المقاومة المُسلّحة بين الشرعية والكُلفة
المقاومة المُسلّحة لها شرعية أصلية تأخذها بمجرد وجود الاحتلال، وشرعية إضافية تكتسبها بعملها المقاوم، وتزداد هذه الشرعية قوةً بقدر التئام عملها المقاوم بمشروع التحرير والأهداف الوطنية.
-
المقاومة المُسلّحة من حيث الإدارة والممارسة هي عمل بشري يُصيب ويُخطئ.
في الذكرى السنوية الـ ـ20 لنصر تموز 2006م يحضرنا صانع النصر وفارس المقاومة السيد الشهيد حسن نصر الله، ونستحضر مع الذكرى وبطلها خطابات السيد التي تُقوّي العزيمة وتزرع الأمل وتُبدد الضباب، ومنها خطابه في الذكرى السنوية الـ 17 لنصر تموز عام 2023م، وقد جاء في خطابه هذه العبارة "إنَّ انتصار تموز 2006م وضع العدو الإسرائيلي والكيان الإسرائيلي على خط النزول وخط الانحدار".
ومن وحي هذه العبارة للسيد الشهيد كتبتُ مقالاً بعنوان (نصر تموز وخط الانحدار الإسرائيلي بين وعدين) نُشر قبل أقل من ثلاثة أشهر على بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في فلسطين التي أعقبت هجوم "طوفان الأقصى" على غلاف غزة.
وبهذه الذكرى أُسجل الفقرة الأخيرة من المقال "نصر تموز 2006م هو نقطة تحوّل تاريخية بين بداية إسرائيل ونهايتها، ومرحلة مركزية فصلت بين مرحلتي الصعود والانحدار الإسرائيلي، وتاريخ جوهري ما بين وعدين، وعد بلفور الباطل ووعد الآخرة الحق... والوصول إلى وعد الآخرة يحتاج إلى مشروع تحرير يضع عجلات قطار القدر الإلهي المُسافر على مسار محطة وعد الآخرة دون تواكل يُعيق الفعل أو تهوّر يُحبط الفعل، ويحتاج إلى وعي وبصيرة يُخرج العمل الإنساني من قاعة الانتظار على رصيف التاريخ، ويحميه من القفز في فراغ التاريخ".
بمنطق الفقرة السابقة، فإنَّ أيَّ مشروع تحرير لشعب ما وحركته الوطنية قد يُصيبه نوعان مُتناقضان من الخلل، الأول التواكل والانتظار "تواكل يعيق الفعل.. الانتظار على رصيف التاريخ"، والثاني التهوّر والقفز "تهوّر يحبط الفعل... القفز في فراغ التاريخ"، وعن هذين الخللين المتعاكسين جاء في مقال سابق لكاتب هذه السطور بتاريخ 6 أيار/ مايو 2022م، بعنوان (خطاب المقاومة بين أماني النصر ومشروع التحرير)، ورد فيه "أماني النصر تركن إلى إيمان يؤدي إلى التواكل أو التهوّر، ووعي يؤدي إلى الجمود أو التسرّع، وقوة مُنفصلة عن الإيمان والوعي، وصبر يقود إلى الجزع واليأس أو الوهم والخداع".
سنتجاوز الخلل الأول الخاص بالتواكل والانتظار والجمود بنتائجه السلبية على مشروع التحرير لنُركز على الخلل الثاني الخاص بالتهوُر والتسرّع والقفز بنتائجه السلبية على مشروع التحرير، وأهمها رفع كُلفة المقاومة إلى درجة قد تُهدد الوجود الوطني للشعب الحاضن للمقاومة، والوجود النضالي للمقاومة الحامية للشعب، وهي الدرجة من الكُلفة التي يستغلها خصوم المقاومة بمختلف منطلقاتهم الفكرية والسياسية والتآمرية للتشكيك في شرعية المقاومة المُسلحة من دون تمييز بين المقاومة المُسلّحة من حيث شرعية الوجود وقُدسية المبدأ، والمقاومة المُسلحة من حيث الإدارة والممارسة كعمل بشري يُصيب ويخطئ".
المقاومة المسلحة من حيث الشرعية وقُدسية المبدأ تكتب شرعيتها وقُدسيتها بمجرد وجود الاحتلال بشكله العسكري أو الاستيطاني أو كلاهما كما في فلسطين، وهو حقٌ تمارسه الشعوب الواقعة تحت الاحتلال كحقٍ طبيعي مستمد من حق الدفاع عن النفس وحق تقرير المصير، شرعنته وكفلته كل الأديان السماوية، والأعراف الإنسانية، والمواثيق الدولية، والقوانين الأُممية، وهو حق وثقته ومارسته حركات التحرر الوطنية في مختلف البلاد التي وقعت تحت الاحتلال، وفلسطين ليست بدعاً من هذه البلاد.
المقاومة المُسلّحة من حيث الإدارة والممارسة هي عمل بشري يُصيب ويُخطئ، فلا يجوز أنْ يضفى على أي عمل بشري العصمة من الخطأ أو أنْ يأخذ امتياز احتكار الصواب، كما لا يجوز أنْ يتحوّل إلى عمل مُقدّس أو يُمنح صك غفران يُعفي صاحبه من التعرّض للنقد، ويجب أنْ تبقى المقاومة المُسلّحة وسيلة مركزية لإنجاز مشروع التحرير، وأنْ يبقى المقاومون طليعة ثورية لمشروع المقاومة والتحرير وعدم تحوّلهم إلى (قبيلة) تطبق مبدأ (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) بالمفهوم الجاهلي، أو (جماعة) تطبق رؤية (الفرقة الناجية) بالمفهوم التكفيري، أو (حزب) يرى بعقله الجمعي أنه كل (الشعب أو الأمة) بالمفهوم الحزبي.
نقد المقاومة عامةً والمُسلّحة خاصةً كإدارة وممارسة باعتبارها عملاً بشرياً يُصيب ويُخطئ يتجاوز حالة الإباحة والجواز إلى الواجب والضرورة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني للحفاظ على مشروع التحرير والأهداف الوطنية، الواجب والضرورة التي تتطلب تقييم الفعل، وتقويم المسار، وتصويب المسيرة، وسد الثغرات، وتجاوز النكسات... ويصبح النقد أكثر إلحاحاً وضرورة إذا ما كان هذا العمل البشري كإدارة وممارسة قد تسبب في رفع كُلفة المقاومة المُسلّحة إلى درجة تهديد الوجود الوطني للشعب وقضيته الوطنية، وتهديد الوجود النضالي للمقاومة ومشروعها التحرري، وإلى درجة تجاوز الكُلفة البشرية والمادية العائد الوطني المُراد إنجازه، وإلى درجة زعزعة مقوّمات الوجود والصمود والمقاومة.
ضبط كُلفة المقاومة المُسلّحة هدفه ضبط الإدارة والممارسة من دون المساس بشرعية المقاومة وجوداً ومبدأً، وهو ضبطٌ يوفر الأثمان الباهظة في الأرواح البشرية والبنية التحتية التي تؤثر على الوجود والصمود والمقاومة والقضية، ويوفر الطاقات البشرية والمقدرات المادية لمراحل أهم في الصراع، ويؤدي إلى تجنّب المعارك غير المتكافئة وغير المناسبة لحرب العصابات الشعبية التي تستنزف الشعب ومقاومته من دون إنجاز وطني يخدم مشروع التحرير.
مع أهمية ضبط كُلفة المقاومة المُسلّحة لتخدم مشروع التحرير بطريقة أكثر عُمقاً وأبعد أثراً وأطول أمداً، لكنَّ من المفيد الانتباه إلى أنَّ المقاومة ليست مُجرد وسيلة لإنجاز مشروع التحرير، بل هي غاية وموقف، غاية في حد ذاتها تُعيد تعريف الإنسان الفلسطيني ككائن حُر عزيز له إرادة يرفض الاستعباد والإذلال والاحتلال، وموقف إنساني وأخلاقي يُعطي للإنسان قيمة يدرك من خلالها أنه مهما كانت كُلفة المقاومة كبيرة فإنَّ كُلفة المساومة أو الاستسلام أكبر بكثير بما فيها من ضياع للأوطان وفقدان للحقوق ونهب للموارد وإذلال وطني ومهانة إنسانية.
الخلاصة في موضوع المقاومة المُسلّحة بين الشرعية والكُلفة، أنَّ المقاومة المُسلّحة لها شرعية أصلية تأخذها بمجرد وجود الاحتلال، وشرعية إضافية تكتسبها بعملها المقاوم، وتزداد هذه الشرعية قوةً بقدر التئام عملها المقاوم بمشروع التحرير والأهداف الوطنية للشعب، وبقدر الحرص على خفض كُلفة المقاومة على الشعب ورفع كُلفة الاحتلال على العدو المُحتل.