابان يراهن عليها أصحاب الرأي الثاني، لعلّ أهمها أنّ المجتمع الياباني ونتيجة لسياسات العولمة أصيب بالأمراض ذاتها التي تعاني منها أوروبا حالياً، فهو مجتمع واهن يعاني من سلبيات الاستهلاكية والنزعات الفردية وتراجع قيم الأسرة والعزوف عن الزواج لمصلحة البحث عن العمل والرفاهية، ومصاب بالشيخوخة وغير قادر على تشكيل جيش قوي حالياً.

أيّ الرأيين هو الأكثر واقعية من الناحية المرحلية وأيّهما أقرب للتحقّق في المستقبل؟

لنعد إلى التراث الياباني من أجل الإجابة عن هذا التساؤل. في عام 1701 بدأت أحداث قصة المقاتلون الـ 47 رونين. تذكر القصة أنّ الأمير الشاب أسانو ناغانوري تعرّض لإهانات مستمرة من مسؤول التشريفات المتنفّذ كيرا يوشيناكا في قصر الشوغون (الحاكم العسكري لليابان).

وبالتالي فقد الأمير صوابه واستلّ سيفه وجرح كيرا داخل القصر. وكنتيجة لهذا الجرم أُجبر أسانو على الانتحار غسلاً للعار، وتمّت مصادرة أملاكه وتشريد رجاله من الساموراي ليتحوّلوا إلى رونين (ساموراي بلا قائد). لكنّ أويشي كورانوسكي (كبير مستشاري الأمير الراحل) وقائد مجموعة الـ 47 رونين أقسم ومجموعته على الانتقام لسيدهم.

ولتضليل عيون الجواسيس، تظاهر الرونين لعامين كاملين بالانحلال، حتى ظنّ الجميع أنهم فقدوا شرفهم. لكن في ليلة شتاء مثلجة عام 1703، شنّ الـ 47 رونين هجوماً مفاجئاً ومنظّماً على قصر كيرا في مدينة إيدو (طوكيو حالياً)، وقطعوا رأسه ثمّ غسلوه ووضعوه على قبر سيّدهم الراحل.

ورغم تعاطف الشعب والشوجون مع نبل دوافع الرونين، لكنّ خرق القانون كان يستوجب العقاب. فسُمح لهم كمكافأة على ولائهم بـ الانتحار المشرّف بدلاً من الإعدام كالمجرمين، ودُفنوا جميعاً إلى جانب سيدهم في طوكيو.

المغزى من هذه الحادثة التاريخية اليابانية، أنّ السلبيات التي يعاني منها الواقع الياباني حالياً كنتيجة لهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، لن تكون عائقاً أمامها في حال قرّرت التمرّد مستغلّة حقيقة التراجع الأميركي الحالي، ووقتها سيجد المجتمع الياباني تحت وهج وتأثير جاذبية الفرصة السانحة والتهديد المقبل من الصين وروسيا مشروعاً جذّاباً يمكنه أن يعيد إليه حيويته التي تآكلت بفعل العولمة. خاصة أنّ اليابان تمتلك بالفعل العقلية والإمكانية العلمية والصناعية التي تمكّنها من الانفصال التكنولوجي والعسكري عن الولايات المتحدة.

كيف ظهرت النزعة العسكرية اليابانية سابقاً؟

 تقول الحكمة اليابانية "كلبك الذي ربّيته يعضّ يدك"، وبالعودة بالتاريخ إلى الوراء تظهر بوضوح الظروف التي شهدها صعود النزعة العسكرية اليابانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عقب إصلاحات ميجي الشهيرة سنة 1868 وتطبيق نظام التجنيد الإجباري سنة 1873، ما مثّل المقدّمة لظهور هذه النزعة في القرن العشرين. وثمّة تشابهات بين ظروف نشأة هذه النزعة سابقاً وبين ظروف إعادة إحيائها حالياً.

كان من نتائج إصلاحات ميجي نجاح اليابان في تأسيس جيش قوي والاستعانة بالمدرسة البريطانية لتطوير قواتها البحرية، وقد أدّى القلق البريطاني من النشاط الروسي في منشوريا ومنغوليا الداخلية إلى التحالف الأنجلوياباني سنة 1902 والذي مكّن اليابان من تحطيم الأسطول الروسي في حرب بحرية سنة 1905.

لكنّ الوحش الذي أطعمته بريطانيا بدأ يصبح مخيفاً لها عقب الحرب العالمية الأولى، وفي مؤتمر باريس 1919 خلال صياغة ميثاق عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، تقدّمت اليابان بطلب رسمي لإدراج بند المساواة العرقية لضمان معاملة مواطنيها والدول الآسيوية على قدم المساواة مع الرجل الأبيض، ما قوبل برفض قاطع من الدول الغربية وعلى رأسها أميركا وبريطانيا وأستراليا، خوفاً من فتح باب الهجرة للآسيويين. 

وكنتيجة لمخاوف الأميركيين من اليابانيين وضغوطهم على بريطانيا التي فضّلت روابطها الثقافية مع أميركا، فقد تمّ توقيع معاهدة واشنطن البحرية في واشنطن في شباط/فبراير 1922، والتي بموجبها أُلغي التحالف الأنجلوياباني رسمياً وتمّ استبداله بنظام أمني متعدّد الأطراف يعتمد نظام الحصص، حيث وضع حداً أقصى لحجم السفن الحربية الرئيسية (البوارج وحاملات الطائرات).

حُدّد بحيث تمتلك كلّ من أميركا وبريطانيا 5 أطنان مقابل 3 أطنان لليابان. وفي عام 1930 تمّ التوقيع على معاهدة لندن البحرية التي وسّعت القيود لتشمل السفن المساعدة والغوّاصات، واستمرت المعاهدة الجديدة في تطبيق نسبة أقل قليلاً لليابان (نحو 7 سفن مقابل كلّ 10 لأميركا وبريطانيا).

هذه الممارسات الغربية اعتبرتها اليابان إهانة قومية بالغة وعلامة على أنّ القوى الأوروبية لن تقبل بيابان غير بيضاء كشريك مساوٍ، ولن تسمح لها بتصدير فائضها السكاني أو دخول النادي الاستعماري، وهو ما ساهم في صعود النخبة العسكرية لسدّة السلطة سنة 1931 عقب غزو منشوريا على حساب النخب المدنية الفاسدة التي وقّعت هذه المعاهدات، وكان من أهمّ مظاهرها انسحاب اليابان من المعاهدتين في سنة 1936، ثمّ توقيعها لاتفاق مناهضة الكومنترن مع ألمانيا وإيطاليا في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1936 وأخيراً التحالف العسكري الكامل معهما سنة 1940.

كانت هناك أسباب أخرى ساهمت في صعود النخب العسكرية للسلطة، مثل الكساد الكبير الذي ضرب اقتصاد العالم بداية من 1929 وأدى إلى انهيار الصادرات اليابانية (خاصة الحرير)، وتضرّر الصناعة بشكل بالغ، خاصة أنّ اليابان تعاني شحّاً شديداً في الموارد اللازمة لصناعتها.

وكنتيجة للأزمة، تعرّض سكان الريف الياباني الذي ينتمي معظم قادة الجيش إليهم لأزمات ساهمت في زيادة النقمة على النخب المدنية والتي فشلت في التعامل معها. وكان الحلّ الذي تبنّاه العسكريون يتمثّل في التوسّع الاستعماري (مثل غزو الصين) كوسيلة لفتح أسواق استهلاكية جديدة وتأمين المواد الخامّ.

هذا الصعود العسكري لم يكن خلواً من الأيدولوجية المغذّية له والتي تمّ نشرها بين الجماهير اليابانية والآسيوية لتحفيزهم على دعم المشروع العسكري. وقد اعتمدت الأيدولوجية اليابانية الداخلية على: 

1-  عبادة الإمبراطور، وتصويره كإله حيّ على الأرض. 

2-  إحياء روح بوشيدو (رمز الساموراي) القديم ونشره بين عامة الشعب؛ وهو معتقد يقدّس الانضباط، والولاء الأعمى، ويفضّل الموت والانتحار (الكاميكازي) على الاستسلام. 

3-  العسكرة الشاملة للمجتمع عبر فكرة أنّ قوة الجيش تساوي قوة الأمة، وتحويل المدارس إلى معسكرات تدريبية لتربية جيل يؤمن بالقتال والتضحية. 

أما الأيدولوجية التي نشرتها اليابان في محيطها الآسيوي فاعتمدت على الترويج لنظام المجال الحيوي الذي يقصد به كتلة الازدهار المشترك لشرق آسيا الكبرى، إضافة إلى القومية الآسيوية والتي تبنّاها كلّ من الزعيم الصيني صون يات صن والشاعر الهندي طاغور، وهما أيديولوجيتان رُوّجتا لأنّ اليابان هي القائد الشرعي لآسيا، وأنّ تمدّدها العسكري يهدف لتحرير الشعوب الآسيوية من الاستعمار الغربي. 

وفي هذا الإطار (فكرة تحرير الشعوب الآسيوية) دعمت اليابان تأسيس وحدات قتالية من المسلمين الإندونيسيين مثل جيش بيتا (حماة الوطن)، الذي تأسس عام 1943 كجيش متطوّعين محلي. وجيش جند الله، الذي تأسس في أواخر عام 1944، كقوة شبه عسكرية مسلحة خاصة بالشباب المسلم. كما تمّ تشكيل الجيش الوطني الهندي، بقيادة القائد القومي الهندي سوبهاس شاندرا بوز، الذي خاض معارك ضارية مع الجيش الياباني ضدّ القوات البريطانية على حدود الهند الشرقية. 

هذا الاستعراض للتاريخ الياباني مع صعود النزعة العسكرية، يشير إلى أنه بالرغم من الوجاهة التي يمتلكها الرأي الذي يقلّل من إمكانية انفلات اليابان من الهيمنة الأميركية وتهديدها على المدى القريب، إلا أنّ الرأي الأول المحذّر من خطورة اليابان يمتلك وجاهة على المديات الأبعد، وأنّ اليابان التي تحالفت سابقاً مع بريطانيا سنة 1902 ضدّ روسيا ومن ثمّ حاربتها في الصين وجنوب شرق آسيا عام 1937، يمكن أن تكرّر هذا السيناريو بصيغة أخرى حيث تتحالف مع أميركا عام 2026 ضدّ الصين، ثم وبعد ثلاثة عقود قد تفرض عليها الظروف المتغيّرة التعاون مع الصين وروسيا والتصادم مع أميركا في الفلبين وأستراليا وغرب المحيط الهادي، والتي تسعى اليابان في الوقت الحالي لصياغة ما يشبه التحالف مع دوله، يبدو شكلياً أنه موجّه للصين، لكن لا يمكن التنبؤ بتوجّهاته في حالة شعور اليابان بالاستقلال في قرارها الاقتصادي والعسكري. 

ورغم العداء المعروف بين اليابانيين وكلّ من الصينيين والكوريين وحتى الروس، فالمؤكّد أنّ من أسقط القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، ومن قام بإذلال اليابان وإمبراطورها عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية هي أميركا وليس أيّ بلد آخر. ومن الناحية الجغرافية البحتة، فإنّ اليابان هي الأخطر على أميركا من الصين وكوريا الشمالية.